إسطنبول | أحد الشعارات الرئيسية التي يخوض فيها حزب «العدالة والتنمية» حملته الانتخابية لاستحقاق 12 حزيران الجاري، هو تحضير دستور جديد، من دون أن يكون واضحاً كيف سيحصل ذلك وعلى يد من. ورغم أنّ الدستور الحالي نال موافقة 90 في المئة من المواطنين الأتراك في عام 1982، فإنّ السجال حوله لم يتوقف منذ اليوم الأول للبدء بتطبيقه. وقد وُضع هذا الدستور على يد ضباط الجيش الذين نفذوا انقلاباً عسكرياً في 12 أيلول 1980، وبحسب ظروف تلك المرحلة، لم يكن مسموحاً للمواطنين مناقشة هذا الدستور ولا إبداء الرأي حوله، على قاعدة انّ المجهول ينتظر تركيا في حال رُفض في الاستفتاء الشعبي.


تمّ تعديل الدستور 17 مرّة بدءاً من عام 1987 حتى اليوم، آخرها في 12 أيلول 2010، علماً أن هذا الدستور يتألف من 194 مادّة، 100 منها تمّ تعديلها. ورغم هذا العدد الكبير من التعديلات، فإنّ مصائب هذا الدستور لم تُحَلّ بما أنّه كُتب بروحية عسكرية انقلابية لا ديموقراطية، ولأن مشكلته الرئيسية هي «روحه». وعلى حد تعبير المحامي والخبير الدستوري، رئيس جمعية حقوق الانسان، أوزتورك تورك دوغان الذي تحدث لـ «الأخبار»، فإنّ «الدستور الحالي يعكس نظرة الايديولوجيا الرسمية التي تنص على عدم احترام حقوق الانسان، وعدم احترام مبدأ التعددية السياسية والقومية. إنه دستور لا يعترف بحرية التعبير ولا حرية الأديان، ويلزم الجميع بأن يكونوا أتراكاً بالقومية». وأشار تورك دوغان إلى أن المشكلة الأخرى في هذا الدستور هو أنه يفرض وصاية على جميع المؤسسات الدستورية الديموقراطية، فهو «يُخضع الادارات المحلية لوصاية السلطة المركزية، ويضع الأحزاب السياسية رهن إرادة الجهاز القضائي، حتى أنه يربط مصير الحكومة برغبة مجلس الأمن القومي»، على حد تعبيره. وفي السياق، يلفت الخبير الدستوري إلى أن الحل الوحيد لمعالجة هذه المشاكل هو بوضع دستور جديد كلياً.مصيبة أخرى يتضمّنها الدستور الحالي، وهي أن المحكمة الدستورية اعتبرت أن ارتداء الحجاب الاسلامي في الجامعات «أمراً مخالفاً للدستور». أيضاً، «مديرية الشؤون الدينية» التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، والتي تحصر الطوائف المعترف بها في تركيا بالاسلام السني الحنفي، هي هيئة دستورية، أضف واقع أنّ الدستور المذكور يحصر المواطنية التركية بالمعيار القومي، وبالتالي لا يعترف بوجود قوميات وإثنيات أخرى (أهمها الكردية).
حتى اليوم، طرحت العديد من الأوساط الاجتماعية، أكانت منظمات مجتمع مدني أو اتحادات رجال أعمال وجميعات حقوق انسان، مشاريع لدستور جديد وطرحتها على النقاش العام. كما أنّ معظم الحملات الانتخابية للأحزاب الرئيسية تتفق على ضرورة وضع دستور جديد، رغم أنّ طريقة وضعه والمعالم الرئيسية التي يجب أن يتضمنها لا تزال غير واضحة. ولا يوفّر رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان فرصة في مهرجاناته الانتخابية لحث المواطنين على التصويت للوائح حزبه ليتمكن من حجز 367 مقعداً (غالبية الثلثين) على الأقل في البرلمان ليتمكن من تمرير دستوره الجديد من دون الحاجة لطرحه على الاستفتاء الشعبي، على قاعدة أن الحزب الحاكم «يريد وضع دستور جديد سيكون ملكاً للجميع»، على حد تعبير أردوغان الذي اختصر شعور الرأي العام التركي إزاء هذا الدستور بقوله «لا أفهم لغته، أحتاج لمترجم لأتمكن من فهمه». وشرح أردوغان، في خلال مهرجانه الانتخابي العملاق الذي استضافته مدينة اسطنبول يوم الأحد، وقِيل إنه جمع فيه مليون مناصر، كيف سيتعاطى مع فكرة الدستور الجديد الموعود. وقال «ستضع لجنة مؤلفة من خبراء العلاقات الدولية والاقتصاد وعلماء السياسة والنفس، مع ممثلين عن المجتمع المدني دستوراً جديداً، على أن يقوم القانونيون والخبراء الدستوريين لاحقاً بصياغته بشكل تقني». وأوضح أن الدستور الجديد سيتأسس على الإجماع الاجتماعي والروحية الجماعية». غير أنّ حزبي المعارضة «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية» يتهمان أردوغان بأنه سيضع دستوراً جديداً يخدم مصلحته فقط، مذكرين بمشاريع أردوغان لتغيير النظام البرلماني في البلاد لجعل تركيا دولة يحكمها دستور رئاسي ليتمكن هو نفسه من الترشح للانتخابات الرئاسية (في 2012 أو 2014 بحسب ما سيتفق عليه الدستوريين في شرح التعديل الدستوري الذي حصل في 2007).
ولدى الحزب المعارض الأكبر «الشعب الجمهوري» مشروع خاص به لدستور جديد، وخصوصاً لتعديل المادة 66 التي تحصر المواطنية التركية فقط بالتركي (المعيار القومي)، بحسب نائب رئيس الحزب سهيل باتوم. وبحسب باتوم، يريد حزب المعارضة دستوراً «يتخطّى المعايير الدينية والجنس واللغة والقومية بشكل يتساوى فيه كل الأشخاص الذين يحملون الجنسية التركية». حتى أنّ مشروع دستور «الشعب الجمهوري» يهدف إلى «فتح الطريق أمام المواطنين الأكراد لاختيار اللغة الكردية كحصّة اختيارية في المدارس، وتعديل وضع مجلس الأمن القومي وتقييد صلاحيات الرئيس». أما عن فكرة الدستور الجديد مثلما يتصوره «الحركة القومية التركية»، فإنه يقوم على منع فتح النقاش حتى حول السماح باللغة الكردية في المدارس. غير أنّ المشروع الانتخابي لهذا الحزب اليميني المتطرف يتحدث عن إمكانية إعطاء الحق للمحافظات والادارات المحلية بإنشاء برلماناتها الخاصة على أن يمنع أي تنظيم يتبع المعيار القومي. أما في ما يتعلق بمشروع دستور حزب أكراد تركيا «السلام والديموقراطية»، فهو ينص أولاً وأخيراً على إدراج بند الفدرالية فيه تحت شعار الحكم الذاتي، بشكل تقسَّم فيه تركيا إلى ما بين 20 و25 منطقة تخضع لمبدأ الحكم الذاتي مع الاعتراف بتعدد القوميات واللغات والحريات الدينية في تركيا.
(غداً: السياسة الخارجية التركيّة بعد 12 حزيران)




رفّ عصافير بحجر واحد

لليبراليين الأتراك موقفهم الخاص مما يجب أن يتضمنه الدستور الجديد العتيد. فحلّ القضية الكردية يبدأ من الدستور الجديد مع تعديل مفهوم المواطنية (TURKISHNESS)، إضافة إلى ضرورة تغيير معادلة علاقة العسكر بالحيّز المدني لإبعاد الجيش عن السياسة تماماً. كما أنّ اعتراف الدولة بعدة أديان بعيداً عن حصرية الاسلام السني الحنفي يفتح الباب لحل الأزمة العلوية في البلاد، وجعل الحكم لامركزي لأسباب اقتصادية يلبّي في الوقت نفسه المطالب المزمنة للأكراد بتوسيع صلاحيات رؤساء البلديات. ولأنّ المسألة الكردية هي محور كل شيء، فإنّ حلها سيلغي مشاكل عديدة مرتبطة بها، كأزمة التنمية الاقتصادية غير المتوازنة بين المحافظات الـ 81 في البلاد، إذ إن الأرقام مخيفة من نواحي عدم المساواة والتوازن في التنمية بين مدينتي إزمير مثلاً وهكاري أو فان في جنوب شرق البلاد: هنا أوروبا وهناك أسوأ من معدلات دول أقل من عالمثالثية. ولشدّة أهمية العمل على دستور جديد للبلاد، يرى خبراء كثر بالشأن التركي أنّ أهم استحقاق ديموقراطي عرفته تركيا حتى الآن، كان التعديل الأكبر للدستور في 12 أيلول الماضي حين تمّ تعديل أكثر من 23 مادة دستورية وإلغاء المادة العاشرة التي كانت تمنع محاكمة انقلابيي العام 1980.