يحتل الحديث عن إغلاق مضيق «هرمز» الاستراتيجي مساحات واسعة عند التطرّق إلى سيناريوهات أيّ ضربة عسكرية أو حرب على إيران. ولئن صار مألوفاً الكلام عن أهمية المضيق وتداعيات إغلاقه، فإن التدقيق في قدرات طهران الفعلية على أداء هذه الورقة يبقى محل تشكيك من البعض ما لم يجرِ التدقيق في ما تملكه البحرية الإيرانية من أسلحة وعتاد في هذه المنطقة من العالم


علي شهاب
طوّرت البحرية الإيرانية عقيدتها العسكرية استناداً إلى مفصلين تاريخيّين مهمّين في العصر الحديث: الحرب الإيرانية ـــــ العراقية، والعدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006.
بعيد حرب تموز مباشرةً، أُعطي الحرس الثوري صلاحيات واسعة في تعزيز القدرات البحرية الإيرانية في الخليج وبحر عمان، ومضيق «هرمز» تحديداً، الذي يقلق إغلاقه العالم.
ومع أن طهران لم تعلن «رسميّاً» نيتها تعطيل مضيق هرمز في حال نشوب حرب عليها، فإن نوعية التسليح الذي نالته البحرية الإيرانية في السنوات الأخيرة، تؤكّد صحة الهواجس.
وتستند عقيدة القوات البحريّة الإيرانية، التي تعدّ 20 ألف عنصر، إلى «تكتيك حرب عصابات» من خلال الاعتماد على أسلوبين أثبتا تاريخياً فعّاليتهما: الأول هو القوارب الصغيرة (الشبيهة بطرادات من طراز «بوستن ويلر») المسلحة بقاذفات قنابل ومعدات لازمة للتعامل مع قطع بحرية كبيرة، علماً أن إيران أصبحت واحدة من خمس دول في العالم قادرة على إنتاج زوارق سريعة تفوق سرعتها 100 كيلومتر في الساعة. وتقدّر تقارير غربية عدد هذا النوع من القوارب العاملة في البحرية الإيرانية بثلاثة آلاف قارب، وهو رقم قياسي إذا ما ثبتت دقّته. والثاني هو الألغام البحرية.
هذان الأسلوبان يكملان بعضهما بعضاً، إذ تسهل حركة القوارب الصغيرة في «بيئة محيطة ملغمة». وبما أن الولايات المتحدة خبرت سابقاً مرات عديدة أسلوب القوارب الإيرانية السريعة، فإن الجديد الذي يمكن الحديث عنه بالتفصيل هو القدرات الإيرانية على مستوى الألغام.

ألغام بحرية بالجملة

تمتلك البحرية الإيرانية تشكيلة مهمّة من الألغام البحرية، بدءاً من لغم «صدف ـــــ1»، المحلي الصنع نقلاً عن نسخة «إم 8» ذات التصميم الروسي، إلى الألغام المربوطة، ذات التأثير السفلي المدمجة مغناطيسياً، فالألغام الصوتية التي تنصهر بالضغط، والألغام الممغنطة التي تُلصق بالسفن وتُستخدم بواسطة قوات العمليات الخاصة، والألغام الجارية؛ والألغام التي يجري التحكم فيها عن بعد.
أما أخطر الألغام في الترسانة الإيرانية فهي ألغام «إي أم 52» الصينية الصنع، التي حصلت عليها إيران منتصف تسعينات القرن الماضي، ويُعتقد على نطاق واسع أنها «باتت ضمن ترسانة حزب الله البحرية»، بحسب دراسة صادرة عن مركز التحليل الأمني الاستراتيجي، التابع للإدارة الأميركية. وتكمن خطورة هذا النوع من الألغام في أنه مخصص لإغراق القطع البحرية الكبيرة كحاملات الطائرات.
وبحسب المتداول في التقارير الغربية، تملك إيران القدرة على إغلاق مضيق «هرمز» في إجراء وقائي قبل أيّ ضربة تستهدفها، من خلال طرق عديدة، أبرزها نشر الألغام البحرية. وتشير تقديرات استخبارية أميركية في هذا المجال إلى أن طهران تحتاج إلى ما يقارب 300 لغم فقط، علماً أن الحديث يدور عن مخزون إيراني من هذا السلاح يصل إلى حدود خمسة آلاف لغم.
وتمثّل الألغام خياراً استراتيجياً في العقيدة البحرية الإيرانية.
وبالرغم من كونها سلاحاً دفاعياً في المبدأ، إذ تُستخدم عادةً لعرقلة حركة العدو، فإن الاستخدام الإيراني لها أضفى عليها خاصيات جديدة حفزّتها الكلفة المتدنية نسبياً لإنتاج اللغم الواحد، فضلاً عن سهولة تخزينه مقارنةً بذخائر أخرى، ومرونة نشره واستخدامه انطلاقاً من قطع ووسائل متعدّدة.
وتسهم الطبيعة الجغرافية لمضيق «هرمز» في سلوك خيار الألغام البحرية، نظراً إلى أنّ أعمق نقطه فيه لا تتعدى الخمسين متراً، كما أن أقصى عرض له لا يتخطّى خمسة وخمسين كيلومتراً، ما يجعل منه منطقة مناسبة تماماً للتفخيخ.
كذلك، تدّعي إيران أنها تصنع ألغاماً من مواد غير مغناطيسية، ما يجعل من احتمال اكتشاف السونار لها أمراً صعباً.

إنجازات بحرية

تمتلك ألغاما لإغراق حاملات طائرات، ويُعتقد أنها وصلت لحزب الله
شهد سلاح البحرية الإيرانية في الآونة الأخيرة جملة إنجازات وتطورات لافتة؛ كان أبرزها:
• تسيير دوريات تتألف من مركبات من دون ربان (على شاكلة الطائرات من دون طيار) في مياه الخليج.
• تفعيل خط إنتاج الغواصات المحلية، حتى إن تقريراً غربياً تحدث عن تزويد حزب الله في لبنان بنوع من الغواصات التي يدير الواحدة منها فرد واحد، فضلاً عن العمل الإيراني الدؤوب لتطوير غواصات كورية شمالية مجهزة بطوربيدات قصيرة المدى (من 6 إلى 10 كيلومترات)، إلى تصنيع غواصة محلية معروفة باسم «غدير» قادرة على إطلاق طوربيدات وصواريخ.
• الإعلان عن صناعة طوربيد «حوت» سرعته تحت الماء 100 متر في الثانية. كما دشنت طهران خطّي إنتاج لطوربيدات 533 و324 ميلليمتراً.
• الإعلان عن تدشين خط إنتاج طائرة مائية هجومية.
• تدشين خط إنتاج مدمرة، بعد البدء أواخر عام 2007 بتصنيع البارجتين «موج» و«جماران».
• تعزيز التسلح على متن الزوارق الآلية الصغيرة المتوسطة الحجم، بما يمكّنها من حمل طوربيدات وقواذف صواريخ متعددة الأحجام. أبرز هذه الزوارق زورق «ذو الفقار»، القادر على حمل قاذفة صواريخ بمدى 20 كيلومتراً واثنين من صواريخ «كوثر» المضادة للسفن.
• البدء بتصنيع الصاروخ «رعد أس أس أن 4» (المعدل عن نسخة صينية)، علماً أن المدى المعروف للنسخة الصينية يصل إلى 100 كيلومتر، ويصل وزن رأسه الحربي إلى نصف طن.
• تطوير صواريخ «سي 802» (التي قيل إنها استُخدمت في لبنان) تحت اسم «نور» لتصبح قادرة على حمل رأس بوزن 155 كيلوغراماً، فضلاً عن سهولة إطلاقها، حيث نُشر هذا الصاروخ على بطاريات متحركة عند السواحل وفي جزيرة «قشم». كذلك تعمل البحرية الإيرانية على تطوير النسخة الصينية من صاروخ «سي 701» الأصغر حجماً بمدى يصل إلى 20 كيلومتراً. وهي صواريخ مجهزة بـ«عين إلكترونية»، وتتميز بكونها «تتيح مرونة إضافية بسبب صغر حجمها نسبياً»، فضلاً عن إمكان إطلاقها من منصات ومحمولات مختلفة.
• إطلاق خط إنتاج صواريخ «كوثر» بعيارات مختلفة يصل أحدثها إلى مدى 25 كيلومتراً برأس حربي يزن 120 كيلوغراماً.
• تطوير نظم إلكترونية صالحة للاستخدام في الغواصات والزوارق، فضلاً عن رادار ساحلي متحرك وشبكة اتصالات تعتمد على ألياف ضوئية وتربط مراكز القيادة على طول الساحل الشمالي للخليج.

إجراء أميركي رادع

لمواجهة التطور في العقيدة البحرية الإيرانية في مياه الخليج، عمدت الولايات المتحدة إلى تعزيز عمليات الرصد والدوريات؛ فقسّمت «القيادة المركزية الوسطى» (سنتكوم) مياه الخليج إلى ثماني مناطق منفصلة، حيث يجري الاحتفاظ داخل كل منطقة بقطع مناسبة تتيح للبحرية الأميركية أو الحليفة رصد عمليات زرع ألغام أو هجوم «انتحاري» بقارب صغير.
على أن هذه الإجراءات «الوقائية» قبل أيّ مواجهة محتملة تبقى ناقصة، لكونها غير خاضعة للاختبار الجدي من جانب الأميركيين، بل تبدو الأمور أكثر وضوحاً في الجانب الإيراني، الذي «تورط» في احتكاكات عدة مع قطع أميركية في السنوات القليلة الماضية، في مشهد فسّرته بعض التحليلات على أنه عملية «جس نبض» لتكتيكات معينة.
أحد هذه الاحتكاكات المواجهة بين البوارج الأميركية الثلاث: المدمّرة «يو اس اس هوبر» والفرقاطة «يو اس اس انغرام» والطرّاد «بورت رويال» وخمسة زوارق إيرانية سريعة في السابع من شهر كانون الثاني 2008، أثناء بحث القطع الأميركية عن بحّار أميركي مفقود.
يومها، وصلت الزوارق الإيرانية إلى مسافة تقل عن 300 متر من البوارج الأميركية من دون أن تعمد الأخيرة إلى فتح نيرانها، رغم أن الرواية الأميركية أشارت إلى سماع نداء صادر من زورق إيراني هدّد بتفجير البوارج الأميركية.
كما أن وصول الزوارق إلى هذه المسافة من القرب يعزّز قدرتها العالية على المناورة، ويمثل مشكلة حقيقة للبوارج الأميركية الأكبر حجماً والأبطأ حركة. آنذاك، كانت شبكة «سي أن أن» الأميركية أول من أورد الخبر بالتركيز على أن الحرس الثوري هو المسؤول عن الزوارق الإيرانية الخمسة، علماً أن قائد هيئة الأركان المشتركة حالياً (وقائد البحرية آنذاك) الجنرال مايكل مولن، وهو أيضاً المسؤول السابق عن العمليات البحرية قبالة السواحل الإيرانية، رأى أن «تسلّم الحرس الثوري مسؤولية الزوارق والقطع البحرية الإيرانية في مياه الخليج مؤشر استراتيجي».
ومنذ نهاية حرب تموز 2006، ينشط الأميركيون على جبهة حلف شمالي الأطلسي لتعزيز حضور الأخير في مياه الخليج والبحر المتوسط. وقد جرى التنظير للدور الجديد لـ «الأطلسي» من خلال عدة ندوات عسكرية مشتركة في واشنطن في السنتين الماضيتين، خرجت بتوصيات مفادها أن سلاح البحرية هو الخيار الأفضل للسيطرة على مصادر الطاقة ومكافحة الإرهاب.
حالياً ترابط بالفعل قطع بحرية كندية وبريطانية وأخرى حليفة للولايات المتحدة في مياه الخليج، فضلاً عن الوجود الإسرائيلي («قرش الموت» وغواصات)، فيما لم تتوقف الجهود العربية لتعزيز القدرات البحرية في الكويت والإمارات والسعودية وسلطنة عُمان.


انتشار على الجزر الثلاثويُوضح تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن «قرار إيران بوضع مكتب لتسجيل السفن في جزيرة أبو موسى يمكن أن يترجم على أنه تقليد لمكتب عمان للشحن البحري لمراقبة المرور في مضيق هرمز الاستراتيجي». وتتقاطع تقارير عديدة في تعداد الإنشاءات والدفاعات العسكرية الإيرانية على الجزر الثلاث، إذ يُقال إن لواءً نظامياً كاملاً من بحرية الحرس يرابط على جزيرة أبو موسى، وكتيبة من مشاة البحرية على جزيرة «طنب الصغرى»، ولواءً من مشاة البحرية على «طنب الكبرى».