أخطأت فعلاً المشتركات الثلاث في برنامج «مذيع العرب» الذي يعرض على شاشتي «أبو ظبي» و«الحياة» المصرية. كوثر بودراجة ومروى كساب (المغرب) وإلى جانبهما من سوريا دانيا زرزر، طرحن يوم الجمعة الماضي موضوع العنف الأسري، وجلبن إلى الاستديو تجربة امرأة معنّفة لتدلي بشهادتها بكل جرأة بعدما نحجت في التخلص من الجحيم التي كانت تعيشها مع زوجها، واستطاعت الاحتفاظ بأولادها. أخطأن فعلاً، عندما أظهرن من خلفهن لافتة «كفى عنفاً»، وهو الشعار الذي راج أخيراً في لبنان ودعا المرأة المعنّفة إلى الخروج عن صمتها إزاء ما تتعرض له.


أخطأن لأنهن ببساطة استطعن من خلال هذا الشعار والموضوع المطروح إثارة غضب الإعلامي طوني خليفة، الذي انتفض من على كرسيه وقدّم مداخلة لا تحمل شيئاً مختلفاً عمّا انتهجه الإعلامي اللبناني في برامجه السابقة وبرنامجه الحالي 1544 على mtv، علماً بأنّه يجلس في لجنة تحكيم «مذيع العرب» إلى جانب الإعلامية اللبنانية منى أبو حمزة، والممثلة المصرية ليلى علوي.
أرسى خليفة من خلال هذا البرنامج عبارات تبرّر القتل والعنف وتحمي القاتل وتشجّع مجتمعاً بأكمله يعاني في الأصل داء الذكورية على ارتكاب الجرائم والعنف ضد النساء.
خليفة كان يغلي من الغضب وهو يلقي خطابه الشعبوي والرجعي على جمهور «هيّص» له وصفّق مطولّاً، وأعاد معزوفة استغلال الجمعيات النسوية للنساء المعنّفات واستقدام الأموال على حساب معاناتهن. لام المرأة المعنفة في الاستديو حول الكلام الذي تقوله عن تجربتها أمام الملايين، لأنّها بذلك «تؤذي أولادها وتهينهم»!.
انتفض خليفة أكثر عندما رفض نعت المجتمع الذي نعيش فيه بـ«الذكوري»، الذي لا همّ لديه سوى تعنيف المرأة. ذروة الرجعية حين دعا الإعلامي الغاضب كل النساء المعنّفات إلى البقاء في بيوتهن خوفاً من الفضيحة وحماية للأولاد! هي براءة ذمّة إذاً أعطاها خليفة لجميع معنفي النساء في لبنان والعالم العربي، ليس عبر منبره هذه المرّة، بل من منبر عربي يطاول شرائح أوسع من المشاهدين. تكمن خطورة هذا الخطاب في استغلال خليفة لموقعه لتمرير هذه الرسائل السامة.
قد تكون مشكلة الرجل مع بعض الجمعيات النسائية شخصية، أو قد يكون اكتشف للتو أنّ هناك فعلاً عملية استثمار لمعاناة النسوة لدى بعض هذه الجمعيات (وهذا أمر بديهي موجود في كل المجالات)، لكن لا يحق له الاستناد إلى هذا التفصيل في تكريس خطاب يغطي على العنف الأسري ويستجلب المزيد من الدم والضحايا، كما حصل في الإعلام مع المغدورة سارة الأمين (الأخبار27/5/2015).
صاحب البرامج الفضائحية، لا يمكنه أن يقنعنا بأنّ كلّ شيء بخير في بلادنا، ولا سيّما وضع المرأة، وبأنّ تزايد عدد الجمعيات يزيد من عدد الجرائم! في المحصّلة، لا يمكن لشخص مثل خليفة إلا التمثّل بمجتمعه الذي يرى أنّ على المرأة الصمت والبقاء في منزلها، لكن بالنتيجة، تصدّت لجنة التحكيم لكلام خليفة، ومعها ضيف الحلقة ما قبل الأخيرة الإعلامي المصري يوسف الحسيني. ويا حبّذا لو حذا مقدّم برنامج 1544 حذو زميله المصري عندما وقف وقال لجميع النساء: «إحنا آسفين».