«إن التاريخ يعيد نفسه. المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة»

كارل ماركس، الثامن عشر من برومير

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه في لبنان، والحماسة الزائدة لذلك لدى الكثيرين تؤكد على المهزلة القادمة. فبعد أكثر من 25 عاماً على انطلاقة إعادة الإعمار، يبدو الأمر سوريالياً، إن لم يكن أسوأ من ذلك، إذ تذهب الحكومة اللبنانية الى باريس - 4 طلباً للقروض والمساعدات والشراكة مع القطاع الخاص ببضعة مليارات من الدولارات، وذلك من أجل تمويل مجموعة من مشاريع البنى التحتية.

وهنا نسأل لماذا يحصل هذا الآن بعد كل تلك السنين وبعد باريس 2 و 3، وخصوصاً بعدما أصبح لبنان اليوم بلداً يقدّر متوسط دخله الفردي بنحو 12000 دولار سنوياً، وهذا يضعه على عتبة الدخول الى نادي البلدان المرتفعة الدخل، التي تضم أغنى 78 دولة في العالم. بالتأكيد، الأقلية القليلة فقط في بلدنا تسأل هذا السؤال، لأن الأكثرية العظمى تظن أن الأمر طبيعي، ولربما يقع ضمن الحق «الإلهي» للبنانيين، كما كانت الطبيعة الجميلة، وكما ستكون حقول النفط والغاز في المستقبل، أي أنها جزء من المن والسلوى المعتادة من السماء.
بالعودة الى الأرض، يُمكننا أن نذهب أبعد من مؤشر الدخل الى طرح السؤال التالي أيضاً: ما الحاجة الى ذلك في بلد لديه أكثر من نصف مليون عامل، أو ثلث القوى العاملة، يعملون في الخارج، ولديه عشرات الأشخاص الذين يملكون ثروات فردية بالمليارات أو بمئات الملايين من الدولارات، ونظامه المصرفي غارق بالسيولة وتبلغ ودائعه نحو 170 مليار دولار. لكل هذا، لبنان ليس بلداً فقيراً، وبالتالي على اللبنانيين، وخصوصاً المسؤولين اللبنانيين والاقتصاديين الموالين لهم، بدلاً من أن يفرحوا بباريس - 4 أن ينظروا ملياً الى هذا الأمر ويفكروا قليلاً: هل اللجوء مجدداً الى باريس - 4 سيكون إنجازاً أم فشلاً؟ هل يمثل فعلاً نجاحاً أم فشلاً صارخاً للنموذج الاقتصادي الذي أقيم بعد الحرب؟ وأخيراً، هل فشلت «المبادرة الفردية»، أو الروح الريادية للرأسماليين اللبنانيين في إنتاج اقتصاد ليس بحاجة كل بضع سنوات الى «إنقاذ مالي»؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، هناك أربع حقائق يمكن أن نرفعها الى درجة المسلمات في هذا الإطار، لا يمكن التغاضي عنها، حتى لو كان التحمس السطحي لباريس 4 يعمي البعض عن رؤيتها.
* المسلمة الأولى: إن وجود هذه الثروة والدخل العالي للبنان يجعلنا لسنا بحاجة الى باريس 4، أو أي مساعدات أو قروض من الخارج، أو حتى الشراكة مع القطاع الخاص. إن حجم الاستثمارات المطلوبة ليس ضخماً الى درجة تستدعي ذلك. إن الاستثمارات، وحتى لو أخذنا حدّها الأقصى أي 16 ملياراً على مدى 8 سنوات، تبلغ سنوياً أقل من 4% من الناتج المحلي. وهذا الأمر يعدّ أقل من العادي للاستثمار في البنى التحتية بعد أكثر من عشر سنوات انهار فيه الاستثمار العام الى ما دون استبدال الرأسمال العام المستهلك. إذاً، إن وجود لبنان على عتبة الدول المرتفعة الدخل يعني أنه يستطيع أن يموّل ذاتياً هذه الاستثمارات في البنى التحتية.

* المسلمة الثانية: إن النظام الضريبي هو المسؤول عن عدم التناظر الكبير بين غنى الاقتصاد الخاص وفقر القطاع العام. وهو بالتحديد ما منع أن تقوم الدولة نفسها بالاستثمارات المطلوبة خلال السنوات الماضية، وبالتالي جعلها تطلب القروض والشراكة.


وجود لبنان على عتبة الدول المرتفعة الدخل يعني أنه يستطيع أن يموّل ذاتياً الاستثمارات في البنى التحتية
فمعدل الضريبة الفعلية على الأرباح والعوائد المتأتية من غير العمل تبلغ فقط نحو 5%، في ظل سيطرة الأرباح والريع والفوائد على نحو ثلثي الناتج وبلوغ الضرائب على هذه العوائد فقط 1.5 مليار دولار في سنة 2015، وهو معدل يكاد يعني أن الرأسمال بمجمله معفى من الضرائب. وبالتالي، فإن لبنان يستطيع برفعه الضريبة الفعلية الى حوالى 12.5% أن يمول كل الاستثمارات في البنى التحتية من دون الحاجة الى الاستدانة لا من الداخل ولا من الخارج. وهذا ما تفعله الدول التي في مصاف لبنان من الدخل والثروة لا العكس. بالإضافة الى ذلك، فإن الشراكة مع القطاع الخاص ما هي إلا ترجمة عملية لمعادلة «خفض الضرائب على القطاع الخاص = استملاك القطاع الخاص لأصول القطاع العام»، فبدلاً من أن يدفعوا الضرائب للدولة، فإنهم يكافأون بالاستيلاء على البنى التحتية. (كذبة الشراكة ــ «الأخبار» ــ العدد 2940 الخميس 21 تموز 2016)
http://www.al-akhbar.com/node/261728.
* المسلمة الثالثة: أن رفض المصرفيين والعقاريين وأصحاب الأموال والتجار وغيرهم زيادة الضرائب عليهم لا يتعلق فقط برغبتهم في الحفاظ على سلطتهم الاقتصادية، التي راكموها في خلال الجنة الضريبية منذ 1992، بل أيضاً لأن الريعية الطاغية على الاقتصاد الحر تجعل الرأسماليين اللبنانيين عموماً غير مبالين بالبنى التحتية، لأن العلاقة بينها وبين إنتاجية هذه القطاعات ليست بالقوة التي تدفعهم الى القبول بالاقتطاع من عوائدهم لبنائها. فأرباح المصارف والعقاريين والمستثمرين في سندات الخزينة والدين، كما أرباح القطاع التجاري لن تزيد كثيراً، في ظل بنى تحتية أفضل، وبالتالي إذا كان هناك حاجة للبنى التحتية التي قد تفيد الصناعيين أو المبادرين أو الرواد الصغار أو أي «رأسماليين افتراضيين» غيرهم، فهؤلاء غير مستعدين لدفع ثمن ذلك. يقول إيمانويل والرشتاين إنه حتى في الدول الرأسمالية المتقدمة، فإن المنتجين الذين يستعملون البنى التحتية أكثر من غيرهم باتوا يدفعون اليوم الجزء اليسير من كلفتها، التي يقع أكثرها على الجمهور العام، وبالتالي نرى أن دولة كالولايات المتحدة، في ظل إعفائها المتزايد للرأسمال من الضرائب، كما في سياسة ترامب الأخيرة، ستواجه تراجعاً أكبر في مستوى هذه الخدمات العامة، التي أصبح أصلاً وضعها مزرياً بعد 30 عاماً من السياسات الليبرالية. وفي لبنان، من خلال الشراكة أيضاً، ستصبح البنى التحتية مصدراً للربح للقطاع الخاص اللبناني الذي يواجه اليوم انخفاص معدلات الربح في الاقتصاد الحقيقي، بالإضافة الى القطاع الخاص الأجنبي. وهذا سيشكل المرحلة الثانية من استفادة القطاع الخاص من الدولة بعدما استفادت المصارف والمستثمرون الماليون من ديون الدولة في السنوات الـ 25 الماضية.
* المسلمة الرابعة: إن لبنان استنفد مقدرته على جلب «الوجبات المجانية» من الخارج. فتدفقات باريس 4 ستكون أغلبها قروضاً وليست مساعدات، لأن، أولاً، أكثرية الدول تمنعها قوانينها الداخلية من إعطاء مساعدات لدول تخطى دخلها حداً معيناً.

النظام الضريبي هو المسؤول عن عدم التناظر الكبير بين غنى الاقتصاد الخاص وفقر القطاع العام
وثانياً، يبدو أن الدول الغربية والمؤسسات لم تعد تكترث لسياسات «الابتزاز» التي حاول لبنان ممارستها من أجل الحصول على المساعدات، إن بالمحاولات الرخيصة لاستعمال اللاجئين السوريين أو المحاولات المافيوية لبيع «استقرار لبنان» على أنه سلعة مطلوبة دولياً لديها ثمن. وهنا كحاشية، لربما لفت البعض قول الرئيس الحريري في مهرجان المستقبل الانتخابي: «فليعرف الجميع أنني لن أبيع الأشقاء العرب بضاعة سياسية مغشوشة». وعلى وقع تصفيق الجمهور، فكرت هل يعني هذا أن من الجائز (Its Ok) أن نبيعهم بضاعة سياسية غير مغشوشة!
بالطبع، إذا كان باريس 4 سيعقد أو لا، فهو أمر لا يتعلق بلبنان واللبنانيين ولا بصحة أو عدم صحة هذه «المسلمات». ولكن إذا عُقد المؤتمر، علينا أن نقول للدول والمؤسسات «المانحة» أن تقوم بما لم نستطع نحن أن نقوم به: عليها، أولاً، ألا تطلب من لبنان أن يقوم بإصلاحات مبهمة، أو أن يتبع بنود أجندة نيوليبرالية مكتوبة سلفاً لم ينفذ أصلاً أياً منها في باريس 2 و3، بل عليها أن تطالب لبنان بأن يجعل نظامه الضريبي عصرياً وأن يقابل أي منحة أو قرض أو شراكة برفع الضرائب على الرأسمال والأصول الخاملة في العقارات والمصارف والأصول المالية وسندات الخزينة والثروات المكدسة في الخارج، وبعضها في «الملاذات الضريبية». وعليهم أن يقولوا للبنان أن يوقف تدمير البيئة المحلية والمتوسطية والأنهر والمياه الجوفية، ليس لإهمال بل بسبب الرأسمال المنفلت من كل تنظيم والساعي إلى الربح السريع. وعليهم أن يقولوا للبنان إننا ندعم تراكم الرأسمال الثابت لأننا نهتم بالأجيال المقبلة التي ستستفيد من هذه البنى التحتية، ولكن عليك أيضاً أنت أن تهتم بأجيالك المقبلة عبر القضاء على سوء توزيع الثروة وتركزها وتمنع خلق السلالات (dynasties)، التي تستمر في تركيز الثروة عبر الأجيال، بحيث يستمر الماضي بابتلاع المستقبل. ويجب أن يقولوا للبنان إننا ندعم تراكم رأس المال، ولكن على رأسمالييك أن يوقفوا الذهاب الى «الاستثمار» المالي، بل عليهم أن يستثمروا في الاقتصاد الحقيقي وفي خلق الصناعات وفي الزراعة وفي التكنولوجيات الحديثة، من أجل امتصاص الكم الهائل من الشباب المتعلم، بدلاً من أن تفعل ذلك الهجرة. هذا ما يجب أن يحدث في باريس 4 حتى لا تكون «المساعدات» هي فقط لإعطاء جرعة أخرى لهذا النظام السياسي ودعماً للأحزاب الحاكمة في سياساتها التوزيعية.
نحن نطالب بذلك لأنه، على الأرجح، عرّف أحدهم الرأسمالية خطأ في لبنان. فالرأسمالية هي ليست البيع والشراء والتبادل والمنافسة الفجة بين الأشخاص، كما هي ليست الحفاظ على تركز الثروة عبر الاحتكار والميراث، بل هي تراكم الرأسمال الحقيقي والتقدم التكنولوجي، وكما أمل آدم سميث رفع مستوى المعيشة عبر انتقال ثمار تراكم الرأسمال الى العمال والموظفين عبر ارتفاع الأجور الحقيقية. وكما قال ماركس وإنجلز في أهم وصف للرأسمالية «فالبورجوازية أدت، في التاريخ، دوراً ثورياً بارزاً كل البروز... في غضون سيطرتها الطبقية التي لم يَكد يمضي عليها قرن من الزمن، خَلقت قوى منتجة تفوق بعددها وضخامتها ما أوجدته الأجيال السابقة كلّها مجتمعة». أين هذا عندنا؟ فالرأسماليون اللبنانيون يبحثون دوماً عن «وجبة مجانية» وكأنهم لم يقرأوا مقدمة الكتاب الذي تعلموا فيه مبادئ الاقتصاد الحر الذي يحملون لواءه على الأقل في العلن.