جاد نصر الله

منطقة «مار مخايل» حيز عمراني يمتد على الطرف الشرقي لشارع «غورو» الذي يُعد الشريان الرئيسي في منطقة «الجميزة». تتميّز هذه المنطقة بنمط من البناء الكولونيالي يمتد إلى منطقة السراسقة جنوباً، كما نراه أيضاً في وسط بيروت كشارعي «فوش» و«المعرض» وفي شوارعها الفرعية كشارع «سبيرز» وفي «القنطاري» وغيرهما. هذه العمارة ذات الواجهات المقسمّة إلى ثلاثة أقسام عمودية، بُنيت في الفترة الممتدة من عام 1920 حتى عام 1943. عناصر عديدة لعبت دوراً وميزت الامتداد المديني في تلك المرحلة. وقد لعبت الخرسانة المسلّحة المستعملة حديثاً حينها في الهيكل الإنشائي، دوراً بارزاً في تحويل الوظائف العمرانية للمسكن. انتقلت الشرائح الاجتماعية البورجوازية من السكن في البيوت المستقلة ذات المستوى الواحد إلى اتباع نمط حديث نقل إليهم من الغرب في إشغال شقق فوق بعضها بعضاً. هذا الانتقال العمودي في نوعية السكن، شهد على قطع الصلة بين الحديقة والمبنى. وبرزت واجهات المباني المتراصة والمتعامدة على طول الشارع كالعنصر المعماري الأبرز في البناء. من خلال فتحاتها، نتأت الشرفات الطويلة


مبنى كهرباء لبنان الذي بناه بيار نعمة من معالم الحيّ

والقليلة العرض لتتوطد عبرها علاقة جديدة وحميمة بين ساكني المنازل والشارع. ورغم هذا المنعطف في نمط العمران، فإن الباحثين يسجلون لهذه المنازل أنها حافظت في مسطحاتها الأفقية على التقسيم الداخلي نفسه لنموذج البيت البيروتي التقليدي. لم تقتصر هذه المحافظة على المسطح. إذ امتدت إلى الواجهة أيضاً من خلال استبدال الأقواس الثلاثة بفتحات ثلاث على شكل قوس، محاولة قدر المستطاع الحفاظ على نمط القديم. كما استُعيض عن الشرفات الرخامية (التي يمكن أن نرى بعضها الآن في مار مخايل) بأخرى إسمنتية.
عمرانياً، تعاقبت على منطقة «مار مخايل» أجيال عدة. المبنى الشهير لشركة كهرباء لبنان بناه المعمار اللبناني بيار نعمة في ستينيات القرن الماضي. وكان من أوّل المباني ذات الهياكل الإنشائية الضخمة التي استعملت فيها تقنية البناء الحديثة في الخرسانة وأُدخلت إليه عناصر عمرانية حديثة. إذ غُلِّفت الواجهات الزجاجية بكواسر الشمس الخرسانية المسبقة الصنع.
وفي وقت أُهملت هذه المنطقة عمرانياً ولم تلفت نظر كثيرين، نرى اليوم مساحات أراضيها الفارغة على الخط الموازي للبحر، تثير شهية المستثمرين، لتبدأ معها مباني الجيل الجديد بالارتفاع حاجبةً البحر عن أهل المنطقة. «الأبراج» الشاهقة تنبت بسرعة هذه الأيام لتسحق بسهولة مباني بثلاث طبقات كانت تسمو بزهو في الشارع المقابل... وهي اليوم لا تتجاوز بطبقاتها الثلاث أو الأربع أقدام قريناتها من ناطحات السحاب.