في حروب اليوم، لا تقلّ السيطرة على تدفّق المعلومات أهميّة عن السيطرة على أي من ساحات المعركة الميدانية. وقد أثبتت الحروب الحديثة أنه بات من الصعب الاعتماد على الصحافة التقليدية والصحافيين والمراسلين الميدانيين الذين يغطّون الأحداث ويرافقون الجيوش لإثبات الرواية الرسمية والرسائل والصور التي يريد المتحاربون إيصالها للجماهير، بسبب التطوّر الهائل لوسائل الاتصال المتاحة للناس في عصرنا الحالي.

تشكّل حملات «الهاسبارا» الإلكترونية (تأسّست في العقد الماضي) نموذجًا فعّالاً يستخدمه العدو الإسرائيلي كأسلوب سياسي ودبلوماسي وإعلامي لتلميع صورتها وتبرير ممارساتها العدوانية وانتهاكاتها لحقوق الناس وللقوانين الدولية. تدير «هاسبارا» مجموعة من ضبّاط الاستخبارات والأمن السيبراني، بتوجيه وتمويل من حكومة العدو وبعض الشركات الإسرائيلية الخاصّة، وينشط من خلالها العديد من الصحافيين والمدونين والاعلاميين الذين يعملون ليل نهارعلى نشر الدعاية الكاذبة وتحريف الحقائق والتلاعب بالمعلومات والأخبار، مستخدمين تقنيات متطورة وأساليب مبتكرة. ويبدو ان كيان الإسرائيلي يركز بشكل كبير على المعركة الإعلامية التي تعتبر امتدادًا لآلة الحرب العسكرية عبر جهاز «هاسبارا»، وذلك بالتكامل مع برامج «العلاقات العامة» المنتشرة في كل انحاء العالم تقريباً من أجل كسب التعاطف الدولي.
وتواجه «هاسبارا» صعوبة في إجراء تعتيم كلّي على مجريات الأحداث نظرًا للاهتمام البالغ الذي تحتلّه القضيّة الفلسطينية في المؤسسات الإعلامية والجمعيات الحقوقية والتطور السريع لوسائل الإعلام السمعية - البصرية ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. فقد أصبح كل من يستخدم الانترنت والتطبيقات الالكترونية ناقلاً للأحداث والصور من ساحات الحرب ومسارح الجريمة الإسرائيلية المتمادية والمتكررة بشكل شبه يومي في فلسطين المحتلة. وتسعى ماكينة «الهاسبارا»، بالإضافة إلى الدعاية التقليدية عبر الصحف وقنوات الراديو والتلفزيون، إلى تفعيل قدراتها في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تطوير حسابات تشغلها وتوجهها عبر تطبيقات مستخدمة بكثافة مثل «تويتر» و«فايسبوك» و«انستغرام». وقد كان جيش الاحتلال الإسرائيلي من أول الجيوش في العالم التي أنشأت حسابات لها على هذه المواقع للتوجه مباشرة الى مستخدمي هذه التطبيقات والى وسائل اعلام تتابع حساباتها. وتعمل «هاسبارا» على تدريب المتعاطفين مع «إسرائيل» والداعين للتطبيع معها في كل انحاء العالم بما في ذلك الدول العربية لاظهار الكيان العبري بصورة «الدولة المتطوّرة والديمقراطية التي تدافع عن نفسها بوجه الإرهاب».



المهام والأهداف
بالإضافة إلى كتيّب "Hasbara Handbook" وهو كتيّب تدريبي يشرح تفصيليًا استراتيجيات الدفاع عن «إسرائيل» في العالم الافتراضي وأسس المجادلة والدخول في النقاشات، نستعرض في ما يلي بعض المهام والأهداف التي تسعى «هاسبارا» الى تحقيقها:
• التوجّه لكلّ الشعوب والمجتمعات ومخاطبة كلّ حسب ثقافاته وعاداته وتوجّهاته الفكرية والعقائدية من أجل اللّعب على التناقضات والعواطف والمشاعر بما يخدم مصالح الصهيونية، تارةً من خلال سرديّة المظلومية اليهودية عبر التاريخ، وطورًا من خلال سردية الوجود بحكم القوّة والأمر الواقع وإظهار الكيان بوجه حضاري والعمل على أنسنة المحتلّ.
• تبرير الهمجية والوحشيّة تحت عنوان «محاربة التطرّف والإرهاب».
• اختلاق الوقائع وقلب سياقها في إطار تزييف الأحداث وتشويه الحقيقة والتلاعب بالوعي وحرف الأنظار عن المجرم الحقيقي.
• تحوير أي نقاش أو نشاط معارض لـ«إسرائيل» وتحويله إلى نشاط «معاد للساميّة»، وهي «تهمة» يعاقب عليها القانون في بلدان عدّة.
• تشويه سمعة أي جهة تنتقد «إسرائيل» ولو بالشعارات والخطابات (المنظمّات الدولية مثالاً).
• ترويج صفة «اليهودي الكاره لنفسه» ضدّ اليهود المعارضين لـ«إسرائيل» وأفعالها.
• ترويج لفكرة أن «إسرائيل» ضحيّة وهي جهة بريئة تتعرّض لتهديد إرهابي وبالتالي فإن أي انتقاد موجّه لها سيتحوّل إلى تبرير للإرهاب.
• دفع شركات الإنترنت الكبرى لاتخاذ تدابير صارمة بحقّ الأصوات المعارضة والتواطؤ معها لقمع الرأي الآخر وإغلاق الحسابات المنتقدة واعتبارها حسابات «معادية للساميّة» (يتمّ حذف الآلاف من المنشورات والحسابات المتعاطفة مع فلسطين على منصّات كفايسبوك وتويتر وتيك توك ويوتيوب وغيرها...).
• دورات تدريبية في مجال المعلوماتية والإنترنت وعلى كيفية التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي لضمان ظهور المنشورات والتعليقات التي تتناسب مع أهدافهم.
• إطلاق التطبيقات الهاتفية وهي من أهمّ أدوات وأسلحة حربهم الإعلامية مثل (4IL Community) والتي تنشر مهمّات للمتطوّعين الراغبين في تنفيذها.
• تبليغ عن الصفحات المعادية لـ«إسرائيل» والمتعاطفة مع القضية الفلسطينية حول العالم على رأسها صفحات «حملة مقاطعة إسرائيل BDS».
• كتابة التعليقات والردود على أي منشور ينتقد «إسرائيل» ويكشف ممارساتها الاجرامية.
• الدعاية التي تستهدف الجمهور الغربي بشكل مركز: الترويج لإسرائيل باعتبارها «دولة ديمقراطية» على الطراز الغربي (الانفتاح والتحضّر والتقدّم ...) تتعرّض لحملات الكراهية من جيرانها من دون سبب.
• إطلاق «زمالات الهاسبارا» وهو برنامج تجنيد متطوّعين إسرائيليين ومن غير الإسرائيليين لا سيما من طلّاب الجامعات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإضفاء «المصداقية والموضوعية». وقد برزت هذه الحملات بشكل كبير لخلق تقارب مع الطلّاب والشباب العرب في هذه الجامعات لإضفاء شرعية مزعومة على غرار التقارب الحاصل على مستوى الحكومات من اتفاقيات التطبيع.



تعبئة الكترونية اسرائيلية
«هل تريد الدّفاع عن إسرائيل؟... حمّل التطبيق وشاركنا الحقيقة»، بهذه العبارات يبدأ الإعلان الدعائي لتطبيق (Act.IL /4IL) متوجّهًا إلى «جمهور إسرائيل» حول العالم. والتطبيق الهاتفي المتوفّر على (App store/Google Play) أطلقته حكومة العدو الإسرائيلي عام 2017 برعاية وزارات الشؤون الاستراتيجية والإعلام والسياحة إلى جانب موقع (Hasbarapp.org) الإلكتروني وتطبيق (Hasbara app) (مبادرة من مجموعة حتزاد حشيني التعليمية التي تأسّست عام 2010)، ويعمل بشكل أساسي كحملة إلكترونية مضادّة لحملة مقاطعة ومناهضة "إسرائيل" BDS، والهدف من ذلك إظهار «إسرائيل» كدولة «محبّة للسلام والقيم الإنسانية» تتعرّض للتشهير بشكل «غير عادل» بسبب المعلومات التي تروّج لها دول وأفراد ووسائل إعلام «معادية للسّامية».
جيش الاحتلال الإسرائيلي كان من أول الجيوش في العالم التي أنشأت حسابات لها على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تشويه الحقائق حول جرائمه المتمادية


تستهدف هذه التطبيقات بشكل أساسي الإسرائيليين داخل كيان الاحتلال وحول العالم لا سيما شريحة الشباب والطلبة منهم من أجل توظيفهم وتجنيدهم و«تسليح» هواتفهم في «حرب الدّفاع عن إسرائيل» في الفضاء الإلكتروني، وبشكل خاص منصّات التواصل والإعلام الاجتماعي. وتنشر هذه التطبيقات بشكل يومي مجموعة من «المهام» المطلوبة من المشتركين ترشدهم إلى كيفية التفاعل من خلال المنصّات والصّفحات. وترصد ميزانية هائلة لتغطية هذه التطبيقات ونشاطاتها.

«الديبلوماسية الرقمية» للتشويه
تقوم الدبلوماسية بمفهومها التقليدي على القوة الناعمة مثل المفاوضات والبعثات الدبلوماسية والمراسلات والبرقيّات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول. أمّا «الدبلوماسية الرقمية» فتعتمد على الإعلام الرقمي لما يوفره للعمل الدبلوماسي من سهولة الاتصال مع الجماهير الخارجية من دون تكاليف مادية أو قيود لغوية وثقافية. «الدبلوماسية العامّة»، أو الدعاية والبروباغندا، يستخدمها كيان الاحتلال الإسرائيلي لوصف الجهود المبذولة لتبرير وجودها وأفعالها، لا سيما لدى الجمهور الغربي المتعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة وتجنّب محاولات النبذ والعزلة والإدانة في المحافل الدوليّة وأمام القانون الدولي، بالإضافة إلى نشر الأكاذيب التي تخدم وجهة نظرهم وسرديّتهم عن الصراع وأصل وجودهم، عبر تصوير الاحتلال بمظهر الضحيّة والعرب بصورة الجلّاد، بالإضافة إلى تلميع صورة الاحتلال والاستيطان وإظهاره بشكل ديموقراطي في مقابل تشويه صورة الفلسطينيين ووصمهم بالإرهاب والتخلّف.

تتبع المقاومة الالكترونية اساليب واستراتيجيات مبتكرة لدحض الرواية الاسرائيلية الكاذبة

وتعد «إسرائيل» ضليعة في حروب «السايبر» وتكنولوجيا المعلومات والإنترنت، وتحتلّ مرتبة متقدّمة في مجال «الدبلوماسية الرقمية»، حيث ان التواصل والإعلام الاجتماعي أحد أبرز أدوات هذه «الدبلوماسية». وتدير وزارة الخارجية الإسرائيلية مئات القنوات على مختلف المنصّات والمواقع بما في ذلك تويتر، فايسبوك، يوتيوب، إنستغرام.. إضافةً لذلك تمتلك جميع السفارات الإسرائيلية في العالم صفحات ومنصّات خاصّة تشغّلها بشكل فاعل وعلى مدار الساعة بأكثر من 50 لغة. (صفحة «إسرائيل تتكلّم بالعربية» على فايسبوك والتي تنشط على مدار الساعة، تحظى بمتابعة وتفاعل كبيرين وقد وصل عدد المتابعين فيها إلى حوالي 3 ملايين حساب بالإضافة إلى حسابات «إسرائيل بالعربية»_تويتر/ «أفيخاي أدرعي»_تويتر/ "ايدي كوهين"_تويتر/ "غال غادوت"_تويتر ...).



مقاومة الاحتلال الرقمي
يبرز العديد من النشطاء الفاعلين افتراضيًا في بعض الدول العربية وفي أوروبا والولايات المتحدة ومن داخل فلسطين المحتلّة الذين يعملون على مواجهة حملات «هاسبارا» والتصدّي لكافّة أنواع الدعاية الكاذبة، وذلك من خلال فضح ارتكابات العدو وتوثيق إجرامه بالإضافة إلى إطلاق حملات توعية مضّادة لبروباغندا العدو من خلال تثقيف النّاس وتعريفهم بماهية الصراع وحجم الأخطار وسبل المواجهة لا سيما في الفضاء الإلكتروني من دون الوقوع في فخ التفاعل المباشر مع ناشطين إسرائيليين لما في ذلك من مخاطر عديدة. هذه المقاومة رقميّة وإلكترونية فاعلة وناشطة لعدوان افتراضي صهيوني. وكما في الميدان تتّبع المقاومة الالكترونية أساليب واستراتيجيات مبتكرة لدحض الرواية الإسرائيلية الكاذبة. علماً ان تلك الأساليب والاستراتيجيات هي بمعظمها مبادرات فردية لا تحظى بأي دعم أو تنظيم او تمويل من منظمات أو أحزاب او دول.


النضال المدني الالكتروني بالمرصاد
تاريخيًا كانت الدعاية الصهيونية تنفّذ استراتيجية محدّدة تحوّلت في يومنا هذا ليس فقط إلى أداة هامّة في تنفيذ السياسة الخارجية الإسرائيلية، وإنّما إلى أداة فاعلة ومحترفة في التضليل والكذب والخداع وتشويه الحقائق، لا سيما لدى الجمهور العالمي الذي سلّم الى حد كبير بالسردية الصهيونية حول الصراع وبات يردّدها دونما اعتبار لكيفية وماهية وحجم ماكينة البروباغندا التي تعمل ليلاً نهارًا على خداع الرأي العام العالمي وتحريضه وتشويه صورة كل من يعارض ويعادي الاحتلال وممارساته ووصمهم بالتخلّف والعدوانية والإرهاب ومعاداة السامية، بالإضافة إلى نجاحهم في الإفلات من المحاسبة والعقاب على ما اقترفوه من جرائم وحشية.


إنّ خطوط الدفاع الأوليّة في وجه هذه الحملات تكمن في كيفية التصرّف والتفاعل على مستوى عال من الوعي والثقافة والمسؤولية وفهم طبيعة المواجهة التي باتت تأخذ أشكالاً وأساليب متقدّمة جدًا، وتحديدًا مواجهة الإرهاب الإلكتروني الإسرائيلي.
على سبيل المثال فإنّ حركة المقاطعة (BDS) تنشط في العالم الافتراضي بوصفها حركة تستعين بالقانون الدولي وقيم حقوق الإنسان والتحالف مع الشعوب والمجموعات المضطهَدة في العالم. وقد تمكنت من توسيع المعركة ضد "إسرائيل" من مربع القوة المسلحة في الميدان إلى مربع النضال المدني، وهذا جزء أساسي من عملية النضال إلى جانب الكفاح المسلّح.