باريس | لا يزال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يثبت يوماً بعد يوم أنه إذا «قال فعل»؛ فهو أراد نقاشاً عن الإسلام في حزبه، رغم التحذيرات التي ازدادت وتيرتها يوماً بعد يوم، فغير عنوان الندوة عن الإسلام لتصبح «ندوة عن العلمانية» من دون أن يغير ذلك من اتجاه أنظار المنتقدين والمؤيدين نحو الهجرة والمهاجرين والإسلام والمسلمين الفرنسيين.

وبدل أن يكون النقاش من خلال مؤتمر تطرح وتتداول في إطاره «الأفكار والطروحات» يدوم نهاراً كاملاً، انتقل النقاش إلى «طاولتين مستديرتين» في غرفتين صغيرتين لمدة ساعتين فقط لا غير. وبدل أن تتمخض الندوة عن اقتراحات تتبناها الحكومة التي تملك أكثرية نيابية لتحولها لقوانين، اكتفى المجتمعون بقراءة ٢٦ بنداً في ٦٠ دقيقة قبل أن ينفرط عقد لم يشارك فيه رئيس الوزراء فرانسوا فييون، المعترض على مبدأ استهداف الفرنسيين المسلمين الذي يراه خلف هذه الندوة.
إذاً حصل ساركوزي على ندوته، إلا أن عداد نقاط الخسارة بدأ بالتسارع وازداد ابتعاد المؤيدين له، وبدأت هيكلية تترنح تحت سيل الانتقادات الداخلية.
أول الغيث كان انشقاق الحزب الراديكالي، الذي يرأسه وزير البيئة السابق جان لوي بورلو، الذي نافس فييون فترة ما على منصب رئاسة الوزارة. الحزب الراديكالي كان قد انضم إلى حزب ساركوزي «الديغولي»، تجمع الأكثرية الشعبية وحصل على عدد من المقاعد الوزارية، إلا أنه فضل عدم المشاركة في الحكومة الجديدة بعد تردد ساركوزي بين فييون وبورلو وسحب وزراءه وأبرزهم وزير الدفاع السابق هيرفيه موران.
وانفصلت عن الحزب الأكثري أيضاً الوزيرتان السابقتان السمراء راما ياد وفضيلة عمارة ذات الأصول الجزائرية، اللتان مثلتا الانفتاح على الأقليات. ويأتي ذلك بعد ترك دومينيك دو فيلبان للحزب الديغولي ورافقه عدد من النواب والمحازبين انضموا إلى حزب «جمهورية متضامنة»، الذي أطلقه لخوض الانتخابات الرئاسية. وبالطبع، لا يشك أحد في أن هذه الانشقاقات لا تعود فقط إلى «تنافس سياسي»، بل لأن الطروحات الساركوزية في مسائل تتعلق بالإسلام والمهاجرين بدأت تشق المجتمع الفرنسي.
وكان جان ـــــ لوي بورلو قد تحدث قبل أيام، على قناة التلفزيون الثانية، عن قانون ١٩٠٥ الذي يفصل بين الكنيسة والدولة، مُضيفاً: «إن النقاش الذي ينوي الرئيس الفرنسي فتحه يجب ألا يعادي الإسلام».
وذكر أن قانون الفصل بين الكنيسة والدولة لا يعادي الإسلام، مضيفاً: «لدينا أكبر جالية يهودية في أوروبا، وأكبر جالية إسلامية في أوروبا، لكن ميثاقنا هو الجمهورية والعلمانية، علماً بأن العلمانية ليست سلاحاً مصوباً نحو ديانة بعينها».
الجميع يتأفف وينبه ساركوزي إلى أن الطريق الذي يسلكه لا يخدم إلا اليمين المتطرف، ومع ذلك لا يلين ساركوزي، لا بل على العكس، فوزير الداخلية كلود غيان، المقرب جداً من الرئيس الفرنسي، يتابع حفلة الاصطياد في المياه العكرة ونظره موجه إلى الانتخابات الرئيسية المقبلة. فقبل أسبوع دار سجال حام حول تصريحات للوزير، وخصوصاً عندما تطرق إلى ازدياد عدد المسلمين في فرنسا، ورأى أن ذلك «يطرح مشكلة».
وقد جاء ذلك في إطار النقاشات، التي سبقت الندوة العتيدة، ما أثار حفيظة رجال سياسة ورجال دين وثقافة. وها هو الآن يفتح صفحة جديدة في اللغط الدائر حول المهاجرين، الذي يحمل الكثير من الحساسية التي تزداد مع اقتراب موعد الحملات الانتخابية. فقد صرح غيان لمجلة «لوفيغارو ماغازين» بأنه يعتزم «الحد من أعداد المهاجرين الشرعيين». وذهب أبعد من «النصوص الإدارية» وأعلن عزمه على «تجاوز الأهداف التي قررتها الحكومة في مجال الهجرة الشرعية»، أكان ذلك بدواعي العمل أم لم شمل العائلات. ولم يكتف بذلك، بل أضاف أنه سيعمل على «طرد أكبر عدد من المهاجرين غير الشرعيين».
وربطاً بما أعلنته السلطات الإيطالية بشأن توزيع تصاريح إقامة للمهاجرين، قال غيان إنه «لا يكفي الحصول على تصريح إقامة» للتجوال في الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن على المهاجرين أن يحصلوا على «وثائق هوية أو سفر» صادرة عن دولهم، وهو ما يراه البعض من أصعب ما يمكن أن يحصل عليه «مهاجرون هربوا من بلادهم»، إلى جانب مطلب غيان، أن تتوافر للمهاجرين «موارد مالية»، قبل أن يشدد على أنه «إذا لم تتوافر هذه الشروط فمن حق فرنسا إعادة الأشخاص المعنيين إلى إيطاليا».
وأشار الوزير إلى أن «الغالبية الساحقة من المهاجرين يقولون إن لديهم أصدقاء وأقارب في فرنسا أو دول أوروبية أخرى».
وعبثاً تطالب إيطاليا حتى الآن بمساعدة الاتحاد الأوروبي، بينما يتصاعد التوتر، ولا سيما مع فرنسا التي كانت إحدى نتائجها موقف غيان من استقبال المهاجرين، وهو ما تعدّه روما موقفاً «غير متضامن» بما فيه الكفاية.
وتتحدث تقارير عن عدد متزايد من المهاجرين الذين يهربون من مراكز تجميعهم في إيطاليا، وعن أن عدداً كبيراً منهم قطع «الحدود الافتراضية» وهم يتجمعون في محطات القطارات في جنوب فرنسا، بعدما أوقفتهم الشرطة ويتعرضون لترحيل منهجي نحو إيطاليا.




خطّا الهجرة

بات تعبير «لامبيدوزا» في أفريقيا مرادفاً لجزيرة الموت. وأُنقذ ٥٠ لاجئاً غير شرعي وقضى غرقاً مئتان من بين ٢٥٠ قدموا من ليبيا إلى الجزيرة الإيطالية على متن قارب لا يتجاوز ١٣ متراً. وفي ستراسبورغ وقف النواب الأوروبيون دقيقة صمت حداداً على «أرواح المهاجرين»، فيما يسعى سيلفيو برلوسكوني إلى إشراك الأوروبيين في تحمل وزر الهجرة غير الشرعية التي ارتفعت عقب ثورات الربيع العربي على نحو دراماتيكي بعد بدء الحرب على العقيد القذافي.
وتتقاطع مسألة المهاجرين مع خطين: خط الحرب الذي تشنه القوات الغربية، الذي يرى فيه البعض «سبب ازدياد وصول النازحين»، وخط تصاعد اليمين المتطرف في فرنسا في ما بات يهدد حزب الرئيس، ويدفعه إلى اتخاذ المزيد من المواقف المتطرفة، التي تزيد الانشقاقات داخل الحزب.