تنحدر الدولة الأردنية، بتسارع غير مسبوق، نحو الفوضى السياسية؛ فلم يعد هناك إجماع، أي نوعٍ من الإجماع حول أيّ قضية، بينما يبدو كأن «الدولة العميقة» قد شُلّتْ، وتحولت المؤسسات الأمنية السيادية إلى ما يشبه الأجهزة الشرطية، وانكسر الدور الحاكم السابق للمحافظات والعشائر، وتخلخل الخطاب الوطني ودبّ الشعور بالهزيمة في قلب الحركة الوطنية ــ بإطارها الواسع ــ وضيّع الكثيرون، البوصلة.


(1)


لا نستطيع أن نغفل، ابتداءً، أن 25 ملياراً من المديونية العامة تشل الدولة، ودورها الاقتصادي والاجتماعي، وقدرتها على المناورة، وتغلق أبواب الأمل في انقضاء مرحلة الضنك المعيشي أو حتى رؤية الضوء في آخر النفق المظلم.
في عام 1988 حين انفجرت أزمة مديونية الـ 8 مليارات دينار، كان يمكن عقد المقارنة بين المديونية العامة والإنجازات والموجودات؛ فما الذي يمكن قوله في عام 2016، بلا إنجازات ولا موجودات؟
يظنّ الواهمون أن المجتمع الأردني طوى صفحة الوعي بملفات الفساد الكبرى وملفات الفشل الإداري، وكونها الأساس في استنزاف الخزينة وإثقالها بالمديونية. كلا، فما حدث هو نكوص ناجم عن الشعور العام بأن تصفية تلك الملفات يحتاج إلى قدر من العنف السياسي الذي قد تتفكك معه الدولة. لكن، وعلى الرغم من هذه التضحية التي أقدم عليها الأردنيون طوعاً، فإن الدولة تتفكك بالفعل؛ فالقبول بمؤسسة الفساد أفسد الإدارة والوعي والمؤسسات والأفراد.
الأساليب الاقتصادية والمالية للمحافظين الجدد (اقتصاد السوق المعولم، وحرية وأولوية رأس المال، وتضخم الغول المالي ــ العقاري، والفساد الممنهَج ..) نجحت في خلق زيادة الرأسماليين والثروات، وكذلك الفقراء والمعاناة. ومع ذلك، يُراد من الأردنيين التصفيق للعرض المسرحي نفسه، ذلك الذي عاشوه في العقد الأول من هذا القرن، وكانت نتيجته أزمة متصاعدة مزمنة في المالية العامة، أفقدت الدولة القدرة على المبادرة الاقتصادية أو السياسية. ولا يوجد حل لهذه الأزمة سوى تصعيدها بالمزيد من المديونية في دائرة مغلقة، وفي الوقت نفسه تشديد المعاناة المعيشية بالنسبة إلى الأغلبية.
ولا يزال المخرَج، رغم وقائع السنين العجاف، هو نفسه: جذب الاستثمارات! بمنح المزيد من التسهيلات وصلت إلى حدّ التخلي القانوني عن السيادة في المجال الاقتصادي للمستثمرين كما يظهر في قانون «صندوق الاستثمار الأردني».
لقد أثبتت التجربة الملموسة عالمياً أن الاستثمارات الأجنبية لا تلعب إلا دوراً مكمّلاً لماكينة استثمارية محلية تراكم رأس المال والخبرة والتقانة والعمالة المدرّبة بإنتاجية وأجور كافية لإعادة إنتاج حياتها. وهذا كله غير متوفر في اقتصاد تقوده قطاعات المال والعقارات، ويملك سوقاً ضحلاً، ويعتمد على الخبرة المستوردة والعمالة الوافدة، في بلد يقع في قلب منطقة تحترق بالنار!
كنّا في السابق نقول: الاقتصاد أولاً! لنبع سلعاً وخدمات ينتجها الرأسمال المحلي والأجنبي، بدلاً من بيع الخدمات السياسية والأمنية؛ وصرنا نعرض الآن الخدمات السياسية والأمنية مقابل الاستثمارات!
ولا يزال الحديث يتكرر حول ربط البطالة بثقافة العيب وغياب ثقافة العمل، ناسين أن ثقافة العمل تنتجها ظروف العمل غير المتوفرة في المحافظات حيث تتركز البطالة. وهذه الظروف غير مؤمّنة، وأولها النقل. وها نحن أحرقنا 25 مليار دينار من دون أن نحصل على نظام فعّال ورخيص للمواصلات العامة، يؤمّن سيولة انتقال الأيدي العاملة من المحافظات إلى حيث تتركز الفرص في العاصمة؛ أما صندوق تنمية المحافظات الذي كان معوَّلاً عليه تمويل مشروعات صغيرة (بحد أقصى خمسة آلاف دينار) متصلة بالبيئة المحلية ونشاطاتها، فقد تحوّل إلى بنك قروض ضخمة قليلة الفائدة لمصلحة الأثرياء والمتنفذين!
وفي ثقافة العيب، نتذكّر طرفاً واحداً من المعادلة: الفقراء الذين يأنفون من القيام بأعمال متدنية الموقع اجتماعياً، وننسى الطرف الآخر من معادلة العيب. وهي احتكار المناصب الأكثر سطوة وجدوى لمصلحة نادي الآباء والأبناء والبنات والأنسباء، في ظاهرة التوريث السياسي والإداري، تلك الظاهرة التي تغرّب الدولة عن مجتمعها، وتجعلها غير ذات موضع ثقة.

(2)


ضحى الأردنيون، في عامَي 2011 و2012، بمصالحهم الاجتماعية والسياسية، لحساب المصالح العليا للدولة؛ لكن ما العمل إذا كانت الدولة تنهج بنفسها نهج تفكيك نفسها؟
في بلد صغير كالأردن، بلا مشروع تنموي عام، ولا خطة للتنمية المحلية، ومع مركزية سلطوية عنيدة، لا يمكن تفسير قانون اللامركزية الإدارية والمالية للمحافظات إلا بتفسير سياسي يرتبط بمشاريع تصفية القضية الفلسطينية. وهو ما يثير الشكوك، ويدعم حالة انعدام الثقة، ويعمق مسار الفوضى.
بلدنا الصغير، بالعكس، في حاجة إلى مركزية متشددة، تربط مجتمعاته المحلية في نظْمة تنموية موحدة متعاضدة ومتداخلة، وتربط محافظاته بشبكة سكة حديد تحفز سيولة العمل والنقل والانتقال والسكن، ودولة مركزية تدير الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في كل موحد؛ ليس لأن هذا الكل الموحّد أحلى، ولكن لأنه أقل كلفة وأكثر إنتاجية؛ فإما أن اللامركزية خطأ ووهم، وإما أنها، كما ترى الأكثرية، مؤامرة!

(3)


منذ شن الحرب الإمبريالية الرجعية العثمانية التكفيرية على سوريا، لم تستطع الدولة الأردنية أن تنأى، أقله، بنفسها. وإذ ينبغي الاعتراف بأن السياسة الأردنية، منذ 2011، حتى الآن، ظلت تناور لتحديد مديات التورّط في سوريا؛ إلا أنها ضحت بالكثير من مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية لحساب قوى إقليمية ودولية شنت وتشن الحرب على البلد الشقيق. إلا أن خسارتنا في العراق، جراء دعم معارضة مذهبية، كانت أفدح، بل إن تحرك السياسة الأردنية في العراق كان يسير بالاتجاه المعاكس للمصالح الأردنية التي كان يمكن أن يوفّرها الاستقرار في البلد الجار الذي كان جاهزاً للتعاون الاقتصادي والسياسي مع الأردن، للعودة إلى النطاق العربي ولتأمين محافظة الأنبار بين عمان وبغداد. وإذا كانت السياسة الأردنية في سوريا قد تحركت وتتحرك تحت ضغوط معروفة، فإنها في العراق كانت مندفعة وراء التدخّل. وفي الخلفية، كان الدور الأردني في سوريا والعراق ينطلق من أوهام إمكانية التوسّع في مشروع الأردن الكبير.
ارتدّت هذه السياسة المضطربة الواهمة غير المستقلة على بلدنا ودولتنا بنتائج مؤذية للغاية، وتمسّ جوهر الأمن الوطني الأردني؛ فالسياسة التدخلية في سوريا والعراق سمحت للخطاب المذهبي والتكفيري بالانتشار والتموضع والغلبة على الخطاب العلماني والوطني، وهو المناخ الذي ولدت فيه، وبدفعه، الخلايا الإرهابية النائمة، وإنما الكثيرة والخطيرة، والتي لم تعمل بعد؛ فالضربتان اللتان وجههما الإرهاب إلى مؤسستي المخابرات والجيش، صدرتا عن مركز إمبريالي في سياق مشروع تفكيك الدولة الأردنية؛ لكن الأسوأ هو ما أظهره الانقلاب الفاشل على الرئيس التركي الإخونجي، رجب أردوغان، من هيمنة الوعي المذهبي والولاء المذهبي لقاء تراجع الوعي الوطني والولاء الوطني؛ فبين عشية وضحاها، تبيّن أن قسماً كبيراً من المواطنين يوالون الدولة التركية بأكثر مما يوالون الدولة الأردنية، وأنهم يبحثون عن زعيم مذهبي بأكثر مما يبحثون عن زعيم أردني، وأنهم يتوجهون إلى مقام السلطان بأكثر مما يتوجهون إلى مقام الملك!
وعلى رغم فداحة المشهد الأردوغاني في الأردن، وخطورته البالغة، سياسياً وثقافياً وأمنياً، فقد جرى القفز عنه، ولم يتم التوقف عنده، ومراجعة السياسات والمشروعات. وكانت هذه لحظة عميقة من مسار التفكك السياسي جعلت من المشهد التالي أكثر خطورة، أعني مشهد الانتخابات.

(4)


طُلب من الخبير (غير الأردني) لقانون الانتخابات لعام 2016، تصميم قانون انتخابات وتقسيم للدوائر الانتخابية، بما يحقق المشروع الإمبريالي ــ الصهيوني لتفكيك الدولة الأردنية وإعادة تركيبها في مسار تصفية القضية الفلسطينية وأسرلة الأردن. ولدى تحديد موعد الانتخابات في 20 أيلول المقبل، وبدء الحراك الانتخابي، تبين أن القانون المشؤوم ذاك أكثر فعالية في تحقيق الأهداف الإمبريالية ــ الصهيونية مما ظن أصحابه.
هذه الأهداف هي:
أولاً، تحطيم الفعالية السياسية للعشائر. وقد لاح النجاح الكبير في تحقيق هذا الهدف من خلال ما نراه من عجز القوى العشائرية عن التوصل إلى تشكيل قوائم ذات وزن سياسي، أو حتى قوائم!
ثانياً، تحطيم الفعالية السياسية لبيروقراطية الدولة. وقد لاح النجاح الاستثنائي في تحقيق هذا الهدف من خلال ما نراه من انكفاء البيروقراطية عن الفعل الانتخابي والسياسي.
ثالثاً، تمكين جماعات المحافظين الجدد المرتبطين بالمركز الإمبريالي والجماعات الإسلامية المرتبطة بالمراكز الإقليمية الحليفة للإمبريالية، من استلحاق الليبراليين و»اليساريين» و»القوميين» بصفوفها من خلال قدرتها على تشكيل القوائم، والعمل معاً في هجمة واحدة مسنودة للانقضاض على البرلمان والدولة وطرح مضامين التوطين السياسي والوطن البديل تحت شعارات «المواطنة» وما شابه.
رابعاً، زيادة نسبة التمثيل السياسي للأردنيين من أصل فلسطيني على أساس غير وطني أو اجتماعي، وإنما على أساس المحاصصة ولمصلحة المقاولين والتجار. وقد بلغت الوقاحة بتاجر أغذية جيش الاحتلال الأميركي في العراق أن يشكّل قائمة فلسطينية صافية في محافظة الزرقاء، إلا أن تلك الوقاحة هي نتاج مباشر للقانون وتقسيم الدوائر.
خامساً، ومثلما سبق لي أن توقعت ــ حين طالبت بإلغاء الكوتا المسيحية ــ فإن قانون الانتخابات عمل ويعمل على تفكيك الجماعة المسيحية الأردنية ــ المعروفة بتوجهاتها العروبية والعلمانية وتأييدها للشقيقة سوريا ــ واستلحاق المرشحين المسيحيين في قوائم مشبوهة وطنياً، وحتى في قوائم الإخوان المسلمين وثيقي الصلة بجبهة النصرة الإرهابية.
وكان هناك نوع من الأمل لدى أوساط أردنية بأن تقوم دائرة المخابرات بالحد من النتائج الكارثية لقانون الانتخابات، من خلال إدارتها وضبط إيقاعها؛ إلا أنه تبين أن الدور السياسي للمخابرات تم شلّه.
وبناءً على كل ما سبق، فنحن بإزاء ظاهرة تحدث للمرة الأولى منذ انتخابات 1929، حين قاطع الأردنيون الانتخابات التشريعية التي كان هدفها الإمضاء على المعاهدة الأردنية ــ البريطانية. وهي المتمثلة في الميل العام في المحافظات نحو مقاطعة الانتخابات النيابية وعدم الاهتمام بها والتوجس من خطرها على كيان الوطن والدولة.

(5)


المفارقة أن تنتهي أوهام الأردن الكبير الممتد من حوران السورية إلى الأنبار العراقية، بأردن صغير جداً في الكرك والطفيلة وجوارهما!

*مقالة غير منشورة للشهيد ناهض حتر