يندر أن يخرج صانع الألعاب الخفيّ إلى الضوء في لبنان. في ضجّة الانتصارات، يُرفع اللّاعبون على الأكتاف. وفي وجوم الخسارة، يُستدعى من بقعته في الظلّ ليُزَجّ به في قفص الاتهام. هذا المنطق ينطبق أيضاً على مدرّب كرة السلّة اللبناني غسان سركيس، إلّا أنّ هذا الأخير نجح في الخروج إلى العلن، واشتهر صانعاً للأبطال والفرق الرابحة.

لم يكن مستغرباً لأصدقاء سركيس وأبناء ضيعته بكفيا أن يروه يصبح اليوم هذا الـ coach الناجح. الكلّ كان يعرف أنّ تركيز غسان كلّه منصبّ على الرياضة، مع أنّه لا أحد في عائلته يشاطره اهتمامه. خلال الحرب، يوم كانت كرة السلّة اللبنانية أبعد ما يكون عن الاحتراف، لعب سركيس مع «نادي العمل ـــــ بكفيا».
لم تكن كرة السلّة خيار الشباب الأول. كانت اللعبة لا تزال بعيدة عن مزاج اللبنانيين. لم يبقَ الـ coach وقتاً طويلاً في صفوف اللاعبين. عرض عليه أحد الأصدقاء مصادفة، في عام 1978، أن يدرّب بعض الأطفال في «نادي العمل» في بكفيا. ومذ تذوّق طعم التدريب، لم يعد باستطاعته التخلّي عنه.
ككرة الثلج، كبر الاهتمام بكرّة السلّة في لبنان لتصبح اللعبة الرقم واحداً برأي غسان، الذي يشعر برضى لأنه كان له دور كبير في هذا التحوّل. يقول المدرّب المعروف: «هي اللعبة التي أعطت مردوداً وسعادة للبنانيين أكثر من أي لعبة أخرى. الشعب كلّه تعلّق بها». مسيرة النجاح بدأت مع انتهاء الحرب. في عام 1992، نُظّمت «كأس لبنان» لكرة السلّة للمرة الأولى بعد الحرب، شارك فيها سركيس كمدرّب لـ «نادي العمل»، بعدما كان قد تركه ليدرّب نادي «الكهربا» (الزوق) و«أبناء نبتون». وكان أول نصر مع إحراز المدرّب وفريقه الكأس. أمّا مسيرة الاحتراف، فيرى سركيس أنها بدأت مع انضمامه إلى نادي «الحكمة» نهاية عام 1992. ارتبط اسمه بالنادي المذكور طويلاً، وعرف سنواته الذهبيّة معه. كان «الحكمة» مع رئيسه وقتها، تنين الإعلانات الراحل أنطوان الشويري، يؤسّس لفريق كرة سلّة في النادي. سلّمت مقاليد التدريب فيه إلى سركيس من 1992 إلى 1996، ثم من 1997 إلى 2003. نال فريقه خلالها سبع مرّات «بطولة لبنان» لكرّة السلّة، و7 مرّات أخرى «كأس لبنان»، ومرتين «بطولة العرب» (1998 و1999)، من دون أن ننسى «بطولة آسيا» (1999 و2000).
بعدها، كان «الحكمة» أول ناد لبناني يشارك في بطولة العالم للأندية في ميلانو، لكن إنجاز سركيس مع «الحكمة»، لا يقتصر على انتصارات، بعضها غير مسبوق، يوضح الـ coach: «كان لـ «الحكمة» دور كبير في تطوير كرّة السلّة في لبنان. عندما وضعنا اللعبة على سكّة الاحتراف، ساعدنا في انطلاقتها الإعلامية، ومنها كانت الانطلاقة الكبيرة التي جعلت الناس ينتبهون إلى أنّ أنديتهم قادرة على تحقيق الإنجازات».
الطريق لم يكن دوماً مفروشاً بالزهور. المهنة التي يعشقها بعيدة عن الروتين، وترضي توقه إلى التحدي... لكن ذلك يعني أيضاً أنّه لا أمان فيها. فهو قد ينام على حرير ويستفيق على معركة. ترك المدرّب «الحكمة» لأول مرة عام 1996، لأنّ المستوى الفني العالي الاحتراف في الفريق قابله، كما يؤكّد لنا اليوم، مستوى إداري هاو. انتقل إلى «الورديّة» ثم «الرياضي»، الذي أحرز معه «بطولة لبنان» (1996). عاد بعدها إلى «الحكمة» بخطّة جديدة وبشرط، كان يصعب على الشويري فهمه حينذاك: إقصاء ثمانية لاعبين من الفريق، والاستعاضة عنهم بمواهب جديدة، من بينهم اللّاعب فادي الخطيب، الذي كان غسان سركيس يصرّ على أنّه سيكوّن مع إيلي مشنتف ثنائياً لا يُنسى.
رهان المدرّب كان في محلّه. يرى سركيس أنّ الثنائي مشنتف ـــــ الخطيب مثّل وقتذاك أفضل ثنائي لبناني وعربي. لا يخاف سركيس من المجازفة عندما يكون الرهان على المواهب الشابّة. تعامل بالطريقة ذاتها مع نادي «الشانفيل» الذي كان يتهاوى، قبل أن يتسلّم هو مهمّة التدريب فيه عام 2005، فأعاد ترتيبه من الصفر مع لاعبين جدد. ومرّة أخرى لم تخب رؤيته كمدرّب فحاز «الشانفيل» العام الماضي «كأس لبنان».
لكن كرة السلّة ليست فقط مسألة ربح وخسارة. في أروقتها، اكتشف المدرّب مشاكل عدة، لعلّ أبرزها آفة الحسابات السياسية والطائفيّة. كان حلمه بأن يخرج بـ «الحكمة» من شرنقة الطائفية، ويجعله نادياً لكل لبنان، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، وخصوصاً بعد حادثة عام 2003 التي أدّت إلى تركه النادي نهائياً. المشكلة التي وقعت بين إيلي مشنتف من «الحكمة»، وحسين توبة من «الرياضي» أخذت منحىً طائفياً وأدّت إلى انسحاب «الرياضي» من الملعب.
أثّرت الحادثة في غسّان، الذي قرّر على أثرها تسجيل موقف من تجليات الآفة الطائفية كما يقول. ترك «الحكمة» وانتقل إلى «الرياضي». لم يقبل الشويري السبب الذي قدّمه سركيس للاستقالة، ونشأ خلاف حاد بين الرجلين أدّى إلى إقصاء سركيس عن تدريب منتخب لبنان لكرّة السلّة، إضافةً إلى تحمّله غضب جمهور «الحكمة» عليه. كما أثار ضدّه مشاكل أخرى، جعلته يتعرّض حينها للتهديد مع عائلته. شعر «الرياضي» بأنه غير قادر على تحمّل تبعات تلك الخيارات، فطلب من مدرّبه الاستقالة.
ترك سركيس التدريب في لبنان والتحق بنادي «الاتحاد» الحلبي عامي 2004 و2005، ليعود بعدها إلى «الشانفيل». فضّل أن يخسر بدلاً من أن يتراجع عن قناعاته. الأمر ليس مستغرباً من غسان سركيس، الذي حمل السلاح مطلع الحرب الأهليّة مع ميليشيات «الكتائب»، يوم كان مقتنعاً بضرورة «الدفاع عن لبنان من الامتداد الفلسطيني المسلّح»، لكنه سرعان ما خرج من الدوّامة بعدما شعر بعبثيتها. في 2000، تزامن انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، مع فوز «الحكمة» بكأس آسيا. وقف سركيس حينها وأهدى الفوز إلى السيد حسن نصر الله. كانت خطوة استغربها كثيرون، لكن الـ coach لم يتأثر، لأنها كانت من أجمل لحظات حياته. وما زال حتى اليوم يعبّر عن انتمائه لخط المقاومة والإصلاح والتغيير. إنّه، في رأيه، موقف وطني بعيد عن السياسة بمفهومها الضيّق.




5 تواريخ

1957
الولادة في بكفيا (قضاء المتن)، لبنان

1978
بدأ التدريب مع «نادي العمل ـــــ بكفيا»

2000
أهدى فوز «الحكمة» بكأس آسيا لكرة السلّة إلى السيد حسن نصر الله، وشارك مع الفريق المذكور في بطولة العالم في ميلانو

2003
استقال من «الحكمة»، وانتقل إلى «الرياضي» على خلفية المشاكل الطائفية

2011
يتابع مسيرته مع نادي «الشانفيل»