أشهر مقولات جابر عصفور أنّ العصر «عصر الرواية». ولعلّ أروع رواية عربيّة، تكتب أمام أعيننا الآن على الهواء، هي رواية الثورة المصرية. الرواية التي لم يقرأها عصفور ولم ينحز إليها للأسف. ها هو يقبل بمنصب وزير الثقافة في نظام مبارك. حركة السرد الحيّة اليوم، تفوق الخيال وكل ما أنجزته الرواية المصرية. لكن الخيبة الكبرى هي أن يختار المثقف المرموق معسكر القبح والشر والباطل!كيف يقبل عصفور بهذا المنصب، وهو المثقف الموصوف بحسّه النقدي العالي، والمائل في اختصاصه لنقد الرواية؟ هل أضاع الموقف الأخلاقي؟


أن يترك عصفور شجرة مصر التي يرويها الشعب بدمه، فهذا هو الانتحار الذي لا يمضي من دون أن يلحق الإهانة بالمثقفين والأدباء. كل موضوعات الكتابة التي شغلت الكائن الإنساني تضطلع في جوهرها بسؤال الحرية والكرامة ومقاومة العبودية والعار والاستبداد. لكن يبدو أنّ شهوة السلطة أعمت عصفور عن قراءة اللحظة المصرية المشرّفة، هو الموصوف بقارئ الرواية الحصيف! فشكراً للثورة التي جاءت لتزيل نظاماً استبدادياً، وتكشف الوجوه التي دجّنت الثقافة والفكر لخدمة سلطة ظالمة!
في زحمة الدم يا جابر عصفور؟ ألهذه الدرجة أنت متعطش للسلطة، كتعطّش نظام الدكتاتور للدم. الدكتاتور الذي تشدّق في خطابه بعد ثورة الشباب وقال «إن هناك خيطاً رفيعاً بين الحرية والفوضى»، حتى كشفت لنا الأحداث أن من يرعى الفوضى ويروّع الشعب ويتعدّى على الممتلكات هم شرطة النظام السرية. وقد يطلع علينا جابر عصفور أيضاً بمقالة يقول فيها: «إن هناك خيطاً رفيعاً بين حب الوطن وحب السلطة، وأنتم يا أصدقائي فهمتموني غلط»!
على قاعدة أن الشيء بالشيء يذكر، لا يسعني إلا أن أشير إلى الفرق بين فعل «أعي» في خطاب مبارك بعد ثورة الشعب المصري، وهذه الجملة الفعلية التامة «فهمتكم» في خطاب زين العابدين بن علي المخلوع: الوعي مسألة داخلية في كل إنسان. ووعي مبارك الداخلي هو قصور ذاتي، ووعي غير مشارك وغير مستجيب، سلبي في تفاعله مع الخارج والآخر الذي يرفضه. وعي دكتاتور يستصعب انتقال وعيه إلى فعل إجرائي مرن وحاسم كالتنازل والتنحي. أما الفهم فاعتمد على رسالة أو خطاب شعبي، يستقبله داخل الانسان ويتفاعل معه. وهذا هو الفارق بين مبارك وبن علي. حالة فهم بن علي استجابت استجابة ذليلة تمثلت في الفرار! لكن حالة وعي مبارك هي سلبية بامتياز. وهذا هو الفارق بين وعي دكتاتور وفهم دكتاتور آخر يا د. جابر عصفور!
* شاعر من غزة مقيم في أوسلو