أقولُ للصباحِ: «صباحُ الخير!». وللحديقةِ التي في مَرمى الصباحِ: «صباحُ الخير!». ولأعشابِ الحديقةِ الغامضةِ، الـمُغرَورِقةِ، التي تَـتَـنَـفّسُ خضرتَـها وأسرارَها تحتَ ندى الصباحِ وفِـتْـنَةِ صباحِهِ. وللصخرةِ السوداءِ، تلكِ التي هناك في أبعدِ زاويةٍ منَ الحديقةِ المستَحِمَّـةِ لتَوِّها بدموعِ هواءِ الفجر، الراقدةِ على خاصِرةِ نفسها مُـتَـشَـبِّهةً ببقرةٍ سمينةٍ غافيةْ...: «صباحُ الخير!».


وللجبالِ الرقيقةِ التي في آخرِ الصباحِ الرقيقِ: «صباحُ الخير!».
وللشجرةِ... شجرةِ السروِ التي على هيئةِ «آهٍ» (حسبما يقولُ شيخُنا وعَـرّابُنا ووَلِـيُّ نِـعـمَـتِنا ورئيسُ أساقِفتنا «أمين نخلة» المرحومُ بآياتِ نفسِهِ وبَرَكاتِ نفسٍه)، ولِطائرِ «الحسّون» الموهوب، الذي يُثرثِرُ ــ تَـيّـاهاً بنفسِهِ ومأخوذاً بمواهِبِ نفسِه ــ فوقَ أعلى مِنَـصّةٍ مِن «شجرةِ الآهِ» إيّاها.
وللمعزاةِ، وللديكِ... ديكِ يوسف الغليظ ، وصوتِ جرسِ كنيسةِ «جوار العفص» الـحَـنون (تَصِـلُني بُـحَّـتُهُ الشَّـجِـيَّـةُ مُنَكَّهةِ بملوحةِ هواءِ البحر)، وحائطِ بيتِ الجار، والنافذةِ ــ النافذةِ المغلَقةِ ــ التي في حائطِ بيتِ الجار، ولِـمن ينامون أو يحلمون أو يَـتَـنَـهّدون ويبكون، ويَعدُّونَ أيامَهم ومَآتـمَهم خلفَ نافذةِ بيتِ الجار.
وللقِطّةِ «صباحُ الخير!».
وللدُّودةِ، والأفعى، والحرذون، وبنتِ آوى النَـدّابةِ الحزينةِ «صباحُ الخير!».
وللمرأةِ أقولُ. وللصبيِّ أيضاً. وللرجلِ حامِلِ الوردةِ أو حامِلِ السكّينِ... أو حامِلِ نفسِهِ بلا هِمّـةٍ ولا رجاء.
ولِـمَن لا أعرفُهُ، ومَن لا أراهُ، ومَن لا وجودَ لهُ أصلاً... أقول.
وأقولُ لشُجيرةِ الوردِ، وللورد.
وأقولُ للموسيقى، والورقةِ، ورائحةِ أزهارِ الليمون.
بل وحتى لنفسي، تلك التي ليس لي مُلْـتَجَـأٌ ولا عدوٌّ سواها...، أقول.
أقولُ للجميعِ، جميعِ الناسِ وجميعِ مَن كانوا ناساً، وجميعِ مَن لم يَصيروا ناساً بعدُ، وجميع المخلوقاتِ والموجوداتِ، وجميعِ ما يُرى وما لا يُرى...: «صباحُ الخير!».
أقولُ فلا أسمعُ ردّاً (لا أسمعُ حتى رَدَّةَ نفسي):
أسمعُ هواءً دامعاً وصمتاً/ أسمعُ رنينَ دمعتي ودمعةِ الحياة/ أسمعُ ظلاماً يَـتَلألأُ... ويَنتحب.
مِنَ الطبيعيّ ألّا أسمعَ ردّاً. مِنَ الطبيعيّ ألّا يَسمعَ أحدٌ ردّاً. فالصباحُ، الصباحُ الذي أرجوهُ وأَتَـوَسّلُ معونتَه، مضى. كانَ ومضى. كانَ وانتهى أمرُه. كانَ وانتهى، وآلَ أمرُهُ إلى قطعةِ ليل مَهجورةٍ تحت سماءِ نفسِها؛ رُقعةِ ليلٍ عتيقةٍ مَطلِـيَّـةٍ بماءِ الفِضَّـةِ...: رقعةِ ليــلْ.
وأمّـا «الخير» فَـ... تعرفون. تَعرفون مثلما أعرف.
8/1/2018