سماح إدريس*

هو حفيدُ الإمام حسن البنّا، مؤسّسِ حركة الإخوان المسلمين الذي قضى اغتيالاً في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. والدُه سعيد رمضان، أحدُ تلامذة البنّا النجباء، وقد صدر قرارٌ بنفيه خارج مصر عام 1954، فسافر إلى جنيف، وهناك أنشأ «المركز الثقافي الإسلاميّ». هذه المعلومات البيوغرافيّة الأوليّة لا غنى عنها لمعرفة شخصيّة طارق رمضان، المثقف والأكاديميّ الإسلاميّ الذي يحلّ ضيفاً اليوم على بيروت. وهذا ما يُقرّ به رمضان نفسُه حين يقول: «عشتُ كلّ طفولتي تُلازمني صورةُ جدّي المقتول... وكان والدي، وهو زوجُ ابنتِه، يتحدّث عنه باعتباره المصلحَ الإسلاميَّ الأهمَّ في عصرنا... وكان فكرُه حاضراً يومياً في المنزل. كذلك فإنّ والدتي قد حملتْ بشكلٍ بالغِ العمق هذا التراثَ؛ فلقد كانت أكبرَ أولاد حسن البنّا».
تلقّى طارق رمضان تعليمَه الأوّلَ في مدارس جنيف الفرنسيّة. حصل على الماجستير والدكتوراه في الفلسفة والأدب الفرنسيّ من جامعة جنيف. درّس الأدبَ الفرنسيّ في مدارس جنيف. وفي مسعى إلى تأصيل منحاه الفكريّ الإسلاميّ، كما يبدو، سافر إلى مصر عام 1992 لمتابعة دراساته الإسلاميّة. في سويسرا، وأوروبا عامّةً، عمل في منظماتٍ أوروبيّة ــــ عربيّة، ومستشاراً في بعثات تتّصل ببرلمان بروكسل، وانخرط في مجال الدعوة الإسلاميّة حتى عُدّ «بطلَ الضواحي الفرنسيّة». ويقال إنّ أشرطة التسجيل التي تحوي خطبَه يبيع كلٌّ منها أكثرَ من خمسين ألف نسخة! هذا وقد علّم في أكسفورد (بريطانيا) وفرايبورغ (سويسرا) ودوشيشا (اليابان) وغيرها. لذلك لا عجبَ أن يَعُدّ نفسَه (في ردّه على سؤالٍ لعزيز زيموري) «أوروبياً من أصلٍ مصريّ... لكنّ تكويني وتفكيري ينتميان إلى الثقافة الفرنسيّة... أنا غربيٌّ مسلم. لكنّ كثيراً من الأوروبيين يروْن الإسلام ديناً غريباً عن أوروبا، وهذا خطأ من وجهة نظر تاريخيّة».
وقد كتب رمضان أكثر من 15 كتاباً، من بينها (بالفرنسيّة): «الإسلام الجذريّ»، و«الآخر ونحن: من أجل فلسفةٍ تعدديّة»، و«إيماني الحميم»، و«المسلمون داخل العلمانيّة»، و«أن تكون مسلماً أوروبياً»، و«الإسلام في أسئلة» (مع ألان غريش، يردّان على أسئلة فرانسواز جرمان ـــ روبان)، و«مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام»، «أينبغي إسكاتُ طارق رمضان؟» (حوار مع عزيز زيموري)، وأخيراً «البحث عن معنى تطوير فلسفة التعددية». وقد عدّتْه مجلةُ «تايم» من المئة الأكثر تأثيراً في كوكبنا. ولا بد هنا من مجموعة ملاحظات:
■ لا يهدف رمضان إلى «دمج» المسلمين في المجتمع الغربيّ، بل إلى إشراكهم في صنع هذا المجتمع وفي إصلاحِه بـ«الروح الإسلاميّة»، لكنْ على أساس «دولة القانون والديموقراطيّة».
■ نزع عن العالم العربيّ ـــــ الإسلاميّ «احتكارَه» تمثيلَ الإسلام، مشيراً إلى أنّ من واجب مسلمي أوروبا الإدلاءَ بدلْوهم. فالغرب في رأيه، نقيضاً لكثير من الأصوليين، ليس دارَ حربٍ بل «دار شهادة»؛ بمعنى أنّ المسلمين ليسوا في صدد مواجهةٍ تقاطبيّةٍ حادّةٍ معه، بل دورُهم هو أن «يَشْهدوا» بالحقّ أمام البشريّة، معبِّرين عن قيمهم، ومسْهمين أصيلين في بناء الحضارة.
■ حافظ على المواقف الوطنيّة والقوميّة العربيّة العامّة، كإدانته لجرائم الكيان الصهيونيّ في فلسطين، ونقدِه للعولمة الطامسة للخصوصيّات القوميّة والجهويّة.
يعالج رمضان في خطبه وكتبه ومحاضراته مرْوحةً واسعةً من الموضوعات من قبيل: الإيمان، المسؤوليّة، حوار الأديان، الهويّة الإسلاميّة اليوم، الاستشراق، أخلاقيّات الطعام في الإسلام، الزواج القسريّ، المحمول الروحيّ للجهاد، العائلة في الإسلام. وهو يتميّز ببعض التجديد في الأحكام، لكنْ أيضاً (كما هو متوقّعٌ من أيّ إصلاحيّ دينيّ) ببعض المحافظة.


«بطل الضواحي الفرنسيّة» يتميّز ببعض التجديد، لكنْ أيضاً ببعض المحافظة
لنأخذ مثلاً موقفَه الأشهر في مناظرته التلفزيونيّة مع نيكولا ساركوزي بخصوص حكْم «رجْم الزانيات»: فهو، على معارضته لهذا الحكم، لم يطالبْ بإلغائه، بل «بتوقيفه» فقط، في انتظار «نقاش» إسلاميّ داخليّ عريض. لكنْ، من ناحية ثانية، إنّ رأيه في «الجهاد» تجديديّ إلى حدّ ما. إذ يراه موجَّهاً في الأساس إلى الأسباب التي أدّت إلى وقوع الظلم، معتبراً إيّاه وسيلةً لإحقاق العدل السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ. أما في ما يخصّ الحجاب، فهو يقول إنّ موقفه منه هو موقف القرآن: «لا نستطيع رفضه ولا منعَ خلْعِه». أما عن المسلمة التي تتزوّج غير مسلم، فرمضان يصرّ على أنه لا يمكن إنكارُ إيمانها، ولا طردُها من الجماعة، بل تبقى مسلمة. في بداية هذا العام (2010)، رفعتْ وزارةُ الخارجيّة الأميركيّة الحظْرَ الذي كانت إدارةُ بوش قد فرضتْه على دخول رمضان إلى الولايات المتحدة منذ عام 2004 بعد دعوة جامعة «نوتردام» للتدريس فيها. وقد وجدتْ مجلة «ويكلي ستاندرد» الأميركيّة في هذا الرفع «انتصاراً لجماعة الإخوان المسلمين» (مع أنّ رمضان ليس عضواً فيها)!
ستكون فرصةً جميلةً للجمهور في لبنان أن يلتقي هذا المثقف الإشكاليّ، «بطلَ الضواحي الأوروبيّة»، المصريّ العربيّ الفرنكوفونيّ الأنغلوفونيّ، «الإرهابيّ» الذي رُفع الحظرُ عنه أميركياً أخيراً، لسماع شيءٍ من تجربته الغنيّة، والاستمتاعِ بحديثه الآسر، وطرحِ الأسئلة المقلقة عليه.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»