إنّ القلق على المصير - لو انتبهنا حقّاً إلى الواقع - ليس حكراً على طائفة من دون أخرى، فلبنان غارق في الديون، والاقتصاد ينهار، ولا تغطية صحّية مجانيّة، ولا سياسات اقتصاديّة لخلق فرص عمل داخليّة، ولا كهرباء دائمة، ولا ماء نظيف، ولا حلّ لمعالجة النفايات يحمي البيئة، ولا حتّى سياسة أمنية حقيقيّة حيث يهتزّ الأمن كلّما تنازعت الزعامات التقليديّة وغير التقليديّة. أمام كلّ هذا، يحدث من فترة لأخرى أن تتعالى أصوات تدعو إلى الدفاع عن حقوق المسيحيّين. فما الموقف المسيحيّ الممكن أمام هذا الواقع؟

لا يشير الإنجيل في أيّ مكان على المسيحيّين بأن يطالبوا بحقوق خاصّة بهم دون غيرهم، بل يعلّم يسوع أن يعمل المسيحيّون على إطعام الجياع وتوفير الماء للعطاش وزيارة المرضى والمساجين والعناية بكلّ متروك، دون تمييز دينيّ أو عرقيّ، لأنّ الناس كلّهم أبناء وبنات الله، مخلوقون على «صورته»: أي منحهم الله موهبة الفكر والحرّية والقدرة على المحبّة. ويجعل يسوع من هذه الأعمال من أجل جميع المهمّشين مقياساً لدخول الإنسان إلى الملكوت، وأساساً للقرابة والأخوّة بين البشر (مثل السامريّ الشفوق).
لكن الأعمال هذه لا يمكن أن تكون مجرّد أعمال فرديّة، ففي زماننا نحن نعلم أنّ لهذه الأعمال مترتّبات سياسيّة، لأنّ إزالة الفقر والحاجة أو تقليصهما قدر المستطاع يبقى هو الهدف الأسمى. ولهذا ينبغي للناس ليكونوا مسيحيّين حقّاً، أي ليتصرّفوا بمقتضيات تعاليم المسيح دون كذب ونفاق، أن يعملوا بذكاء وتصميم من أجل إيصال نوّابٍ إلى البرلمان قادرين على القيام بمسؤوليّاتهم، وقادرين على العمل على جدول الأعمال هذا الذي رسم يسوع مبدأه في الإنجيل، وهو جدول أعمال يريد إحقاق العدالة والكرامة الماديّة والمعنويّة للجميع. إنّ من النفاق الإيمانيّ أن يعمل المسيحيّون من أجل المسيحيّين فقط، لأنّ ذلك بالفعل عكس وصايا المسيح، ويوقِعُ الإنسان والجماعة في الازدواجيّة بين القول والفعل، ويُبعِدُ بالتالي المسيحيّين عن ذاك الذي تسمّوا على اسمه، أي يفقدهم بالفعل هويّتهم المسيحيّة على عكس ما يزيّن لهم بعض السياسيّين. مَن ينتخب فلينتخب، وليبقَ أميناً ليسوع، وإلّا خسر نفسه كمؤمن، وفي الحالة اللبنانيّة هو ليس فقط يخسر هويّته الإيمانيّة، بل أيضاً مستقبله ومستقبل أولاده.

من النفاق الإيمانيّ أن يعمل المسيحيّون من أجل المسيحيّين فقط


ولكن يسوع يذهب أبعد من مجرّد الطلب إلى أتباعه بأن يعملوا من أجل الجميع، بل يخاطب الذين قد لا يعملون شرّاً بالآخرين ولكنّهم يمتنعون عن العمل الفاعل من أجل الآخرين، فيحذّر من أنّ مجرّد امتناع الإنسان عن فعل الخير هو خيانة للمسيح ويضع الإنسان خارج الملكوت، فيقول في العظة نفسها إنّ «كل ما لم تفعلوه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار [أي المحتاجين] فبي لم تفعلوه». هذا يعني أنّ من ينطوي ويترك العمليّة الانتخابيّة، إن أتيحت له بكرامة، ولا يعمل من أجل انتخاب نوّاب لديهم بالفعل برامج لحلّ المشاكل المتعاظمة، نوّاب لم يساهموا في دفع البلاد إلى الخراب، فهو بالفعل لا يمارس وصيّة يسوع بضرورة العمل الفاعل من أجل الآخرين، لا بل يذهب عكسها تماماً، وبالتالي لا يمكنه أن يتغنّى بهويّة «مسيحيّة»، بينما هو ليس فقط يمتنع عن مساعدة الناس، بل يُسهم بتدمير مستقبلهم بانتخابه أناساً أودوا بالبلاد إلى حافة الإفلاس، أو هم معروفون بمواقفهم الطائفيّة أو العنصريّة التي تخالف تعاليم يسوع.
إنّ من ينتخب بناءً على التقوقع العصبيّ الطائفيّ والمناطقيّ يخون الإنجيل وسيّد الإنجيل والتاريخ، ويخسر نفسه ماديّاً ومعنويّاً، «وماذا ينفع لو ربح الإنسان العالم وخسر نفسه أو فقدها» (مرقس ٨: ٣٦)، وكيف يمكن الإنسان أن يسمّي نفسه مسيحيّاً وهو يخون المسيح بتقوقعه على مطالب طائفيّة لن تنفع في النهاية سوى خدّام سيّد الكذب والخداع الذي كان «قتّالاً للناس منذ القِدَم»، أي الشيطان، هؤلاء الذين ينهبون البلاد ولا يقدّمون للمواطنين حقوقاً، بل فتاتاً من حقوق، مقابل خضوع ذليل، خضوع يشكّل إهانة لصورة الله في الإنسان.
إمّا أن يحيا الإنسان حسب تعاليم المسيح ليكون مسيحيّاً، أو هو يرفض عمليّاً المسيح، ولو أعلن إخلاصه له ليل نهار ومارس جميع الطقوس. الانتخابات المقبلة ليست مجرّد تمرين مدني وسياسيّ، هي أيضاً محكّ للإيمان، إمّا أن يعمّق الإنسان إيمانه، فيعمل بموجب تعاليمَ مَن تسمّى باسمه، فينبذ دعوات العداء للآخر، والتقوقع العصبيّ، وينبذ انتخاب من أوصلوا الجميع إلى البؤس الحالي، ويعمل بفاعليّة لانتخاب نوّاب جدد لديهم مشروع واضح يمكّنهم من الخروج من الضائقة الحاليّة؛ وإمّا هو إنسان يخون إيمانه، ويخون هويّته ولو ظنّ واهماً أنّه يربحها.
مصير الإنسان المسيحي أن يتبع سيّده فيسير في خطّ الشهادة للحياة والحقّ والحرّية، أو هو ليس بمسيحي، وإنّما يعود إلى مرحلة الوثنية فيعبد إنساناً آخر، أو قبيلته، أو مصالحه الذاتيّة. المسيحيّة أمر صعب، ويسوع لم يخفِ ذلك، بل دعا أتباعه قائلاً: «ادخلوا من الباب الضيّق. واسعٌ هو الباب المؤدّي إلى الهلاك... وما أضيق الباب المؤدّي إلى الحياة» (متى ٧: ١٤).
* أستاذ جامعي