جورج موسى


لم تفاجأ الممثلة المصرية محسنة توفيق بتغييبها، الأسبوع الماضي، عن الوفد الذي ترأّسه نجل الرئيس المصري الى لبنان. وانتقدت بطلة «العصفور» بشدّة زملاءها الذين شاركوا في الزيارة البروتوكولية، صابّة جام غضبها على الأنظمة العربية التي اتهمتها بـ«التواطؤ مع المذابح التي تقترفها اسرائيل في لبنان».
“لأ... لأ...ح نحارب... ح نحارب”، تصرخ بهيّة في المشهد الأخير من فيلم يوسف شاهين الشهير “العصفور”، بعد تنحّي جمال عبد الناصر عن الحكم. صرختها أطلقت العصفور من القفص، فأصبحت بهية رمزاً لمقاومة فساد الأنظمة العربية، وباتت محسنة توفيق صوتاً يصرخ في وجه أي غزو أجنبي للبلاد العربية.
أربعون عاماً (مشوارها الفني)، أمضتها توفيق بين أدوار وطنية قليلة و... الشارع. ومن “ذيل السمكة”، و“علامات إبريل” و“بيت القاصرات” في السينما، و“ليالي الحلمية” و“المرسي والبحار” و“أم كلثوم” في التلفزيون، و“منين أجيب ناس” و“الأم الشجاعة” في المسرح، راهنت على الطاقة النضالية الكامنة في نفوس البسطاء.
قد تكون من الفنانين القلائل الذين دافعوا بحماسة عن مواقفهم السياسية الصريحة. إذ كرّست وقتها لتنظيم التظاهرات المعارضة للحكم والمعادية لإسرائيل. عانت كثيراً بعدما اعتقلت الشرطة المصرية ابنها، واتهمته بشتم الرئيس مبارك. لكن رسالتها بقيت ثابتة: “لا بديل أمام المواطنين إلا التظاهر، بعدما كشّرت السلطة عن أنيابها واستأسدت على شعبها”.
إلا أن توفيق لم تجلب بهية إلى بيروت اليوم، ولم تشارك مع الوفد المصري الذي زار لبنان الأسبوع الماضي، علماً أنها جاءت خلال الاجتياح الاسرائيلي للعاصمة اللبنانية عام 1982. غابت محسنة توفيق عن بيروت هذه المرة. وطرح كثيرون تساؤلات عن تغييبها عن الوفد الذي ترأسّه جمال حسني مبارك، وضمّ 70 شخصية فنية واجتماعية وسياسية.
في حديثها إلى “الأخبار”، صبّت صاحبة شخصية “أم المصريين” في مسلسل “أم كلثوم”، غضبها على الأنظمة السياسية العربية التي رأت أنها متواطئة مع مرتكبي المذبحة التي من المفترض أن يتمخض عنها “شرق أوسط جديد”. كما هاجمت مصر التي “تخلّت عن دورها الحقيقي عندما وقّعت اتفاقات الخيانة في كامب دايفيد”.
يعلو صوتها ثم ينخفض، لتجيب بهدوء: “لم أفاجأ لأنهم لم يدعوني. هم يراهنون على انتهاء الحرب بعد ساعات، لذا عجّلوا في زيارتهم البروتوكولية إلى لبنان. هل تعتقد أن جمال مبارك كان سيدعوني إلى مرافقته؟ حتى لو طلب مني ذلك كنت سأرفض. اعتذرت مراراً عن تسلّم جوائز وزارة الثقافة المصرية، وأرفض دائماً الحديث مع أي من رموز السلطة المصرية”. أكّدت توفيق أن زيارتها إلى بيروت قريبة، “لا أنتظر دعوة رسمية. أنا من الشعب، سآتي إليكم مناضلة لا فنانة”. وتابعت ساخرة: “عندما اتصلت بنقيب الممثلين المصريين أشرف زكي لأسأله عن الزيارة المفاجئة، لم يكن يعلم بها. سارع إلى الاتصال بهم ومرافقتهم. من الواضح أن السلطة المصرية بحثت عن “فرقة” طبالين يرددون ما تريد هي قوله في لبنان”.
وتابعت بصوت عال: “لا أحد يستطيع منعي من الذهاب إلى بيروت. أنا حاضرة بقوة في الشارع المصري، والناس هم الذين فرضوا اسمي على المشهد السياسي”.
وانتقدت الممثلة الحائزة جوائز تقديرية عدة، الأسماء التي اختارها مبارك للمشاركة في الزيارة، “لا أدري لماذا اختاروا نبيلة عبيد وإلهام شاهين. لم يكن لأي منهما يوماً أي موقف وطني. هناك تواطؤ كبير بين هؤلاء وبين السلطة المصرية... أنا الأكثر شعبية بين الفنانين، ومواقفي تشهد على أنني الأكثر صدقية بينهم... هم يبحثون عن شهرة تجارية. أما أنا فأزوركم مناضلة لا فنانة. أبعدوني كثيراً عن المشهد الفني، لكنهم فشلوا في محو صورتي من ذاكرة الناس”. ورأت توفيق أن النخبة السياسية أو الفنية لا تملك مفاتيح حلّ الأزمة. وقالت: “القضية في يد الشعب. عندما ينزل مليون مصري إلى الشارع، فلا أحد يستطيع إيقافهم. هم فقط الذين يستطيعون إحداث التغيير في النظام، ورفض الخطة التي نسفت حضارة مصر، وتهدد اليوم فلسطين والعراق ولبنان”. وأضافت: “لن آتي إلى بيروت لزيارة الرؤساء. سأنزل إلى الشارع وأقول للناس إياكم ومعاهدة السلام مع إسرائيل. التجربة جلبت الخراب على مصر. الشعب يعيش مأساة حقيقية مذ أصبحت إسرائيل صديقتنا: انحدار في المستوى الثقافي، هبوط في المستوى المعيشي، تلويث النيل، وفساد في أروقة المؤسسات الحكومية... على شعب لبنان أن يعرف أن الصهاينة هم أعداء نهضة أي بلد عربي”. وأشارت توفيق إلى أنها ستزور المقاومين والسيد حسن نصر الله الذي “أصبح قائداً للشعب المصري... أيقظ فيهم شعور القدرة على الصمود والتغيير، بعدما اقتنعوا أنهم عاجزون عن تحقيق أي شيء. وحسن نصر الله، كما عبد الناصر، استمدّ قوته من صمود الناس”.
وختمت توفيق حديثها: “هم استقلّوا طائرة خاصة، أي استأذنوا الدولة العبرية قبل المجيء إليكم. أما أنا فسآتي من سوريا، سأعبر الحدود صارخة: علينا أن نرفض الاصلاح الآتي من الخارج، لذا لا بدّ من انتزاع حريتنا من الداخل بأي ثمن”.