باريس | في اليوم الذي تنشر فيه عدة صحف مجموعة استطلاعات رأي، تشير كلها إلى أن شعبية الرئيس الفرنسي نيكول ساركوزي في تراجع مستمر، وتدحرج معها شخصيات كل حزبه، بمن فيهم رئيس الوزراء فرانسوا فييون، بدأ أمس سريان مفعول قانون حظر ارتداء النقاب في فرنسا، وذلك للمرة الأولى في بلد أوروبي، فيما تفاصيل الاستطلاعات التي أعقبت الندوة عن العلمانية تشير إلى أن «استهداف شريحة من المجتمع الفرنسي»، في إشارة إلى المسلمين، يقوي اليمين المتطرف، وبالتالي يضعف الرئيس وحزبه والحكومة معاً.

لم يمنع هذا وزارة الداخلية، التي يديرها كلود غيان المقرب من ساركوزي، من إطلاق حملة دعائية لتسويق «القانون الجديد وشرح الممنوع من المسموح»، نظراً إلى الالتباسات القوية التي يمكن أن يحملها التطبيق الحرفي لهذا القانون، الذي يتضمن فرض غرامة قدرها ١٥٠ يورو على أي امرأة تخالف منع النقاب، كما يمكن أن تدعى لتلقي دروس في المواطنة أو في بعض الحالات العقوبتين معاً.
وتتضمن الحملة كتيبات وُزِّعت على رجال الشرطة، إضافة إلى لافتات إعلانية وموقع على الإنترنت. وكان لافتاً في الكتيب، الذي تسلمه أفراد الشرطة، أن التعليمات تحظر على الشرطة أن يطلبوا من المرأة رفع النقاب في الشارع، بل يجب أن يطلب من المنقبات مرافقة رجل الشرطة لأقرب مركز لرفع الحجاب والتعرف إلى هويتهن. وتدعو التوجيهات أيضاً إلى «تجنب توقيف المحجبات في نواحي دور العبادة»، رغم أن القانون يشير إلى «الفضاء العام»، ويتوسع بتعداد الأماكن التي تدخل تحت هذه التسمية، من الشوارع إلى الأبنية الرسمية، مثل المصارف والمستشفيات ودوائر الحكومية، مروراً بالحدائق العامة وحتى المسابح.
ويتضمن الكتيب أيضاً بعض الإشارات والتعليمات التي بدأت تثير السخرية، إلى جانب الانتقادات في الصحف وفي عدد من المواقع، تحت باب «المسموح والممنوع»؛ إذ يسمح بارتداء خوذة الدراجات النارية (المفروض قانوناً) وقناع لعبة السيف الرياضية (حسب أصول اللعبة التي تحتل فرنسا أرقاماً قياسية في بطولتها) ويسمح بالحجاب (الذي كان ممنوعاً في عدد من الدول العربية وتركيا)، بينما يمنع البرقع (غير موجود تقريباً في فرنسا) والنقاب (ترتديه الفرنسيات عندما يعتنقن الإسلام، بينما الفرنسيات من أصول عربية يفضلن الحجاب إذا أردن التحجب). كذلك يُمنع قناع «فانتوماس» الذي يخفي كامل الوجه، ولا يبقي سوى العينين ظاهرتين.
وكشف أحد بائعي النظارات لـ«الأخبار» عن أنه باع خلال الأسبوع المنصرم مئات النظارات الشمسية الكبيرة المسماة «نظارات بريجيت باردو» في محاكاة لفيلم قديم لها، وأشار إلى أن عدداً من النساء وجدن «الحل لمواجهة قانون ساركوزي»، ويقضي بارتداء حجاب مع نظارات بريجيت باردو التي تغطي تقريباً نصف الوجه، ويكفي بعد ذلك «رفع قبة المعطف» للتحايل على القانون. وكما هي الحال عند صدور كل قانون، يسعى البعض إلى الاستفادة من المسارات التي يفتحها أو يغلقها، إما للربح السريع، كما هي الحال في بيع النظارات والحجابات السوداء الواسعة أو السيارات ذات الزجاج الغامق، أو للدعاية الشخصية كما هي الحال مع تاجر العقارات راشد نكاز، الذي عرض عبر الإنترنت بيع عقار له لتمويل دفع الغرامات التي ستفرض على المنقبات.
ورغم «مخالفة القانون بالدعوة إلى مخالفة القانون»، ما يمكن أن يعرض نكاز للمحاسبة، فهو تحرك تحت غطاء «الحريات الأساسية»، ووجه دعوة للنزول إلى ساحة نوتردام للاحتجاج على القانون، وقال: «الشارع دار عالمية للحرية، ولا ينبغي أن يتحدى أي شخص ذلك، ما دامت المرأة لا تتعدى على حرية أي شخص اخر».
بالطبع، سيواجه تطبيق القانون العديد من التداعيات، وخصوصاً أنه يثير انتقادات واسعة؛ لأنه جاء في سياق «سلسلة من الطروحات الساركوزية» التي تصب كلها في مضمار استهداف المهاجرين، حيث نسبة المسلمين مرتفعة، وتنعكس أيضاً على عدد كبير من الفرنسيين المسلمين، وخصوصاً أن عدد اللواتي يرتدين البرقع لا يتجاوز في أحسن حال ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ امرأة، معظمهن فرنسيات.
إلى ذلك، اعتقلت الشرطة في باريس امرأتين منقبتين وعدداً آخر من المحتجين لمشاركتهم في تظاهرة غير مرخص لها مناهضة للبدء بتطبيق القانون.