حلمت بأنّ لي كشكَ فلافل في ميدان التحرير، أطعم الأحرار بلا مقابل. وحلمتُ بأنّني بائعُ شاي جوّال، وبيتي قريبٌ من ميدان التحرير. أمشي في حشود الشباب وأقول: «كلنا فدا مصر يا أخونا». وكنت أصبّ الشاي في كاسات بلاستيكية للساهرين. وأعتذر لهم لنقص السكّر ونفاد النعنع من بيتي. وإذا نفدَ ما في الإبريق، أقدّم اعتذاري لآخر شابّ ملفوف الرأس هممتُ لأصبّ له؛ أعتذر له عن لا وعيي بفراغ الإبريق. وحلمت بأنني أجري، إلى بيت زميلي في المهنة، أملأ من عنده الإبريق بشاي جديد. سكّر زيادة.

صوت ناداني وأنا أصبّ الشاي الجديد للأحرار: «يا نصر الغزاوي»! عدلت انحنائي والتفتُّ صوب مصدر النداء، فكان ربّ السيف والقلم ورائد مدرسة الإحياء والبعث الشاعر محمود سامي البارودي يقول: «يودّ الفتى أن يجمعَ الأرضَ كلّها إليه ولمّا يدر ما الله صانعُ»! وكانت أم هاشم تبكي فرحاً بإرادة الشباب على إحدى الفضائيات على شاشة كبيرة في الميدان، فتذكرتُ جُملةً في رواية «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي: «أنت يا مصر راحة ممدودة إلى البحر لا تفخر إلا بانبساطها. ليس أمامك حواجز من شعاب خائنة، ولا على شاطئك جبال تصد»!
وكان المصريون يهتفون: «ارحل... ارحل... ارحل» متحرّرين من إرث العبودية الثقيل القديم. عندها لم أكن أحلم، بل أسمع في حناجرهم أجدادَهم القدامى الذين عاشوا، مثلهم، الاضطهاد. ها هم من أعماق أعماقهم يهتفون ضد الظلم، ها هم يردون الاعتبار، لا إلى أنفسهم وحسب، لكن إلى الشعوب قاطبة! إنهم مشهدٌ مهيب! إنه الشعب صار القصيدة والرواية الخالدة الآن!
(أوسلو/ فلسطين)