مذكّرة أممية داخلية: بقعة الجريمة في الساحل السوري تتمدّد

اللاذقية | نبّهت إحدى الجهات التابعة للأمم المتحدة إلى ارتفاع مستوى الحوادث المرتبطة بالجريمة في المنطقة الساحلية من البلاد. ووفقاً لـ«نصيحة أمنية» صادرة، في شهر آذار/ مارس الماضي، عن «مركز عمليات الأمن» التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة للسلامة والأمن»، وموزَّعة على بعض فرق العمل الأممية، سجّلت محافظة طرطوس، خلال الفترة الممتدّة بين شهرَي كانون الثاني وآذار الماضيَين، زيادة في عدد تلك الحوادث وصلت نسبتها إلى نحو 50%، في حين بلغت النسبة نفسها في محافظة اللاذقية خلال الفترة المُشار إليها أيضاً حوالى 128%. وتُظهِر البيانات الواردة في الرسم البياني المُرفق مع المذكّرة أن عدد الحوادث ارتفع في اللاذقية من نحو 14 حادثة في كانون الثاني إلى 23 في شباط، ثمّ إلى 32 في آذار؛ فيما بلغ هذا العدد في طرطوس، في الأشهر الثلاثة المذكورة، نحو 14، 17، 21 على التوالي.
جغرافياً، تشير الخريطة الحرارية لكلتا المحافظتَين إلى أن المناطق التي شهدت وقائع مرتبطة بالجريمة ليست قليلة؛ وهي وإن كانت متفرّقة في محافظة طرطوس، حيث تمّ إحصاء نحو 11 منطقة، فإنها في اللاذقية تبدو متّصلة جغرافياً، الأمر الذي يعني أن الحوادث الجرمية لا تتمركز في بؤر جغرافية معيّنة، وإنما باتت تتحرّك ضمن مساحة جغرافية أوسع. وبناءً على تحليل أنماط تلك الحوادث، تكشف المذكّرة أن 41% من الجرائم المُسجَّلة في المنطقة الساحلية خلال شهر آذار الماضي، كانت عبارة عن سرقات منازل ومركبات، فيما 23% مرتبطة بعمليات خطف أو قتل أو تخريب ممتلكات، و23% بحوادث سطو مسلّح على الطرق العامة أو في المناطق الريفية، و13% عبارة عمّا سمّته المنظمة الأممية نزاعات مسلّحة تخلّلها إطلاق نار عشوائي.
وعن الأسباب والدوافع الكامنة خلف هذه الحوادث، لا تستبعد المذكّرة الأمنية وجود دوافع طائفية خلف بعضها، خصوصاً منها المرتبطة بتخريب الأراضي الزراعية أو الأضرحة الدينية. إلاّ أن تأثير عوامل الفقر وتدهور الأوضاع الاقتصادية وما تسمّيه المذكّرة «تحدّيات إنفاذ القانون»، يبدو محسوماً في توسّع رقعة الظاهرة. أمّا السِّمة الغالبة على الوقائع الجرمية في المنطقة الساحلية، فهي «الجرأة» تبعاً لتوصيف الأمم المتحدة؛ إذ إن الجناة نفّذوا جرائمهم في المراكز الحضرية وفي وضح النهار أيضاً، وهو ما يسلّط الضوء على «ظاهرة انتشار الأسلحة النارية غير المشروعة بين المدنيين». ولم تَفُتِ المنظّمةَ الأممية الإشادةُ بجهود الحكومة السورية الانتقالية؛ إذ أشارت إلى أن الأخيرة تبذل «جهوداً كبيرة للمحافظة على الأمن والقبض على المجرمين ونشر قوات إضافية ليلاً في المناطق التي تشهد تزايداً ملحوظاً في عدد الحوادث أو الجرائم، وعلى طول الطرق العامة». ومع ذلك، نصح «مكتب الأمم المتحدة للسلامة والأمن» جميع موظفيه في المنطقة الساحلية، بالالتزام بنحو 10 تدابير أمنية أهمّها: المحافظة على تدابير الأمن الشخصية والمنزلية والمركبات المناسبة، تجنّب المناطق المعروفة بنشاطها الإجرامي، تجنّب ترك الأشياء الثمينة الشخصية أو ممتلكات الأمم المتحدة ظاهرةً داخل المركبات أو من دون مراقبة، والتقليل من التحرّكات غير الضرورية خاصة في الأماكن المعزولة أو ذات الإضاءة الخفيفة.
وتشهد المنطقتان الساحلية والوسطى، منذ سقوط النظام السابق، سلسلة عمليات قتل وسرقة وخطف، كان أعنفها الأحداث الدموية التي تعرّضت لها مناطق عدّة من الساحل بداية شهر آذار من عام 2025. وعلى الرغم من نفي السلطات الانتقالية أن تكون تلك العمليات مُنظّمة، ووصفها إيّاها تارة بالحالات أو الأخطاء الفردية وتارة أخرى بالجرائم الجنائية، إلا أن استمرارية بعضها وطريقة تنفيذها (تتمّ على أيدي مسلّحين ملثّمين)، تؤكدان وجود دوافع طائفية وراءها، إلى جانب عوامل أخرى كالسرقة. وإذ مثّلت حوادث القتل والخطف محوراً لتحقيقات أممية وصحافية عالمية، فلا تتوفّر إلى الآن بيانات رسمية سورية عن عدد الجرائم المُسجَّلة في البلاد خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام، والتوزّع الجغرافي لهذه الجرائم، ودوافعها، ووصفها الجرمي، ومرتكبيها، والإجراءات المُتَّخذة حيالها.

