وهذا واحد من المناظر التي سيبقى طعمها وألقها يلبط خالداً راسخاً فوق شاشة الذاكرة. أقصد منظر تلك الغزوة المباغتة التي قامت بها لمّة من الجمال والحمير والبغال والأحصنة السياحية الملونة لميدان التحرير في قلب القاهرة المحروسة الآن بدم وأدعية ملايين من بني آدم وبناته. الغزوة كانت خائبة، والمرابطون الكامنون في بطن الميدان، استقبلوها كما لو أن عشرة من صاعدي النخيل قد صاحوا بهم: الحذر الحذر أيها القوم، فلقد دخل المدينة شرّ عظيم. قعدوا لهم «ركبة ونص» فعقروا ناقة، وطعنوا فرساً، وأسروا بغلاً، وغنموا سيفاً، وجزّوا ناصية حتى حق فيهم قول الناس أجمعين: إنّ المصريين والله، أصحاب نكتة وملحة وطرفة وضحكة حتى لو حبستهم في جوف جهنم تستعر، وملهاة دموعها تنهمر.

منذ أيام، وأنا حارن قاعد لائب في داري، لا أبرحها ولا تحيد عيناي عن شاشة الهتاف والثورة المباركة. إن تزحزحت وتنحنحت، فربما لمشاهدة أشرطة مجاورة متماهية متعشقة بالمشهد الأول: فيلم «في بيتنا رجل»، أو فيلم «جمال عبد الناصر»، أو «الأرض»، أو «الرصاصة ما زالت في جيبي». أما في باب الغناء الذي تستجلبه مائدتي الصاحية بكأس عرق سمينة، فأم كلثوم و«أصبح عندي الآن بندقية»، وعبد الوهاب و«وطني حبيبي الوطن الأكبر»، وعبد الحليم و«فدائي، أموت أعيش، ميهمّنيش»، وسيد درويش و«بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي» وطقطوقات مذهلة وأشعار أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وعبد الرحمن الأبنودي وشادية ومحمد رشدي وهدى سلطان وفايدة كامل حتى عتبات هاني شاكر وصولاً إلى أخير السهر الناطر صباح ثورة عجيبة بديعة لا تستدعي كتيبة ضباط تزحف صوب قصر الرئاسة، وعشر دبابات تدير أعناقها نحو دار التلفزيون والراديو، وتنغيمة البيان رقم واحد الذي سيكتب باسم الشعب بعد الاتكال على الله.
حمى الرب مصر وثورتها وثوارها الأطهار من كل شر، وخاصة شر الفوضى الأميركية الخلاقة التي طيّحت حظ بلد ما بين القهرين وجعلته أسفل سافلين. حمى الله الرحيم الكريم القادر، أهل مصر الطيبة، من الفقيه وولايته وطمعه وجشعه وتخلفه وخرافاته وبدعه ووهمه وسرابه. حماها من الشائعة ومن الطبخة الفاسدة التي تطبخ بليل. حماها من الذين يقفون على مسافة واحدة من العهر ومن الطهر. حماها من قوم يتباوسون نهاراً ويتداسّون ليلاً. حماها من شاعر ديّوث باع شعره البارحة للدكتاتور، ويبيع اليوم شعره للثائرين. حمى مصر ورغيفها وفولها وجمالها وحرفها المشع، من شر كتّاب أدباء كذابين، إذا الريح مالت، مالوا حيث تميل.
سترها من قحبة متقاعدة هجرت علبة ليل حمراء، واشتغلت بدكان سياسة. حماك من منزلة العشرة المبشرة بالأفسد على سطح الأرض. سترك وغطاك من واحد يشهر بوسة ويضمر طعنة. حمى النيل وناسه، من أميركا الوغدة التي ليس لها من خلّ ولا عميل، حتى لو أشعل عشرته شموعاً تسيل. حماك وأهراماتك والمتحف والسينما والغناء والسلطنة والرقص والأوبرا والحانة والمسرح والشعر والرسم والنحت والكأس والمسجد والكنيسة والصومعة، من كل « قندهاري» يذبحك من دون بسملة. حماك من واحد صعد دكة المزاد وبدّل بوصلة القصيدة، بصرّة دنانير. وختمتها، الدعاء المستجاب وهو أضعف الأيمان وما تحت اليمين.
(عمّان/ العراق)