نوّارة نجم. لم يكن اسم هذه المدوّنة والصحافية يعني شيئاً لكثيرين قبل «ثورة 25 يناير» التي كانت أحد رموزها. فجأة، احتلت ابنة صافي ناز كاظم وأحمد فؤاد نجم الشاشات، بوصفها أحد الناشطين في الثورة التي انطلقت على صفحات المدوّنات و«فايسبوك» قبل أن تحتلّ الشارع.

حين ولدت في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 في القاهرة بالتزامن مع حرب أكتوبر، سمّتها والدتها الكاتبة والناقدة «نوارة» لأنّ ولادتها بشّرت بالانتصار. بعد ثمانية أشهر، سمع اليساريون ومحبّو الأغنية الملتزمة باسمها من المحيط إلى الخليج بعدما كتب والدها «الفاجومي» قصيدة لها غنّاها الشيخ إمام «نوارة بنتي النهار دة تبقى بتخطّي عتبة ليوم جديد، يا ربّ بارك، يا ربّ خلِّ، يا ربّ حافظ، يا ربّ زيد». هذه الكلمات المملوءة بالأمنيات ألهبت مشاعر آلاف الآباء في ذلك الوقت. لكن والدها لم يكن موجوداً في الكثير من مراحل حياتها. حالما بلغت عامها الثاني، فارقته مع والدتها إلى العراق وتركته في السجن الذي حلف السادات أن لا يُخرج منه «الفاجومي» إلا بعد موته.
هذه الطفولة القلقة علّمتها ألا تفرح كثيراً. عاشت في العراق حتى الثامنة، وكانت والدتها تخرج صباحاً إلى عملها وتعود ليلاً. مع ذلك، أحبت نوّارة بلاد الرافدين، شاركت في ترديد «أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» في المدرسة كل صباح. أول أغنية حفظتها في الحضانة كانت: «أنا جندي عربي بندقيتي في يدي، أحمي بيها وطني من شرور المعتدي، طا طي طا طا طي طا»، تقول ضاحكة ثم تضيف: «أول مرّة قابلت والدي كان عمري أربع سنوات في سجن طرة».
حينها، تأملت الطفلة وجه والدها الطويل النحيل الذي أهداها وردة. «ما زلت أضعها في كتاب» وتضيف: «تثاقلت قدماي وأنا أخرج من طرة. كنت أعرف أني سأعود إلى العراق من دون أبي». مع عودتها مع أمها إلى مصر، عادت المشاكل. في 5 أيلول (سبتمبر) 1981 أيقظتها والدتها وأخبرتها أنّ السادات سيعتقلها. ودّعتها وطلبت منها ألا تبكي وأن تعاود النوم. وبالفعل، صلّت نوارة وعادت إلى سريرها، لكنها حملت في نفسها كرهاً كبيراً لسجّان والديها. حين اغتيل السادات في تشرين الأول (أكتوبر) 1981، قيل لها «السادات اتضرب»، فأجابت الطفلة ببراءة «يا رب يتعاقب، ويسقط في المقرر».
هذه الذكريات المؤلمة لم تهزم نوارة نجم. صاحبة مدوّنة «جبهة التهييس الشعبية» سارت على خطى والدها. دخلت سجن القناطر أسبوعين بعد دعوتها إلى تظاهرة ضد مشاركة إسرائيل في المعرض الصناعي في «جامعة عين شمس» (1995). تقول «كان الجو لطيفاً في القناطر»، ثم تردف «هذا بالمقارنة مع الضرب الذي تعرضت له خلال الاحتجاز». عند ترحيلها إلى هناك، نامت على الأرض «من دون وسادة وغطاء، ومن دون أكل أيضاً».
لنوارة أختان من والدها، هما عفاف وزينب. المفارقة أنّ عفاف تكبرها بـ 18 عاماً و8 أشهر، وزينب تصغرها بـ 18 عاماً و 8 أشهر أيضاً «والدي ينجب كل 18 عاماً» تقول ضاحكة. تصف نوارة أختها الكبرى بالفاضلة، لكنّها نادراً ما تراها لأنها تعيش خارج القاهرة. أما الصغيرة فقد ربتها بنفسها «عشان كدة طلعت بايظة» تقول ممازحة. أما والدها فتعامله كابنها. «هو متعِب ولا يعرف مصلحته، لا يهتم بنفسه ولا بصحته».
تزوجت نوارة زميلاً لها يدير مركزاً لحقوق الإنسان، لكنهما افترقا بسبب الخلافات، فبعض الرجال «يقولون كلاماً عن المبادئ، لكن ساعة الحقيقة يطبقون ما تربّوا عليه»... وتضيف: «افترضت أنّه تقدمي. لكنه كان كأي رجل عادي». يجرّنا هذا الحديث إلى حجابها: «لو لم أكن مسلمة، للبست الحجاب». يأتي جواب ابنة الأسرة اليسارية حاسماً. هي تعتز بالحجاب الذي تعتبره جزءاً من هويتها وخصوصيتها. وتشرح فكرتها «لو لم أكن مسلمة للبست الحجاب لأن الإسلام مضطهد، والحجاب سبب التفتيش في مطارات الغرب، والإسلام كان ذريعة لاحتلال العراق». وترى أنّ هذا الشكل من اللباس جزء من ثقافة المنطقة، و«لم يعق المرأة عن المشاركة في ثورة النيل». ثم تسخر من كلام بعضهم بأنّه بعد الثورة، يجب منع الحجاب: «بعد الذي حققناه كنساء في الثورة، لا يحق لأحد أن يملي علينا ماذا نلبس».
منذ السنة الأولى من دراستها الجامعية في قسم اللغة الإنكليزية، عملت صحافية متدربة في مجلة «الشباب» بين 1992 و1994. ثم تدربت في الـ«أهرام ويكلي» التي تصدر بالإنكليزية، وفي مجلة «نصف الدنيا» النسائية التابعة أيضاً لمؤسسة «الأهرام». لكن تعيينها في المجلة قوبل بالرفض من رئيس مجلس إدارة المؤسسة إبراهيم نافع، لأسباب تتعلق بعدائه لوالديها، فتركت المؤسسة بحثاً عن فرصتها في أماكن أخرى. هكذا، وجدت في صحيفة «القاهرة» تشجيعاً من رئيس تحريرها صلاح عيسى. وفي النهاية، التحقت بالعمل في قنوات «النيل» (1997).
أما مدوّنتها «جبهة التهييس الشعبية» فقد أسستها في عام 2006 وبلغ عدد قرائها ما بين 15 و20 ألف شخص يومياً. هذا قبل الثورة. أما خلالها، فقد ارتفع العدد إلى 25 و30 ألفاً في اليوم. مدوّنتها تشبهها كثيراً: الكثير من المواضيع، والكثير من القضايا، وحماس فائر، ولهجة عامية مباشرة وسريعة.
في رصيدها حتى الآن ثلاثة كتب، أوّلها «عش ع الريح» (2009) وهو مجموعة من المقالات نشرت في جريدتي «الحلوة» و«الوفد»، وشاركت في العام ذاته مع 30 مدوِّنة مصرية في كتاب «أنا أنثى» الصادر ضمن سلسلة «مدونات مصرية للجيب»، ونشرت ترجمتها لوثائق ويكيليكس المتعلقة بمصر، بالشراكة مع عبده البرماوي، ضمن كتاب «الوثائق التي هزت العالم: وثائق ويكيليكس» (2010).
لم تتوقع نوّارة نجم أن تندلع «ثورة 25 يناير». تقول إنّ نجاح التظاهرات في ذلك اليوم أفرحها أكثر من سقوط حسني مبارك المتوقَع. كان حاضراً في ذهنها دوماً نجاح الثورة التونسية «هم عملوا معانا أجدع واجب». علّموا المصريين كيفية الحماية من الصعق الكهربائي، وكيفية مواجهة مسيّل الدموع عبر غسل الوجه بالمشروبات الغازية». تتابع «لم أتخيّل أن يقوم الشعب المصري بكل هذا. كل الإقدام والشجاعة والتلاحم لم يكن له أي إشارة مسبقة في الشارع. ولا أدري حتى الآن من أين أتى. الشباب العادي كان يركض صوب الرصاص ويستشهد. لا أعلم من أين أتى هؤلاء بكل هذه الشجاعة!».




5 تواريخ

1973
الولادة في القاهرة

1981
العودة إلى مصر بعد إقامة ستّ سنوات في العراق وفي 5 أيلول (سبتمبر)، اعتُقلت والدتها صافي ناز كاظم

2006
أسّست مدوّنتها «جبهة التهييس الشعبية»
tahyyes.blogspot.com

2009
كتابها «أنا أنثى» الصادر ضمن سلسلة «مدونات مصرية للجيب»

2011
اندلاع «ثورة 25 يناير» التي كانت من رموزها