بمنحها جائزة «نوبل» لتوماس ترانسترومر (1931) أمس، كافأت الأكاديمية السويدية الشعر الصافي المتحصِّل من الصمت والتأمل والنبرة الخافتة. مطاردة المعنى تجري تحت سطح قصائده التي تبدو رائقة في الأعلى، ومحتدمة في الأحشاء. لا يغيب العالم عن دواوين هذا الشاعر، لكنه محكوم بالتخلي عن ضوضاء صراعاته وأيديولوجياته المباشرة. العالم حاضر لكنه مكتوم وخافت وغير مرئي أحياناً.


إنه مدسوس في الكلمات والاستعارات التي يبرع الشاعر السويدي في ابتكارها من دون أن يخلِّف وراءه الجهد المعجمي والتخييلي الذي بُذل فيها. كأن الشاعر استعمل كل المواد التي احتاج إليها لإنهاء القصيدة. ما يجعل ذلك فاتناً ومدهشاً أكثر، أن هذا الشعر مقدَّم لنا من دون تباهٍ أو تفنّن أو إبهار. يُفاجئنا ترانسترومر، لكنه لا يبالغ في إشعارنا بذلك. كأن المفاجأة نفسها ذائبة في المشهد أو الفكرة التي تؤلفها القصيدة لدى قراءتنا لها. يُضاف إلى هذا أن الشاعر لا يغلق دائرة المعنى علينا. القصيدة وعدٌ مؤجل بمعنى قد يكتمل أو يظل في حالة استئناف وتردد. كأن مهمة الشاعر جعل تجاور الكلمات في السطر الواحد، مشعاً وقادراً على تأخير القارئ عن الانتقال إلى السطر الذي يليه. كأن أحداً ما يمرِّر أمامنا شريط الحياة بسرعة أقل من سرعتها العادية. كأن القصيدة ليست تأملاً بل تأمل في التأمل. هكذا، نجد أنفسنا أمام طبعة شعرية منقحة للعالم والطبيعة والحياة اليومية. ليس ضرورياً أن نربط الصمت والتأمل أوتوماتيكياً مع الطبيعة الاسكندنافية، لكن الطبيعة تتحدث بطريق مختلفة في قصائد الشاعر. قد تكون طبيعة خالية أو محاذية للمدن أو جزءاً مما يحدث لبشر هذه المدن، لكن المفاجأة تنتظرنا دائماً في استعارة غير منتظرة، كما هي الحال في هذا المقطع: «خارجاً في الحقل البور/ ليس بعيداً عن العمارات/ ثمة صحيفة منسية منذ أشهر/ محشوّة بالأحداث/ تشيخ عبر الليالي والأيام/ تحت المطر والشمس/ في طريقها لتصبح غرسةً، رأسَ ملفوفة/ في طريقها للاتحاد بالأرض/ مثل ذكرى تصبح شخصكَ رويداً رويداً».
الكتابة لدى ترانسترومر هي إنجاز القلة والنوعية. جزء من فكرة التأمل موجود في كثافة هذا الشعر الذي يقترب زهد صاحبه بالكلمات من زهد النُّساك. بين عامي 1954 و1996، نشر ترانسترومر 11 مجموعة شعرية، لكن هذا الرقم يصبح بلا معنى إذا عرفنا أن عدد صفحات هذه المجموعات كلها لا يتجاوز 300 صفحة في الأصل، وأنها ضمت 168 قصيدة فقط. أضف إلى ذلك أن الصمت الذي رافق كلمات الشاعر استُكمل بصمت حقيقي بسبب جلطة شلَّته نصفياً وأفقدته صوته. القلة تصنع صلة بين شعره وشعر رينيه شار، لكنه أقل حكمة وتفلسفاً. إنه أقرب إلى سكينة شعر الهايكو المنجز باستعارة واحدة. على منوال أقرانه اليابانيين، كتب ترانسترومر عدداً من قصائد الهايكو، لكن مذاقات الهايكو الأهم نتلقاها ممزوجة بعوالم أخرى في أعماله. لنقرأ: «يحدث في منتصف العمر أن يأتي الموت/ ليأخذ مقاساتنا/ تُنسى الزيارة وتستمر الحياة/ لكن بصمت/ تُخاط البزَّة».
منذ باكورته، كتب بلغة متحررة من محدودية الواقع والزمن. قصائده التالية كانت تمريناً متواصلاً على التخفف من القشور واصطياد المعاني غير المرئية لحضور البشر والطبيعة. «أكتب دائماً على الحد الفاصل بين العالم الداخلي والخارجي»، هكذا وصف ترانسترومر نبرته القابضة على المعنى من دون أن تخنقه. «أستاذ الصورة في الشعر السويدي» و«ثالث سويدي يؤثر في الأدب العالمي بعد سترندبرغ وسويدنبرغ» كما يصفه معاصروه، بحث عن ذاته خارجها أيضاً. هكذا، نقرأ قصائد عن غوغول وشوبرت وتورنر وفيرمير، وقصائد عن أصدقاء ليتوانيين يفتقدون الحرية في الحقبة السوفياتية، وقصائد تحضر فيها بلدان أفريقية مثل مصر والسودان وزائير... في قصيدة «رجل من بنين»، كتب: «جئتُ لألتقي ذاك الذي يرفع فانوسه/ ليرى نفسه فيّ». رغم ذلك، اتُهم ترانسترومر في الستينيات والسبعينيات بالابتعاد عن السياسة على خلفية حرب فيتنام، لكنه برر ذلك بأن السياسة حضرت بطرق مواربة في أشعاره. الواقع أن الشاعر الذي تبدأ قصيدته بالطبيعة وتنتهي بها، وقضى طفولة متوحدة بين الحشرات والنباتات، كتب ما يليق بتأملاته التي يصعب إقحام القضايا المباشرة فيها. حتى الخلفية الدينية غائبة في شعره الذي يزدري المادة الزائلة ويفتش عما هو ثمين وجوهري. في قصيدة «طيور الصباح» يختزل هذه العلاقة: «تكبر قصيدتي/ فيما أتقلص/ إنها تكبر وتأخذ مكاني/ تنقلب علي/ تطردني خارج العش».
نال ترانسترومر معظم الجوائز الشعرية الكبرى في العالم، وها هو ينال أرفعها أخيراً: تلك التي ينتظرها أقرانه من السويد، لتعيد الشعر إلى الواجهة بعد 15 سنة من سطوة الروائيين والمسرحيين.




نوبل 2011 عربيّاً

لعلّها من المرات النادرة التي تُعفينا فيها الأكاديمية السويدية من التباهي بجهلنا بأحوال الشعر في العالم. هكذا منحت الجائزة لشاعر من مواطنيها بعد 37 عاماً من الانتظار. والفائز السعيد يعرفه العرب تماماً، فقد نقلت أعماله الكاملة إلى المكتبة العربية في نسختين مختلفتين: الأولى صدرت عام 2003 عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» بترجمة العراقي علي ناصر كنانة، والثانية عام 2005 عن «دار بدايات» بترجمة الزميل قاسم حمادي التي راجعها وقدّم لها أدونيس. تلقّف قرّاء الضاد صاحب الصوت النادر، واحتفت به الصحافة، وحاوره شعراء مثل عبّاس بيضون. وتوّج حضوره العربي باحتفالية أقيمت في دمشق وبيروت (2005)، وشارك فيها ترانسترومر وأدونيس وحمادي. القراءات بالسويديّة تولّتها يومذاك زوجة الشاعر المصاب بشلل نصفي أفقده صوته منذ 1990. الضاد هي واحدة من 50 لغة استٌقبل بها شعر ترانسترومر بحفاوة تقارب تلك التي يحظى بها في بلاده.