تبدو بعض الأزمات أحياناً من دون حلّ واضح، إلى درجة يبعث التفكير فيها على اليأس. ينطبق هذا تماماً على الأزمة الطائفية في مصر، حيث يختلط الرسمي بالشعبي، والاجتماعي بالسياسي، والخاص بالعام. وفي ظلّ تعقيدات لا تنتهي، يفاجئ أحدهم الجميع، ويقول إنّ الحل غاية في البساطة. هذا ما أثبته أمين اسكندر الذي يرفض بشكل قاطع أن يلقّب بـ «الناشط أو المفكر القبطي». هو يعتبر أنّه ينشط، ويفكّر، ويناضل كمواطن مصري أولاً وأخيراً. على مدار أربعة عقود من العمل العام، كان اسكندر يواجه المشكلة الطائفية بطريقة واحدة: «كنت أتقدم إلى ممارسة حقي مباشرة، من دون انتظار إذن أحد. النظر إلى المصلحة العامة والقضايا المشتركة، هي أفضل الطرق لمواجهة الطائفية».


هكذا ينتقد أمين اسكندر، عند الأقباط، الاتجاه نحو العزلة الذي يعمق الطائفية، ولا يقدم أي حل عملي. «التربية الكنسية ومدارس الأحد، سبب رئيسي للانكفاء والعزلة. اقتصار نشاط الأقباط على الأنشطة الكنسية والدينية، عوضاً عن الانخراط المباشر في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، يخلق مسافة بينهم وبين المجتمع. مقاومة التمييز يجب أن تكون عبر الممارسة المباشرة، ومهما تكن العراقيل».
ما يتحدث عنه أمين اسكندر هو بالضبط ما مارسه خلال حياته. كان طالباً في معهد المساحة في مطلع السبعينيات، حين ترشّح لرئاسة اتحاد الطلاب. يومها، استخدمت الإدارة الدعاية ضده، وكانت كلّها تقوم على أنّه مسيحي. مع ذلك، نجح في دورتين متتاليتين. «كان الحديث عن المصالح الجماعية للطلاب، والانحياز لقضاياهم أقوى من الدعاية الطائفية».
لا تخلو حياة هذا المناضل الناصري من مفارقات ملفتة. كان قد بدأ حياته السياسية في تظاهرات نهاية الستينيات المعارضة لعبد الناصر. «بدايةً، كنت أتفرج على التظاهرات المنددة بالنكسة، وكنت حانقاً على عبد الناصر بسببها، وأتذكر من تلك المرحلة جاري المجنّد العائد من سيناء سيراً على الأقدام. لكن عندما تنحى عبد الناصر، خرجنا أنا وجاري هذا في التظاهرات التي طالبته بالبقاء».
كان اسكندر في السابعة عشرة، عندما نظّم تظاهرة تضامن مع «منظمة التحرير الفلسطينية» عام 1969، في «مدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية». نشاط أوصله إلى قسم الشرطة، وعوقب عليه بالرسوب في الإمتحان! لم يمنعه هذا من الانتماء إلى الناصرية بكل إخلاص، ليس كمستفيد من النظام، لكن كمؤمن بمشروع سياسي. «لم أنخرط في أي مؤسسة من مؤسسات النظام الناصري، وانتمائي للناصرية جاء بعد هجوم نظام السادات على المشروع الناصري».
هذا الانتماء صار قناعة راسخة عند الرجل. «الاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والحرية، هذا هو جوهر المشروع الناصري. ليس المقصود استنساخ التجربة الناصرية، فلا ينبغي الحديث اليوم عن ضباط أحرار، لكن عن مواطنين أحرار، وعن حركات شعبية مؤمنة بالنضال والعصيان ومواجهة الاستبداد».
لم يعترف أمين اسكندر بالتمييز على أساس ديني في قضايا النضال السياسي، فعامله النظام بمساواة، وأعطاه حصّته الكاملة من... الاعتقال والاضطهاد. اعتقل عام 1977 على خلفية انتفاضة الخبز، وعاد إلى السجن عام 1978، ثمّ أثناء انتخابات مجلس الشعب عام 1980، واعتقل أيضاً في قضية التنظيم الناصري المسلح عام 1983.
شوط طويل قطعه أمين اسكندر الذي ولد في السويس عام 1952، والتحق بالمدرسة الابتدائية في منفلوط في صعيد مصر، وشب في حي شبرا الخيمة في القاهرة، ونشط في الحركة الطلابية في السبعينيات، وناضل ضد التطبيع. إلى جانب الاضطهاد التقليدي من النظم الاستبدادية للمناضلين، واجه محاولات التمييز على أساس ديني، لكنّه واجه هذا وذاك بالإصرار نفسه.
مع ذلك، يرفض الحديث عن العمل السياسي بمصطلحات التضحية، ونكران الذات. «أنا لا أتعاطف أبداً مع الذين يتحدثون عن تضحياتهم، وما دفعوه من ثمن في سبيل مبادئهم. النضال مسألة اختيارية، لا يجبر عليها أحد. وأنا أقول بمنتهى الوضوح، إنّ السياسة أعطتني أكثر بكثير مما أخذت مني. ما التضحية التي يمكن أن أتحدث عنها في حياتي السياسية؟ السجن والاعتقال والاضطهاد؟ كنت سأواجه كل ذلك وأكثر حتى من دون أن أنشط في العمل السياسي. السياسة أعطتني قيمتي ووجودي. أنا ابن موظف غلبان في الشرطة، كان ينتقل من محافظة إلى أخرى سعياً وراء لقمة العيش... وها أنا اليوم لي قيمة ووجود، ما كانا ليتحققا لولا نشاطي السياسي».
تشعّب عمل اسكندر السياسي بين تنسيق الحملة الشعبية ضد التطبيع والصهيونية، والترتيب مع ناشطين آخرين لبدايات «حركة كفاية» عام 2004، كما كانت له تجارب عدة في تأسيس أحزاب ناصريّة، آخرها «حزب الكرامة» وهو حزب قومي عربي، تحت التأسيس، ويشغل فيه حالياً موقع وكيل المؤسسين. إضافةً إلى جهده الحركي، أصدر كتباً وأبحاثاً عدة، آخرها «نقد التجربة الناصرية رؤى من الداخل» (مركز المحروسة للنشر ــــ 2010).
قدرته على النقد وعدم الانسياق الأعمى وراء النصوص الجامدة، جعلاه أكثر قبولاً للتنوع والاختلاف. فالمناضل الذي يتصدى للتمييز الطائفي بالهجوم لا بالدفاع، لا يتردد في نقد التجربة الناصرية. إنه يرى فيها مشروعاً ناجزاً: «إن لم تتحوّل إلى ممارسات دوغمائية وقوالب جاهزة». بهذه الروح والمنطق، يستمر اليوم أمين اسكندر في نضاله ضد الاستبداد والفساد والتبعية. الفتى الذي تظاهر في نهاية الستينيات لدعم «منظمة التحرير الفلسطينية»، ما زال يناضل ضد التطبيع. غضبه من عبد الناصر بعد النكسة، لم يمنعه من التعلق بآمال التحرر والعدالة والاستقلال. هكذا، وعلى الصفحة المخصصة له على «فايسبوك»، يختار القيمون على الصفحة استقبالك بقصيدة صلاح جاهين: «فارس وحيد جوّا الدروع الحديد/ رفرف عليه عصفور وقال له نشيد/ منين... منين... ولفين لفين يا جدع/ قال من بعيد ولسه رايح بعيد...».



5 تواريخ

1952
الولادة في السويس

1969
نظم تظاهرة لدعم «منظمة التحرير الفلسطينية»

1977
اعتقل على خلفية انتفاضة الخبز وتكرّر اعتقاله بعد ذلك

2004
شارك مع مجموعة مثقفين ومناضلين مصريين بتأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»

2011
حالياً وكيل مؤسسي «حزب الكرامة» الناصري