تأسّست فرقة «كون» عام ٢٠٠٢ في سوريا، وقدمت أعمالاً عدة، منها «سيلوفان»، قبل أن تأتي الأحداث لتحتّم على مؤسّسي الفرقة المغادرة إلى بيروت (٢٠١٢) وتشرذم باقي الأعضاء خلف البحار. هنا كان على «كون» تغيير طريقة عملها. بعد above zero الذي عُرض مراراً في الخارج، وبما أن الظروف في بيروت تسمح بهامش أوسع من العمل الفني، كانت هنالك حاجة للعمل مع فريق المؤدّين نفسه بشكل دوري ودائم. وعندما نقول مؤدياً، يعني مخرج الفرقة أسامة حلال الممثل والدراماتورج والمدير التقني والمخرج، أن جميعهم هم مؤدون بشكل أو بآخر. اليوم تضم فرقة «كون» تسعة أعضاء من هويات مختلفة يجمعها الهم الإنساني، والأسئلة ذاتها والبحث عن أدوات مسرحية جديدة والتواصل بشكل عضوي مع المجتمع بحيث لا تحصر التجارب المسرحية أو الورشات في العاصمة ولفئة معينة من الناس. أدى هذا التفاعل الجديد إلى تقديم ورشتين، وعمل مسرحي ما زال قيد التطوير بعنوان «حكاية أم». ما زال الأخير في إطاره البحثي، ومن المرتقب عرضه مكتملاً عام ٢٠١٧ في عملية تعاون تضم كريستيل خضر (تتولى العمل على النص) ومجموعة «كهربا». وسيُقدَم 20 دقيقة من العرض اليوم (13:00) في «مسرح دوار الشمس» (الطيونة) ضمن إطار «فوكس لبنان» (أرصفة زقاق ــ الأخبار 11/11/2016) لمجموعة مغلقة من البرمجيين الفنيين والفاعلين الثقافيين.

يستند العرض إلى حكاية هانز أندرسون، الكاتب المعروف بقصص الأطفال والخرافة وأدب الرحلات: أمْ يأتيها ملك الموت ويأخد ابنها. تحاول استرداده في مسيرة تفقد خلالها شعرها، بصرها، صوتها، دمها في سياق حافل بالرمزية. خيار حلال بالعودة إلى الموروث الشعبي الذي تشكل حكاية أندرسون أحد عناصره، سببه سلسلة «الخسارات والفقدانات التي نعيشها على كافة المستويات النفسية والفيزيولوجية والإيدولوجية». هي سلسلة من الفقدانات تجبرنا على التأقلم، كما لو أنها أضحية. أن تضحي بكل شيء لتصل إلى مكان آمن. أن تضحي للتكيّف في ظروف هذا المكان الآمن الجديد. المؤسف وفقاً لحلال أن سلسلة الفقدانات تلك والخسارات وتقديم الأضاحي، لم تعد محصورة بحالات فردية... باتت حالة مجتمع، إذ أصبح بديهياً التنازل عن مهنتك أو عن فكرة الوطن أو الهوية. من هذا المنطلق، يعيد العرض (قيد التطوير) إنتاج الخسارة مفكّكاً حكاية أندرسون ورموزها، ومستحضراً التجارب الخاصة للمؤدين أنفسهم، وشاغلاً على تفاصيلهم ومعيوشهم وأغراضهم الخاصة وأدواتهم في التعبير. تعمل دراماتورجيا العرض على خلق تقاطعات بين حكاية أندرسون والوضع الراهن: هنا تطغى الأسئلة حول الحرب والتضحيات على تنوّعها التي قد تجمعنا. من اختار أن يبقى في حلب هو أيضاً يقدم أضحية. هي محاولة لإعادة تركيب الموت لمواجهة الموت.
في نهاية حكاية أندرسون، تلتقي الأم ملك الموت في نهاية مطافها، يخيِّرها بكل لطف بين أن تسترد ابنها أو تبقيه حيث أُخذ. تقرر الأم أن تبقيه حيث هو، وتعود خالية الوفاض. يرى حلال أن «ملك الموت في «حكاية أم» يبدو كائناً لطيفاً، لقد أعاد إلى الأم بصرها. الموت هو الواقع بحدّ ذاته. علينا أن نقبل الواقع. لم يعد ممكناً محاربة طواحين الهواء. عندما نتلمس واقعنا ونقبل به، يصبح تلقّف الخسارات أسهل». عندما سئل من هو ملك الموت في مجتمعنا المعاصر، أجاب حلال: «نحن جميعاً. نحن جميعاً ملك الموت، ونحن قمنا بخلق ملك الموت، وسنقتله خلال العرض لنغيّر واقعنا».