الرباط | شكّل لجوء فرقة «أكواريوم» إلى تسمية عرضها الجديد باسم عضو المرأة بالعامية المغربية، حصاة حرّكت المشهد المسرحي الراكد في المملكة. «ديالي» (ملكي) الذي أخرجته نعيمة زيطان، لا يتعدى ثلاثين دقيقة، لكنّه أثار نقاشاً بوصفه أوّل عرض يحمل اسم عضو المرأة في المغرب ــ وربما العالم العربي ــ ما عرّض مخرجته للانتقادات. هجوم ردّت عليه زيطان بكلمة واحدة: «ما ندمتش على تسمية ديالي».


العرض الذي قدمته «أكواريوم» التي تديرها زيطان يعدّ جزءاً من مشروع مسرحي ارتأى منذ انطلاقته عام 1994 أن ينتصر لقيم الحداثة والمساواة بين الجنسين، وخلخلة كل المحرّمات في المجتمع المغربي. استوحته زيطان من «مونولوج المهبل» (1996) للأميركية إيف إينسلر، الذي ترجم إلى أكثر من ستين لغة، ويعتبر من النصوص «النسوية» الرائدة. وقد استعادته العديد من الفرق عبر العالم، وشاهدنا قبل سنوات عملاً بيروتياً مستوحى منه بعنوان «حكي نسوان» (2006) للمخرجة المسرحية لينا خوري.
حاولت الفرقة المغربية، تبنّي نهج عمل «مونولوج المهبل». تتبعت قصص نساء مغربيات، وعلاقتهن بعضوهن الحميم. تؤكد زيطان أنّها لجأت إلى 250 امرأة طرحت عليهن الأسئلة التالية: «ماذا تسمّين عضوك التناسلي؟ ما هو شكله؟ هل تأملته؟ ما هي رائحته؟ ما هي معاناته؟». أجابت النساء عن أسئلة الفرقة إما عبر استمارات مجهولة الاسم أو لقاءات فردية. فُرِّغت الشهادات وصيغت بطريقة تشكّل نصاً مسرحياً يؤدى على الخشبة. الأداء جاء ليمنح زخماً لهذا النصّ القوّي الذي تقول إحدى بطلات العمل «عضوي منبع حياة، ليس ثقباً أسود وليس وسِخاً. أحمله معي أينما ذهبت، حتى إلى المسجد». لم تكن الشهادات إلا لنساء حيّ العكاري الشعبي في الرباط، مقرّ «أكواريوم»، حيث قُدم العرض الثاني للمسرحية بعدما افتُتحت في «المعهد الثقافي الفرنسي».
العرض الثاني لم يمرّ بسلام. انبرى كثيرون للتهجّم على زيطان، أوّلهم رائد «المسرح الاحتفالي» عبد الكريم برشيد، الذي وصف العمل بأنّه «لا يرقى الى الحسّ المسرحي بأبعاده الفنية والأخلاقية ذات الرسالة السامية». فعل ذلك من دون أن يرى المسرحية وفق ما تؤكّد زيطان. أما عبد القادر البدوي ــ أحد قدماء المسرحيين المغاربة ــ فوصل إلى حد وصف المخرجة بـ «المعقّدة نفسياً». بينما انبرت جرائد محافظة تنتقدها، حتى إنّ صحيفة «العلم» الناطقة باسم «حزب الاستقلال» المشارك في الائتلاف الحكومي تهجّمت عليها و«خصّتها» بافتتاحيتها.
هجوم واجهته زيطان بشراسة، مؤكدة أنّ عرضها نابع أولاً وأخيراً من تصوّر مسرحي وسياسي تشتغل عليه الفرقة منذ بداياتها قبل أكثر من عقدين، ويندرج ضمن الدفاع عن المرأة والمهمّشين. معركة زيطان ليست الأولى. في بدايات الألفية الثالثة، وفي عز الصراع بين الإسلاميين والحداثيين حول تعديل مدونة الأسرة، أنجزت الفرقة عرضاً جاب أكثر من خمسين مدينة وتمحور حول شهادات نساء معنفات.
المرأة تقع في صلب مسرح زيطان الذي تريده «أكواريوم» تسبح فيه أجساد، وقصص من الواقع، وخصوصاً واقع المرأة المغربية. وربما هذا ما دفعها إلى إنجاز أحد العروض الجميلة مع لطيفة أحرار ودنيا بوطازوت بعنوان «أحمر + بنفسجي» الذي نقل قصة امرأتين، وقدّم في دول عربية وأوروبية عدة.
بطلة «ديالي» نورية بنبراهيم أكّدت أنّ استعمال اسم العضو التناسلي ليس مجانياً، بل جاء «للتعبير عما تعانيه النساء». رهان نجحت فيه الفرقة التي أضاءت على العنف الذي تتعرض له المرأة في مجتمع محافظ يرفض حريتها في العلن وينتهك جسدها في السر.




نبض الشارع

إلى جانب نقلها للواقع وقضايا المرأة، تنطلق فرقة «أكواريوم» من فكرة قربها من الشارع كما تفيد نعيمة زيطان. هذا ما تلجأ إليه فرقة ثانية تطرح دوماً أسئلة المجتمع الشائكة. إنّها «دابا تياتر» التي يديرها جواد السوناني، وتنظم شهرياً لقاءات مسرحيّة تسمى «أخبار في المسرح». تهدف هذه الأخيرة إلى انتقاد الحدث السياسي والاجتماعي الراهن من دون تابوهات وضمن قالب إبداعي مسرحي. من جانبها، تعمل «أكواريوم» في الأحياء الشعبية، والفضاءات المفتوحة، وتقدم عروضها في مختلف المدن المغربية، حتى الهامشية منها، في القرى والأسواق وحتى السجون.