«يخطئ هنا [من يظن] أنه يجب الاحتذاء بالنماذج الضريبية والمالية لدول ليست على علم بحالة لبنان الخاصة»
ميشال شيحا – في الاقتصاد اللبناني



■ ■ ■


قصّة لبنان مع صندوق النقد الدولي بدأت في عهد الاستقلال، عندما حار الصندوق في أمر إصلاح نظام لبنان المالي. تُسلط البداية المتعثّرة لتلك العلاقة الضوء على الجذور العميقة والبنيوية للأزمة المالية في لبنان، التي باتت اليوم على كلّ لسان. وتعكس حقيقة مُرّة ومُهمّشة لكنها مُوثّقة في أرشيف الصندوق: وهي سوء إدارة الطبقة الحاكمة منذ نشوء لبنان لنظامه النقدي واستخفافها بضرورة الإصلاح إرضاءً لمصالح ضيّقة.
تكشف التحدّيات الرئيسية التي واجهها الصندوق أيّام زمان - مع اختلاف الظروف - مدى تمسّك القوى الحاكمة للبنان آنذاك - وبحجّة خصوصية لبنان - بالأسس النظرية والأيديولوجية لسياسة نقدية محافظة - كالهوس بتثبيت سعر الصرف مدعوماً بالذهب. وقد تحوّلت هذه السياسات مع مرور الزمن إلى مسلّمات ما زالت تتردّد في يومنا هذا في أروقة الحكم وعلى منابر الإعلام. وقد أضاع رعيل الاستقلال حينها فرصة ثمينة لمواجهة هذه التحدّيات من أجل هندسة الأسس المالية للبنان على قواعد اقتصادية متينة، تحمي سيادته المالية وتضعه على سكّة التنمية المتوازنة، في زمن كانت الظروف العالمية مؤاتية والإمكانيات المُتاحة لذلك أكبر ممّا هي عليه اليوم.

التحدّي الأوّل: احتساب لبنان كوحدة اقتصادية مستقلّة
انضمّ لبنان إلى اتفاقية بريتون وودز (أبرمت عام 1944)، التي انبثق منها صندوق النقد عام 1946، وأسّست لنظام مالي عالمي جديد. سعت الدول الرأسمالية من خلال هذا النظام إلى التوفيق بين هدفين غير متجانسين. الأوّل، هو إحياء التجارة الدولية الحرّة التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الأولى وتتطلّب نظام صرف عالمياً. والثاني، عدم تقويض مفهوم السيادة على الاقتصاد الوطني، التي باتت البورجوازيات الغربية أكثر تشبّثاً بها إبّان الحرب العالمية الثانية، والذي يتطلّب قدرة الحكومات الوطنية على التحكّم بسعر الصرف. فكانت النتيجة تأسيس نظام نقدي عالمي يشجّع على استقرار أسعار صرف العملات الوطنية من دون تثبيتها تماماً، بحيث تصبح المبادلات التجارية بين الدول أكثر سلاسة، بينما يُترك للدول هامشٌ من المناورة في حال تعرّضت عملتها لهزّة ما. واعتُمد الدولار الأميركي - الذي بدوره تمّ ربطه بالذهب - كوحدة القياس لجميع العملات بعد أن كان السائد ربط العملات مباشرة بالذهب، فأسّس ذلك لهيمنة مالية أميركية استبدلت نظيرتها البريطانية التي كانت سائدة قبل الحرب. في السنوات الأولى للصندوق - أي قبل أن يشتدّ عوده ليصبح كبير المقام ومُتعدّد المهام - كانت وظيفته الرئيسية - كما يدلّ اسمه - حفظ أموال تودعها الدول الأعضاء وفق كوتا محدّدة تمكّنهم - في حال التزموا بشروط معيّنة - من الاستحصال على قروض لضبط تقلّب سعر الصرف أثناء الأزمات.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

فاقم من تحدّيات الصندوق ظهور دول جديدة إثر تحرّرها من الاستعمار، بحيث لم تنحصر المشكلة بتحديد أسعار الصرف بين العملات الصعبة كالدولار والاسترليني وغيرها، بل تضمّنت تحديد أسعار صرف للعملات المُستحدثة، والتي كانت الدول المستقلّة تسعى لتسهيل تداولها وفرض وجودها في السوق المالية العالمية. فالاستعمار - الفرنسي والبريطاني على وجه التحديد - كان قد قام بإصدار عملات محلّية شبه وهميّة مرتبطة بعملته كي يوطّد التبعية الاقتصادية بين هذه الدول وبينه ويخفيها تحت غطاء العملة المحلّية. هذه كانت حالة لبنان وسوريا تحت الاحتلال الفرنسي حيث كانت الليرة مربوطة بالفرنك. وقد زاد الطين بلّة - بالنسبة إلى الصندوق - وجود وحدة اقتصادية وجمركية بين البلدين فرضتها فرنسا. تذمّر موظّفو الصندوق من عدم قدرتهم على بناء صورة إحصائية مكتملة للاقتصاد اللبناني كي يحدّدوا الكوتا الصحيحة ويُقوّموا سياسة سعر الصرف التي يتبعها لبنان. ساعد فصل الليرة اللبنانية عن الفرنك ونظيرتها السورية عام 1948، بالإضافة إلى إصدار أول قانون لبناني للنقد والتسليف في العام التالي، في تبلور الاقتصاد اللبناني كوحدة مستقلّة، أقلّه إحصائياً وأيديولوجياً. لكن مصاعب الصندوق لم تنتهِ. ففي السنوات الأربع التي تلت، قامت الحكومة اللبنانية بتحرير شبه كامل للسوق المالية وتخلّت عن أيّ رقابة أو ضوابط لشراء الذهب أو العملات الأجنبية ولخروج ودخول الأموال. وقد قامت بذلك في زمنٍ كانت الحكمة الاقتصادية السائدة في المعسكر الرأسمالي والمتأثّرة بالفكر الكينزي تقتضي عكس ذلك. انتقد موظّفو الصندوق هذه السياسات، لكنّهم جوبهوا برفض بل وبعنجهية تجلّت في الخلاف حول مسألتين. الأولى تمثّلت بتأمين الكوتا وتحديد سعر الصرف، والثانية تنظيم القطاع المصرفي.

التحدّي الثاني: الهوس بالذهب وتأمين الكوتا
استخدم المسؤولون اللبنانيون حججاً مالية واهية وأخرى ثقافية تنميطية لتأخير إرسال شحنات من الذهب لتأمين الكوتا المطلوبة. فوفق وثائق الصندوق، قالوا لنظرائهم في الصندوق إن الشعب اللبناني لديه «إدراك لأهمّية الذهب ولا يثق غريزياً بالعملة الورقية»، وبالتالي أيّ تحويل للذهب من هذا النوع من شأنه أن يقوّض الثقة العامّة. وتذمّروا أيضاً من شحّ احتياط الدولار، فاقترحوا إبقاء الذهب في خزائن بنك سوريا ولبنان - وهو بنك أجنبي خاصّ كان حينها يقوم مقام المصرف المركزي - إلى حين تحصيل إيرادات الخزينة من ضرائب المرور المفروضة على شركة التابلاين واستخدامها في شراء القيمة المطلوبة لحساب الصندوق في البنك الفيدرالي الأميركي.
رفع احتياطي الذهب إلى معدّلات عالية جدّاً، يدلّ على الهوس بسعر صرف مرتفع وثابت، والاعتماد على الذهب بدلاً من الاقتصاد المُنتج لدعم استقرار العملة


وقد انعكس أيضاً الهوس اللبناني للذهب في سياسة بنك سوريا ولبنان لتحديد سعر الصرف بعد فكّ الارتباط مع الفرنك. فقد قام البنك بوضع نسب احتياطية جديدة للعملة اعتمدت بالمبدأ على العملات الصعبة والذهب بدلاً من الفرنك، لكن السياسة العملية كانت رفع احتياطي الذهب إلى معدّلات كادت تلامس المئة في المئة، وهو يدلّ على الهوس بسعر صرف مرتفع وثابت والاعتماد الكلّي على الذهب بدلاً من الاقتصاد المُنتج لدعم استقرار العملة. أدّت هذه الإجراءات إلى تحديد سعر رسمي مرتفع لليرة قابلته أسعار صرف متعدّدة في السوق السوداء. وقد تساءل مسؤولو الصندوق حول قانونية هذه الإجراءات ودورها في تقويض نظام الصرف الهشّ في مرحلة تكوينه. وحين تقاعس بنك سوربا ولبنان عن التدخّل في سوق التبادل المالي في بيروت، بدأ مسؤولو الصندوق التساؤل عن غياب مصرف مركزي وطني وسياسة تنموية اقتصادية. مع حلول عام 1953، أصبح القطاع الخاص وغياب تنظيمه محور اهتمام الصندوق أيضاً.

التحدّي الثالث: تنظيم القطاع المصرفي ورفض الاقتصاد الموجّه
حاول صندوق النقد إرسال بعثات استشارية إلى لبنان، لكن محاولاته باءت بالفشل بسبب تجاهل المعنيين له. فغالبية هؤلاء المعنيين كانوا ينتمون إلى الفكر الشيحاوي الداعم لفكرة «الاقتصاد الحرّ». تغيّر الوضع عندما قام مجلس التخطيط الاقتصادي والتنمية، بإشراف الاقتصادي غير الشيحاوي جورج حكيم، بدعوة الصندوق عام 1954 لإرسال بعثة تُعنى حصرياً بالإصلاح المصرفي. وهكذا كان. أمضى رئيس البعثة والخبير المالي أف.آي. جي. كيسنغ أشهراً عدّة في لبنان، أصدر إثرها في 10 أيار 1955 تقريراً بعنوان: «النظام النقدي والمصرفي في لبنان». هاجم كيسنغ فكر الاقتصاد الحرّ (laissez-faire) «الدوغمائي»، الذي يمنع وفق تقريره اعتماد سياسة نقدية رشيدة، وأوصى بإصلاح شامل للقطاع المصرفي.
قامت قيامة المسؤول الرفيع في بنك سوريا ولبنان آنذاك، جوزيف أوغورليان، الذي بات لاحقاً نائباً أول لحاكم مصرف لبنان وعرّاب قانون النقد والتسليف عام 1963، فكتب في جريدة لوجور ساخراً: «خبير آخر! تقرير آخر! وضيع هذا التقرير للسيد كيسنغ من صندوق النقد حول النظام المصرفي والنقدي للبنان (...) نبوح بخاطرنا بطريقة مباشرة لأن الموضوع المطروح جدّي (...) ويخصّ قضية العملة، أي بكلام آخر يخصّ ثروة وقدر هذا البلد».

أكثر ما هال أوغورليان هو مديح كيسنغ للنظام النقدي السوري، الذي اعتبره نموذجاً «جاهزاً» يمكن للبنان أن يحتذي به مع بعض التعديلات


لم يرق لأوغورليان مطالبة كيسنغ بتبنّي خيار متوسّط بين الليبرالية المتطرّفة والاقتصاد المُوجّه، ولا تذمُّر الأخير من غياب الإحصائيات المتعلّقة بالاقتصاد الوطني وبالموازنة نتيجة طغيان الاقتصاد اللامرئي، المرتبط بالخدمات، على القطاعات الأخرى. وإن شاطر أوغورليان كيسنغ اهتمام الأخير الحثيث بالداتا، فإنه، أي أوغورليان، اعتبر أن القدرة على فهم الواقع بتعقيداته أكثر أهمّية من تحويل النشاط الاقتصادي إلى «كتائب» من «الأرقام الدقيقة». قد يبدو كلام أوغورليان جذرياً، لكنه كلام حق يُراد به باطل كونه نابعاً من منطق عدم تقويض مصالح الطغمة المالية الرافضة لتنظيم القطاع (عبر استقاء معلومات عن نشاطاتها)، لا من منطق فلسفي أو ديالكتيكي حول ماهية الواقع التي لا يمكن حصرها بالأرقام. ولعل أكثر ما هال أوغورليان هو مديح كيسنغ للنظام النقدي السوري، الذي اعتبره الخبير الدولي نموذجاً «جاهزاً» يمكن للبنان أن يحتذي به مع بعض التعديلات. وقد خلُص أوغورليان إلى أن تحليل كيسنغ «هشّ» واستنتاجاته «بلا فائدة». واختتم أوغورليان مقاله الساخر عن مبعوث صندوق النقد بالقول: «حُبّاً بلبنان وبالذكاء المعروف للبنانيين، يجب وضع تقرير كيسنغ على الرفّ».

ما لا تتحمّله الطغمة المالية في لبنان
بعد مرور عقود على كتابة مقاله في لوجور، تباهى أوغورليان في مذكّراته بأن تقرير كسينغ تمّ وضعه بالفعل على الرفّ. لكنّه بالغ في ادعائه. فقد أخذت الحكومة اللبنانية بالتوصية الرئيسية لكسينغ بتأليف مجلس نقدي وإن بعد حين. وقد أولج به مهمّة إنشاء مصرف مركزي ووضع قانون للنقد والتسليف وتنظيم القطاع المصرفي. وبات السؤال حول دور الاقتصاد الموجّه سائداً في الأوساط الأكاديمية وبين النخب السياسية على حدّ سواء. لكن الطغمة المالية للبنان حاولت جاهدة تأخير التغيير أو تفريغه من محتواه. ذلك أن كسينغ لم يكن يملك عصا سحرية ولم يكن همّ الصندوق إصلاح النظام اللبناني لمصلحة شعبه وفرض حلول في هذا الاتجاه، بقدر ما كان همّه إخضاع لبنان للنظام العالمي الجديد كما هي الحال اليوم. الفرق أنه في عهد الاستقلال، وخلافاً لسياسات الصندوق النيوليبرالية الفجّة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كان النظام المالي المُقترح يحاول التخفيف من الآثار السلبية للرأسمالية الحرّة في ظلّ صعود الشيوعية فتبنّى المنهج الكينزي المؤيّد لدور الدولة في توجيه السياسة النقدية والتنموية ومحاربة البطالة وإعادة توزيع الدخل، وهو ما لم تحتمّله الطغمة المالية في لبنان داعيك عن الاستفادة منه حينها، وعادت لتحاربه اليوم بعد أن باتت الليبرالية المُفرطة مُهدّدة مجدّداً، فهل من يعتبر؟

* هشام صفي الدين: أستاذ جامعي، صدر له بالإنكليزية كتاب الرهان على الدولة: الأسس المالية للبنان (دار ستانفورد، 2019).