«ليتني أحكم سوريا يوماً واحداً ثم أُقتل بعده»، أمنية ردّدها حسني الزعيم (1897ــ 1949) في شبابه. لقد تحققت نبوءة هذا الضابط المتهوّر، وحكم سوريا 137 يوماً، لينتهي بالإعدام على يد انقلابي آخر هو العقيد سامي الحناوي. وبذلك، دخلت البلاد منذ ذلك التاريخ نفقاً مظلماً أطاح التجربة الديموقراطية السورية في المهد. افتتح حسني الزعيم باب الانقلابات العسكرية في سوريا صبيحة 30 أيار (مايو) 1949، الانقلاب الذي وصفه خالد العظم في مذكراته بأنّه «حركة طائشة قام بها رجل أحمق». لكن الزعيم ظل حتى اليوم لغزاً محيّراً، فهل كان يسعى حقاً إلى تحقيق سوريا علمانية، على غرار ملهمه التركي مصطفى كمال أتاتورك، أم أنه مجرد مغامر قادته عجرفته إلى حتفه سريعاً؟ في كتابه «الانقلاب العسكري الأول في سوريا» (مي للنشر ــ دمشق)، يقلّب مازن يوسف صبّاغ، أوراق تلك الفترة العاصفة عبر ما كتبه مؤرخو الانقلاب، وتوثيق البلاغات والمراسيم والقوانين التي صدرت في ذلك العهد


، موضحاً أنّ الصورة السوداء الشائعة عن هذا الرجل ليست مطابقة للواقع تماماً؛ إذ شهدت الفترة القصيرة لحكمه قرارات مهمة أبرزها «القانون المدني» في التشريع، ما أغضب «الذين اتخذوا الفقه الإسلامي، وشرح مجلة الأحكام العدلية وسيلة للاتجار»، وفق ما يقول القانوني أسعد الكوراني في مذكراته.
في المقابل، تتضارب الآراء حول شخصية حسني الزعيم ودوافعه للانقلاب، ولو اتفقت على جنون العظمة الذي أصابه بمجرد تسلمه السلطة، مانحاً نفسه رتبة «المشير»، وواضعاً نصب عينيه صور نابليون وأتاتورك وهتلر في إطارٍ واحد، وستكتمل الصورة بعصا الماريشالية. يستند هذا الكتاب الوثائقي إلى مذكرات شخصيات عايشت هذه الفترة من موقع القرار، مثل خالد العظم، وأكرم الحوراني، وأحمد عبد الكريم، ومعروف الدواليبي، ونصوح بابيل، ومصطفى رام حمداني. درس حسني الزعيم في المدرسة الحربية بالأستانة، وقبل أن يتم دراسته، انضمّ إلى الجيش العثماني، فاعتقله البريطانيون في الحرب العالمية الأولى. ثم تطوع في الجيش الفيصلي الذي دخل دمشق وحارب العثمانيين. وفي عهد الانتداب الفرنسي تطوّع في الجيش الفرنسي. بعد وصول قوات فيشي إلى سوريا، انقلب على الديغوليين، وحارب ضدهم. وفي 1941، اعتقله الديغوليون، وأُرسل إلى سجن الرمل في بيروت حتى 17 آب (أغسطس) 1943، حيث أُفرج عنه، وسُرح من الجيش وهو برتبة كولونيل (عقيد).
منذ 1945، ظل يتردد على السياسيين والنواب لإعادته إلى الجيش، فتعرّف إلى رئيس تحرير صحيفة «ألف باء» نذير فنصة الذي توسّط له وأعاده إلى الجيش، فعُيّنَ رئيساً للمحكمة العسكرية في دير الزور، ثم انتقل إلى دمشق مديراً لقوى الأمن. وفي أيلول (سبتمبر) 1948، أصدر رئيس الجمهورية شكري القوتلي مرسوماً بتعيين حسني الزعيم قائداً للجيش بعد ترفيعه إلى رتبة «زعيم».
سيحمل هذا الضابط المقامر والمخمور والمزاجي، لقب «صاحب أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا المعاصر» إثر اعتقاله رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس وزرائه خالد العظم وبعض رجاله، ألّف وزارة، ودعا إلى انتخابه رئيساً للجمهورية، فانتخبه الناس خوفاً في 26 حزيران (يونيو) 1949. لكن من كان وراء هذا الانقلاب؟ يقول جوناثان أوين في كتابه «أكرم الحوراني»: «لقد تأكد حديثاً بعد السماح بنشر بعض الوثائق السريّة، وبعد ما يقرب من 40 عاماً من انقلاب حسني الزعيم تورّط الولايات المتحدة في أول انقلاب عسكري في العالم العربي، وكان قد أُشيع لسنوات أنها ساندت انقلاب حسني الزعيم (...) شرعت المفوضية الأميركية بالقيام بعملية هدفها تشجيع الجيش السوري على القيام بانقلاب، من أجل الحفاظ على سوريا من الاختراق السوفياتي، وجلبها إلى طاولة السلام مع إسرائيل».
دفع حسني الزعيم ثمناً للدول الكبرى لاعترافها به، اتفاقياتٍ تخوّلها إقامة مصالح لها في سوريا كالسماح لشركة «التابلاين» الأميركية أن تنشئ المطارات وتقيم المنشآت المعفاة من الرسوم والضرائب. كذلك صدّق حسني الزعيم على الاتفاقية بين الحكومة السورية و«شركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط المحدودة» البريطانية لنقل النفط العراقي عبر أنابيب مارة في سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي 7 تموز (يوليو) 1949 سلّم الحكومة اللبنانية زعيم «الحزب السوري القومي الاجتماعي» أنطون سعادة الذي التجأ إليه وكان محكوماً بالإعدام، ليجري إعدامه في اليوم التالي، ما أثار سخط السياسيين والمواطنين عليه. فقد الزعيم شعبيته في غضون ثلاثة أشهر، وأثار عداء المواطنين. سياسته الموالية للغرب أثارت عليه الفئة المحايدة، وتصرفاته الرعناء جلبت عليه سخط الزعماء الدينيين، وقوّضت أساليبه الأوتوقراطية آمال الليبراليين. هكذا أطاحه خصومه العسكريون ليلة 13 آب (أغسطس) 1949، إذ اجتمع المجلس الحربي الأعلى برئاسة الزعيم سامي الحناوي، وأجرى محاكمة سريعة لرؤوس العهد، وأصدر حكمه بإعدام حسني الزعيم، ورئيس حكومته محسن البرازي، وبعد يوم من صدور الحكم، نُفذ بهما الإعدام رمياً بالرصاص، لتبدأ حقبة جديدة من الانقلابات العسكرية المتتالية.