بغداد | مع اقتراب رئيس الوزراء المكلّف مصطفى الكاظمي من الإعلان عن «الصيغة النهائية» لتشكيلته الوزارية، يتصدّر التحدّي الأمني المشهدَ العراقي مجدّداً، مع عودة تنظيم «داعش» إلى شن «غزوات» في محافظة صلاح الدين، شمال البلاد.

أواخر الأسبوع الماضي، شيّع «الحشد الشعبي» 10 من شهدائه، إثر تعرّضهم لهجوم كبير في منطقة المكيشفية، في صلاح الدين. هجومٌ ليس الأوّل من نوعه؛ فالتنظيم وفق المعلومات، ومنذ شهر تقريباً، يقود عمليات «شبه يوميّة» بأشكال متعدّدة، كنصب الحواجز الوهمية، ومداهمة بيوت القيادات المحلّية واعتقال عدد من الوجوه العشائرية وقتل آخرين، وذلك في وقت يبرز فيه عجز القوات الأمنية عن «مسك الأرض» من جهة، وتفرّغ نوّاب وساسة تلك المحافظة، كما المحافظات الشمالية والغربية، إلى المطالبة بإخراج قوات «الحشد من المدن السنّية»، ودعوة الحكومة الاتحادية إلى «الإبقاء» على قوات الاحتلال الأميركي لضمان أمن تلك المناطق والمحافظات، خاصّة أن «داعش»، كما يُنقل عن مسؤول أمني رفيع، في طور إعادة إنتاج نفسه، فـ«نواته الصلبة موجودة ومتماسكة».
مشهد يحيل مباشرة إلى الأحداث التي سبقت سقوط مدينة الموصل، في حزيران/ يونيو 2014. صلاح الدين، كانت مسرح «العمليات التمهيدية» للحدث الزلزال. الخطاب الطائفي ذاته، وعجز المركز عن ضبط التفلّت الأمني في الأطراف ذاته أيضاً. المفارقة، وهي في الوقت عينه نقطة مشتركة، أنّ أحداث عام 2014 أسفرت لاحقاً عن عودة قوات الاحتلال الأميركي إلى العراق، بعد انسحابها في كانون الأوّل/ ديسمبر 2011، بمسمّى «التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش». أما أحداث 2020، فمن شأنها أن تشرعن «بقاء انتشار قوات الاحتلال الأميركي»، التي حسمت خيارها بالانسحاب من بلاد الرافدين، عقب اغتيالها نائب رئيس «هيئة الحشد» أبو مهدي المهندس، وقائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني، ورفاقهما، في محيط مطار بغداد الدولي، مطلع العام الجاري. أعقب «الجنون الأميركي» إلزام البرلمان الحكومة الاتحادية بوضع جدول زمني لانسحاب مختلف القوات العسكرية الأجنبية المنتشرة على طول الخارطة العراقية.

ستنطلق خلال أسابيع عمليات تطهير المحافظات الشمالية والغربية


انقسام الرؤى بين الأحزاب والقوى السياسية، لم يكن وليد لحظة التصويت على القرار البرلماني، بل يعود إلى أشهر خلت، منذ إعلان بغداد في كانون الأوّل/ ديسمبر 2017 عن «انتصارها العظيم» على أكبر التنظيمات إرهاباً في العالم. في العام التالي، أي 2018، دعا البعض إلى إنهاء مهام القوات الأميركية. في المقابل، تمسّك آخرون بها لاعتبارات شتى، منها ما هو طائفي ومنها ما هو «أمني»، من دون أن يقدّم الفريق الثاني رؤية «متكاملة» لـ«مسك الأرض» بجهد ذاتي، وبعيداً عن مشاريع تجتاز الحدود.
وفق التقديرات الأمنية، فإن «داعش» وجد مساحة للعمل وإعادة إنتاج نفسه، في ظل انقسام سياسي حاد، يسود المحافظات الشمالية والغربية، خصوصاً أن تضاريسها الجغرافية تشكّل عاملاً مساعداً. الأشهر الماضية شهدت حراكاً لخلايا التنظيم «النائمة». فرار عدد من السجناء من «سجن الحوت» (جنوب البلاد)، وتسهيلات أميركية، بتعبير قيادات بارزة في «الحشد»، لعبور قوافل تقل قادة ومقاتلين، من الضفة السورية إلى الضفة العراقية، وتحديداً في المناطق الواقعة شمال شرق سوريا، شمال غرب العراق. وترجّح المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، أن القوات الأميركية إن «لم تسهّل انتقال هؤلاء الإرهابيين، فإنّها غضّت النظر عن ذلك»، من دون أن «تشطب» من حساباتها فرضية دفع واشنطن «داعش» إلى إطلاق عمليات مماثلة من شأنها أن تمثّل ضغطاً شعبيّاً وسياسيّاً على الحكومة الاتحادية وحلفاء طهران، قبيل انطلاق الحوار العراقي - الأميركي المرتقب، في حزيران/ يونيو المقبل، وبذلك يكون بقاء القوات الأميركية نزولاً عند رغبة شريحة عراقيّة وازنة، ولأسباب «معتبرة».
هذا المشهد من شأنه أن يعقّد مهمّة الكاظمي أكثر. فحساباته أقرب لأن تكون ضبط الاشتباك الأميركي - الإيراني، لا الدفع باتجاه المواجهة أيّاً كان نوعها، خصوصاً أن البعض يربط بين تحرّكات «داعش» والتحرّكات الأميركية، في العراق وسوريا. آلية ضبط هذا الانفلات الأمني ستشرّع باب أسئلة موصدة عن القوى التي ستوكل إليها هذه المهام، في وقت يمرّ فيه «الحشد» بظروف معقّدة تشي بإمكانيّة «تفكيكه» وتذويبه لاحقاً بين وزارتي الداخلية والدفاع. ظروفٌ، وفق المعلومات، لن تحول دون تأخير عمليات عسكرية كبرى، ستنطلق خلال أسابيع، لتطهير تلك المناطق والمحافظات من خلايا «داعش»، التي تحظى في كثير من الأحيان بغطاء سياسي وبعلم الحكومة الاتحادية والأجهزة الأمنية.