بغداد | بالتنسيق مع قوات الاحتلال، ووسط صمت رسمي عراقي، أجرت الشركة الأمنية المكلفة بحماية السفارة الأميركية في العاصمة العراقية بغداد، الأسبوع الماضي، تجربةً لمنظومة «باتريوت» (المضادّة للصواريخ)، تحاكي هجوماً صاروخياً وجوياً على السفارة. وتُعدّ المنظومة المُفعّلة حديثاً واحدة من ثلاث بطاريات أُدخلت مطلع العام الجاري إلى العراق، بُعيد استهداف إيران لقاعدة عين الأسد الجوية (غرب)، ردّاً على اغتيال قوات الاحتلال الأميركي قائد «قوّة القدس» في «الحرس» قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس.

ونقلت وكالة «الأناضول» عن مصدر في وزارة الداخلية العراقية قوله إن «القوات الأميركية استخدمت في المناورة الذخائر والقنابل، إضافة إلى طائرة مسيّرة نفذت غارات على أهداف محدّدة»، مضيفاً إن «عدداً من المقذوفات التي استُخدمت سقطت في محيط المنطقة الخضراء، وأحدثت حالةً من الخوف والرعب في المناطق المحيطة بها».
إزاء ذلك، دعا نائب رئيس البرلمان، حسين الكعبي، الحكومة إلى «اتخاذ إجراء حازم يضمن إيقاف التحركات والأفعال المستفزّة للشعب العراقي»، معتبراً أن المناورة «عملٌ غير مقبول، وتحدٍّ آخر ضدّ البلاد، يضاف إلى جملة الاستفزازات والتحركات غير الشرعية للقوات الأميركية في العراق». بدوره، لفت «تحالف الفتح» (تكتل القوى المؤيدة لـ«الحشد الشعبي»)، إلى أن «الاختبارات العسكرية انتهاكٌ لكلّ الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية»، مستغرباً «غياب الموقف الحكومي من الانتهاك الأميركي الذي استهدف قلب بغداد». وإذ لم يصدر عن الحكومة (حتى ليل أمس) أيّ موقف يوضح ملابسات ما جرى، ذكرت مصادر مقرّبة من رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، أن «الجانب الأميركي أبلغ الجانب العراقي بالمناورة قُبيل إجرائها»، ملمّحة إلى أن «قوات عراقية خاصة شاركت في المناورة نزولاً عند توجيهات الكاظمي، وتماشياً مع حرصه على حماية البعثات الأجنبية ومقارّها».
هكذا، وفيما تتحدث واشنطن تكراراً عن نيّتها سحب قواتها العسكرية المنتشرة على طول الخريطة العراقية، عملاً بـ«القرارات التشريعية والتنفيذية الصادرة عن مؤسسات الدولة العراقية»، كما جاء في البيان المشترك مع بغداد، الصادر عقب الجلسة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (مطلع حزيران/ يونيو الماضي)، تأتي المناورة لتعكس رغبة الولايات المتحدة في تمديد احتلالها للعراق، في وقت يُنقل فيه عن بعض العاملين في السفارة الأميركية قولهم إن «الانسحاب ليس مجانياً، بل ثمنه حصر السلاح بيد الدولة في المرحلة الأولى، وتذويب الحشد الشعبي في مؤسسات الدولة الأمنية - العسكرية في الدرجة الثانية». لكن مصادر رئيس الوزراء ترفض الحديث المتقدّم، مؤكدة أن «الجانب الأميركي ملتزمٌ بتنفيذ القرار البرلماني الداعي إلى انسحاب القوات الأجنبية من البلاد، لاقتناعه بانتفاء الجدوى من البقاء».
على خطّ موازٍ، وفي حادث هو الأول من نوعه منذ مداهمة البوعيثة (اعتقال 14 منتسباً لـ«كتائب حزب الله» بحجّة التحضير لهجوم صاروخي ضدّ المصالح الأميركية في بغداد، راجع «الأخبار» عدد 4085) قبل أسبوعين، أعلنت السلطات، أمس، سقوط صاروخ من نوع كاتيوشا في «المنطقة الخضراء»، في وقت تحدّثت فيه القوات الأمنية عن إحباط هجوم صاروخي آخر كان يستهدف «معسكر التاجي» شمالي العاصمة.

استخدمت القوات الأميركية في مناورتها الذخائر والقنابل وطائرة مسيّرة


وفي ظلّ استمرار هذه الحوادث وتكرارها، يبدو واضحاً أن ثمة خشية متصاعدة لدى واشنطن من استهداف منشآتها ومصالحها في العراق. وهي خشية لا تجد فصائل المقاومة بدّاً من الاستثمار فيها من أجل تصعيد الضغوط على الجانب الأميركي، ودفعه إلى تسريع عملية الانسحاب. وما بين الطرفين، يقف الكاظمي محاوِلاَ الإمساك بخيوط اللعبة بيده، من دون أن يفلح إلى الآن، وهو ما أظهرته حادثة البوعيثة، التي ستعيد رسم العلاقة بينه وبين الفصائل، وتحديداً تلك التي التزمت خيار «الفتح» دعم الكاظمي تكليفاً وتأليفاً لحكومته.