عكس اقتصاد جبل-لبنان، بعد 1841، النموذج الذي ساد على مستوى السلطنة. جرى التوسّع في تحقيق إنتاج زراعي معدّ للتصدير. تمّ ذلك بمساهمة مباشرة من الفرنسيين. جرى التوسّع في إنتاج شرانق الحرير، وتحويلها إلى خيوط كانت تُصدّر إلى معامل النسيج في ليون بفرنسا. قبل ذلك التاريخ، كان الجزء الأكبر من الإنتاج يصدّر إلى دمشق ومصر، وكان إنتاج الحبوب، في المناطق التي ستتحوّل إلى متصرفية، يغطي 40 % من حاجاتها (أكارلي، 1993: 18؛ سميلينسكايا، 1966). أما عام 1914، فكانت شرانق وخيوط الحرير هي الإنتاج الوحيد للمتصرفية، وكانت نسبة 99 % منها تصدّر إلى مصانع الحرير في فرنسا.


سوف تتضاعف الصادرات إحدى عشرة مرّة خلال العقدين اللذين سبقا مذابح 1860(غايتس، 1998: 13)، كما سيتضاعف الإنتاج أربع مرات خلال الخمسين سنة اللاحقة، حتى الحرب العالمية الأولى (أوين، 1987: 273). ذكر روجر أوين، نقلاً عن اسماعيل حقي، أن زراعة شجر التوت غطت 40 % من المساحات المزروعة للمتصرفية، وأن العاملين في قطاع الحرير مثّلوا 41 % من السكان (المصدر نفسه: 274). وذكر نقلاً عن الخبير ديكوسو أنه كان ثمّة، في العقد الأول من القرن العشرين، 200 مصنع لخيوط الحرير في جبل لبنان، تشغّل 14 ألف شخص، وتنتج 500 ألف كلغ من خيوط الحرير كل عام، كانت تشكّل آنذاك خمس إنتاج السلطنة بكاملها (المصدر نفسه: 271). كان إنتاج اليابان في الحقبة ذاتها يساوي 20 مرة إنتاج المتصرفية. لكن إنتاج هذه الأخيرة من خيوط الحرير، كان يساوي ضعف ما تنتجه فرنسا منها.
تمثّلت علاقة الدولة بالاقتصاد برهن الإنفاق العام بالموارد الضريبية الشحيحة، واعتبار توازن الموازنة أولوية، وباعتماد قاعدة «اليد المرفوعة»، بمعنى تنصّل الدولة من حمل أية مسؤوليات تنموية، وبحريّة التبادل، بمعنى الانفتاح الكامل على الاستيراد، وعدم بلورة أية سياسة حمائية لتشجيع الإنتاج المحلي.

الموازنة

حدّد «النظام الأساسي» للمتصرفية بصيغتي 1861 و1864 موازنة لها تبلغ 3.5 مليون قرش، لتمويل الإنفاق الجاري حصراً. تمّ إعفاء السلطنة، منذ البداية، من أية التزامات لجهة تمويل الأشغال العامّة في المتصرفيّة. تمّ من جهة أخرى، إعفاء أهل المتصرفية من تسديد ضريبة العُشر العثمانية على الحرير (المصدر نفسه: 277). وقد جرى قصر واجبات السلطنة على تمويل العجز المترتّب على النفقات الإدارية أو الجارية، في حال حصوله (أكارلي، 1993: 103).


كان لخفض سعر
صرف الليرة العثمانية
أثر كبير على القدرة الشرائية للعاملين
أسهمت خلال الحقبة اللاحقة الضريبة على الأملاك بنسبة 74 % من إيرادات الموازنة، وضريبة الأعناق بنسبة 25 % منها (المصدر نفسه: 107). ومثّل مردود «الأملاك السلطانية» عام 1912-1913، وهي الحيازات التي كانت مخصصة خلال الإمارة لتوفير متطلبات الاستهلاك المنزلي للأمراء، ما يوازي 13 % من إنفاق الموازنة.
وقد حصل حتى 1883، أن احتاجت إدارة المتصرفيّة إلى مبالغ إضافية لسد عجز الموازنة. أسهمت السلطنة بذلك أكثر من مرّة، مستخدمة في ذلك الإيرادات الجمركية لمرفأ بيروت. وابتداء من 1876 توقّف السلطنة عن إيفاء ديونها للغرب، وإنشاء «إدارة الدين العام» العثماني، تحت إشراف أجنبي، ووضعت هذه الإدارة يدها على العديد من مداخيل السلطنة لتأمين خدمة وسداد الدين العام، أعلنت هذه الأخيرة امتناعها بشكل نهائي عن توفير أية مساهمة لموازنة المتصرفية. وهي لم تقدّم أية إعانة مالية لها خلال الثلاثين سنة الباقية من عمرها (المصدر نفسه: 111).
وقد جعل نصّا 1861 و1864 إمكانية فرض ضرائب جديدة، ورفع الإيرادات الضريبية، مرهوناً بموافقة مجلس الإدارة. وجرى ابتداء من 1883 خلق نحو عشرين رسماً جديداً، بالتوافق بين المتصرّف وبين مجلس الإدارة، لا تخضع محاسبتها لإشراف إسطنبول، بالإضافة لمساهمات أخرى خصّصت لبناء طرق وجسور. وقد وُضع كل ذلك في بند «المهمولات». بلغت موازنة «المهمولات» 3 ملايين قرش عام 1914، أي أقل بقليل من الموازنة الرسمية للمتصرفية (المصدر نفسه: 113).
أسهمت بإيرادات هذه الموازنة الرسوم على الماشية، وكانت أقل من المعدّل في الإمبراطورية، وعلى الملح، وعلى التبغ والتنباك، التي كانت احتكارات حكومية تديرها شركات أجنبية خاصة، لمصلحة «إدارة الدين العام»، والضريبة على أمكنة العمل، وتشمل المصانع والمحال التجارية والمطاعم وغير ذلك، والتي كانت بنسبة 2 % من الأرباح، والرسوم على المركبات، ورسوم الطابع على المستندات الرسمية، إلخ. وقد خُصّص الرسم على المواشي في البداية لتمويل عملية إنشاء طرقات وجسور حصراً. ثم تولّى مجلس الإدارة توفير مساهمات من المستفيدين مباشرة من هذه الإنشاءات.

اليد المرفوعة

كان الإنتاج بكامله رهينة مبادرة الفرقاء الخارجيين، إن لجهة توفير بيوض دودة الحرير، أو تقديم التسليفات مباشرة، أو من خلال المصارف، وتوفير أسواق التصدير، وتقديم خدمات التأمين (أوين، 1987: 278). تراجعت «إدارة الدين العام» العثمانية عن تشجيع إنتاج محلي للبيوض، أمام ضغط التجار المستوردين، الذين احتجوا على محاولة الدولة التدخّل في هذا الأمر، بحجة أنه يُنشئ احتكاراً حكومياً، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ حرية التبادل التي نصّت عليها اتفاقية إنشاء المتصرفية (المصدر نفسه: 277).
منَعَ انعدام تدخّل الدولة، بأي شكل من الأشكال، في مجال تنظيم الإنتاج، نشوء وحدات إنتاجية أكبر قادرة على شراء تجهيزات أحدث. لم يكن هذا الأمر متاحاً للمنتجين بسبب ضعف المداخيل الناجمة عن نشاطهم الإنتاجي. كان لخفض سعر صرف الليرة العثمانية، بدءاً من 1880، أثر كبير على القدرة الشرائية للعاملين في قطاع الحرير، وتوجههم للتفتيش عن بدائل. وفي حين كانت كل ليرة عثمانية تساوي عشرين فرنكاً فرنسياً قبل ذلك التاريخ، أصبحت تساوي خمس فرنكات خلال حقبة 1880-1915 (أكارلي، 1993: 239). أي أن قدرتها الشرائية الخارجية انخفضت أربعة أضعاف، وأصبح المنتج اللبناني يحصّل بعد 1880 ربع المبلغ الذي كان يحصّله قبل ذلك التاريخ لكل كيلو من الحرير المصدّر إلى فرنسا.
غابت الدولة في ميدان تنظيم الإنتاج، الأمر الذي جعل المنتجين الصغار تحت رحمة الوسطاء. كان هؤلاء يشترون الشرانق من المنتج، ويقدمون له قروضاً ربوية، ويوفرون له بيوض دودة الحرير. كان المنتج في حالة مديونية دائمة تجاههم. كانت تجربة التصنيع الأولية، التي مثّلها قطاع الحرير في لبنان، محكومة بالاندثار لسبب جوهري، هو انسحاب الدولة من أية مسؤولية تجاه هذا القطاع. كان المنتجون في هذا القطاع ضحية استغلال فادح ومزدوج. حرمهم خفض سعر صرف الليرة العثمانية عام 1880 من ثلاثة أرباع المداخيل التي كانوا يحققونها حتى ذلك التاريخ. وكانوا ضحية الوسطاء المحليين، الذين كانوا يوفرون لهم التسهيلات لتحقيق الإنتاج، ويشترون منهم المحصول. جسّد خفض سعر الصرف حالة سرقة موصوفة من الفرنسيين لأهل المتصرفية.
استعاد أوين تشخيص ديكوسو عام 1913 لواقع «الأزمة الكبرى في قطاع الحرير». كان أوّل دليل على ذلك دخول مستوردات الحرير الآتية من الصين واليابان، التي كانت كلفتها أقل بنسبة 50 % من كلفة الحرير اللبناني. كان الدليل الثاني عجز المصانع المحلية عن إيجاد قوى عاملة كافية لمتابعة نشاطها (أوين، 1987: 279). عزى أوين ذلك إلى الهجرة الكارثية التي استمرّت طيلة سنوات 1900-1913 تأخذ كل عام 15 ألفاً من الناشطين داخل المتصرفية، الذين احتسب أعدادهم بـ 200 ألف.

حكومات المتصرفية

حاول داوود باشا، المتصرّف الأول، أن يعطي دوره بعداً سياسياً، كرأس لكيان يتمتّع باستقلالية، وأن يوسّع حدود المتصرفية. رأى الباب العالي في ذلك تجاوزاً منه لموقعه كموظّف عند السلطنة. وحين قدم استقالته كوسيلة ضغط لتوسيع صلاحياته، قُبلت على الفور (أكارلي، 1993: 40). تعلّم المتصرفون الذين جاؤوا بعده الدرس.

غابت الدولة في
ميدان تنظيم الإنتاج، ما جعل المنتجين الصغار
تحت رحمة الوسطاء


كان واصا باشا الأسوأ بين الجميع. أظهرت المراسلات بين السلطنة وإدارة المتصرفية، أن دور هذا الأخير اقتصر على العمل كمخبر لدى السلطنة. ارتأى نقل الفائض من الموارنة إلى إحدى مناطق الأناضول، أو مناطق سوريا الفارغة من السكان، للعمل في الزراعة. ثم تراجع عن اقتراحه خوفاً من مرافقة الرهبان اليسوعيين لهؤلاء، والدور السلبي الذي يمكن أن يلعبوه في المحيط المسلم (أكارلي، 1992: 114). كان الأقل قدرة على جعل السكان ينتفعون من السلطنة كإدارة حكومية، والأكثر تشكياً منهم ودسّاً عليهم. وهو شأن الفاشلين الذين ليس لديهم ما يقدمونه للآخرين.
بعد داوود باشا، كان مظفر باشا الأكثر تعاطفاً مع أهل المتصرفية. طرح مشروع توسيع حدود المتصرفية، بضمّ البقاع، لحلّ مشكلة نقص الأراضي التي رأى أنها المشكلة الأساس. وحاول حماية المهاجرين والعائدين من أذى والي بيروت العثماني، رشيد باشا، الذي أنشأ «شبكة أشرار» للتنكيل بهم في مناسبة استخدامهم لمرفأ بيروت كممر إجباري. اقترح بديلاً هو مرفأ جونيه. لكن السلطنة وبّخته على هذا الاقتراح (أكارلي: 1993: 66). كان مظفّر باشا الوحيد الذي طرح فكرة أن تتولى الدولة دعم المنتجين، في القطاعين الحرفي والزراعي (المصدر نفسه: 69). وهي فكرة لم يتسنّ لها الخروج إلى حيّز التنفيذ، بسبب انعدام الإمكانات الإدارية والمالية التي تحتاجها، ومعارضة الزعماء لها.
لم يكن تعداد الموظفين المدنيين في الإدارة العامة للمتصرفية يتجاوز 329 شخصاً. ولم يكن تعداد العسكريين يتجاوز 926 شخصاً في 1907 (المصدر نفسه: 150). يرد أكارلي على قول الرئيس بشاره الخوري في مذكراته أن السلطنة لم تنفق قرشاً واحداً في لبنان، فيؤكد أن إيرادات «الأملاك السلطانية» التي مثّلت ما يوازي 13 % من إنفاق الموازنة البائسة، كانت «تُنفق حتى آخر مليم» في جبل-لبنان (المصدر نفسه: 109). ويقول إن واصا باشا تفوّق على الثلاثة الذين سبقوه، لأنه أنجز خلال فترة حكمه طيلة تسع سنوات 41 كلم من الطرقات، من أصل 149 كلم هي مجموع ما تم بناؤه في أربعة عهود وثلاثين عاماً. وقد أعطى حصيلة نهائية للمتصرفية هي 1144 كلم من الطرقات التي تم إنشاؤها حتى 1914 (المصدر نفسه: 113). أراد إظهار ذلك كإنجاز، في حين أن رداءة المواصلات وتخلّفها كانتا الدليل الأول على إخفاق التنمية الذريع في لبنان، ليس فقط خلال المتصرفية بل خلال الانتداب وحقبة الاستقلال أيضاً.
كان واصا باشا يطمح لتحقيق إنجازات في ميدان التعليم، تتيح التصدي لتأثير الكنيسة على الناس. اصطدم بعجز السلطنة عن توفير أية موارد في هذا المجال، واقتصار دورها على الدعم المعنوي (المصدر نفسه: 52). تشير الباحثة لوتوماس معتمدة أرقام تيودور هانف، أنه عام 1914 كان ثمة 3 مدارس ثانوية تابعة للدولة في ما أصبح بعد ذلك لبنان، منها المدرسة السلطانية، و125 مدرسة ابتدائية، وأن ثلاثة أرباع الطلاب كانوا يرتادون، في مطلع القرن العشرين، مدارس كاثوليكية (لوتوماس، 2012: 272).
بعد أن عملت السلطنة لكي يستعيد «المقاطعجيون» القدامى نفوذهم، ولكي يكونوا شهوداً على انعدام التنمية وفشلها، أصبح بإمكان واصا باشا أن يزدري أهل المتصرفية، ويقلّل من قيمتهم. حمّلهم مسؤولية النظام العقيم الذي أتحفتهم به السلطنة. اتّهم الأهالي بأنهم هم المسؤولون عن التعيينات التي حُصِرت بـ«المقاطعجية» والمتحدّرين منهم، في حين أن السلطنة هي من أعاد هؤلاء إلى الواجهة (أكارلي، 1993: 156).

عناوين النقاش العام

كانت العناوين التي اختصرت المطالبات بالإصلاح آنذاك سياسية الطابع فقط. تناولت تحسين الصفة التمثيلية للنظام القائم، وإعطاء صلاحيات إضافية لـ «مجلس الإدارة» المنتخب من «مشايخ الصلح» المحليّين (المصدر نفسه: 56). وتناولت أموراً عبّرت عن الحاجة إلى مزيد من الاستقلالية تجاه السلطنة، من مثل إنشاء مرفأ خاص للمتصرفية، وتحقيق السيادة على الشاطئ اللبناني، والتصرّف بالرسوم الجمركية.
عجزت الكنيسة في المقابل عن إدراك حجم الكارثة الديموغرافية التي مثّلتها الهجرة. لم تنصرف إلى بلورة برنامج اقتصادي يحمي المجتمع من الهجرة. تلهّت على مدى 50 سنة بالعنتريّات ومحاولات إثبات الوجود، مرّة تجاه السلطنة، ومرّات تجاه المتصرفين.
عرض كتاب أكارلي مواقف طرف «ليبرالي» استوحى مواقفه من تيار «الاتحاد والترقّي» العثماني، ووقف ضد سلطة الكنيسة وحلفائها، من زعماء آل الخازن وحبيش، وكسب معركة ضدها في انتخابات ممثل كسروان إلى مجلس الإدارة (المصدر نفسه: 71).
لم ترقَ هذه المطالبات، في أي وقت، إلى الضغط لكي تتدخّل الدولة بما يتيح استيعاب القوى العاملة في نشاطات إنتاجية محلية، ويحمي المتصرفية من الزوال بسبب الهجرة. تظهر المراسلات بين المتصرفية والسلطنة على مدى 50 عاماً، علاقة مع دولة فاشلة، تخلّت عن أي دور تنموي، ليس فقط بسبب انعدام الموارد لديها، وهي التي وضعت القوى العظمى الأوروبية يدها عليها، بل لأنه لم يكن لديها في الأساس مشروع تحديث بمعنى «التصنيع المتأخر».
عكس السجال الضريبي بين السلطنة من جهة، وبين مجلس الإدارة، ممثلاً البيئة المحلية، من جهة ثانية، مسؤولية الطرفين عن الإخفاق التنموي الذريع للمتصرفية. كان النقاش على مدى 50 عاماً حول أمور من نوع، هل نرفع الرسم على الماعز من 2 % إلى 3.5 %؟ وهل يعود مردود رسم الطابع لموازنة المتصرفية أم لخزينة السلطنة؟... إلخ. وفي حين استمرّ الطرفان يتساجلان على مدى عقود، كان شعب بكامله يُقتلع من أرضه، ويذهب إلى المهاجر إلى غير رجعة.

الكارثة الديموغرافية

كان ثمة شعب يختبر تجربة نمو ديموغرافي لا سابق له، أسهم به تحسّن الشروط الصحية للعموم، وانخفاض وفيّات الأطفال. أظهرت معطيات إحصائية محلية، أمكن تكوينها من تقارير الأجهزة الكنسية في إحدى مناطق جبل-لبنان الشمالي، تضاعف عدد السكان خلال 40 عاماً بين 1852 و1994 (داغر، 2013). لكن مراسلات المتصرفية مع السلطنة تشير إلى تضاعف هذا العدد، خلال العشرين سنة الأولى من عمرها فقط (أكارلي، 1992: 113).
تظهر مراسلات المتصرفية مع السلطنة أن الهجرة استفحلت، واتخذت طابعاً مفزعاً منذ 1885-1887. كانت إدارة المتصرفية تحثّ السلطنة على اتخاذ إجراءات تمنع استمرارها. كانت الإجراءات التي تمّ التداول بشأنها تتناول الامتناع عن إعطاء أوراق ثبوتية لمن يطلبونها بقصد الهجرة، ومنع تنقل أهالي المتصرفية خارج نطاقها، ومراقبة السواحل، وملاحقة أصحاب السفن التي تتولى نقل المهاجرين، وملاحقة الشبكات المحلية التي تتولى «تهريبهم» (المصدر نفسه: 114). تظهر المراسلات أن برشلونة كانت أهم المحطات التي ينزل فيها المهاجرون، قبل أن يتمّ نقلهم إلى الأميركتين، وأن سفير السلطنة كان لا يفتأ يتشكّى من الأعداد الكبيرة للمهاجرين، الذين كانوا أقرب إلى «الشحاذين» في مظهرهم الخارجي، ويسيئون إلى صورة السلطنة عند الأوروبيين.
استفحلت الهجرة خلال العقد الأخير من التاسع عشر. بلغت أعداد المهاجرين أحياناً مئات عدّة كل يوم. كانوا يسافرون كلّهم بمستندات غير قانونية، هي جواز السفر الداخلي الذي تصدره المتصرفية، وذلك من مرفأ بيروت. لم تنظر السلطنة إلى الأمر برمّته حتى 1898، تاريخ التخلّي عن إجراءات منع الهجرة، إلا من وجهة نظر الكلفة التي يرتبها عليها. لم يقبل رئيس الوزراء العثماني اقتراح نعّوم باشا تحرير الهجرة، خوفاً من أن يرتّب ذلك أعباء على السلطنة لترحيل من يقعون في البؤس ويودّون العودة. أصدرت البعثات الدبلوماسية العثمانية جوازات سفر نظامية للقادرين على دفع نفقتها. ورفض نصوحي باشا، والي بيروت، الاعتراف بجوازات السفر الداخلية التي كان يبرزها العائدون (المصدر نفسه: 120).
عام 1898 تخلّت السلطنة عن إجراءات منع الهجرة أو الحد منها. أصبح هذا الأمر متاحاً للجميع مقابل التعهّد بتحمّل كلفة العودة في ما لو ساءت الأمور (أكارلي، 1993: 63). يفسّر تخلّي السلطنة عن أية مسؤولية في هذا المجال الازدياد الكارثي لوتيرة الهجرة، خلال العقد الأول من القرن العشرين. ازداد التنكيل بالمسافرين خلال تلك السنوات، ما جعل مظفّر باشا يفتش عن مرفأ بديل لحمايتهم، كما سبقت الإشارة. واندلعت عام 1904 مواجهات طائفية في ضواحي بيروت، راح ضحيتها عشرات القتلى، بسبب ممارسات والي بيروت رشيد باشا (أكارلي، 1993: 67). كما اندلعت مواجهات بالسلاح بين جمهور المهاجرين وموظفي مرفأ طرابلس (أكارلي، 1992: 127). عُزل رشيد باشا، وأظهر التحقيق تكوين «شبكة الأشرار» التي أقامها، والتي كان تعداد أفرادها أقل من مئة شخص. كما أظهر الرسوم غير القانونية، التي كان يستوفيها مجلس إدارة مرفأ بيروت، والتي لم تتضح كيفية إنفاقها.
على امتداد العقد الأول من القرن العشرين، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى، كان عدد المهاجرين يصل غالباً إلى المئة في اليوم. وعلى خلاف المسؤولين الآخرين، الذين كانوا يجدون للهجرة منافع ومبرّرات، كان مظفّر باشا يرى أنها دائمة، وستنتهي بإفراغ المتصرفية من أهلها بحيث لا يبقى سوى الأولاد والمسنّين. حرم موته المبكر أهل المتصرفية من المسؤول الوحيد الذي كان يعطف عليهم، ويهتمّ لأمرهم.
بعد صدور مرسوم تحرير الهجرة عام 1898، خرج الموضوع من دائرة اهتمام السلطنة تماماً. لكن الهجرة عادت موضع اهتمامها حين بدأت تطاول المسلمين في المقاطعات المحيطة بالمتصرفية. اعتبرت السلطنة، على الدوام، أنّ هجرة أهل المتصرفية شأن استثنائي لا يعنيها كثيراً، شرط ألا يقلّدها الآخرون. رأت في ذلك تعريضاً لمقدرتها العسكرية للخطر. وقد أقبل أهل ولايتي بيروت وسوريا على الهجرة بعد صدور قرارات التجنيد بدءاً من 1895، وخصوصاً بعد اندلاع ثورتي اليمن ومقدونيا، في آخر القرن (المصدر نفسه: 135).
وعام 1914، نبّهت كتابات الأب جوزيف ديلور اليسوعي عام 1914، إلى حجم الكارثة الديموغرافية التي كانت قد أضحت ماثلة للعيان. نشر صوراً عن فراغ القرى، وتهدّم البيوت، وبوار الأرض بفعل الهجرة الفادحة، وحذّر من مستقبل أسود لأهل المتصرفية (ديلور، 1914). وهو أمر تحقّق بأسرع مما كان يظن، حين نشبت الحرب العالمية الأولى. وقد تعاون المجرمون العثمانيون والمجرمون الحلفاء لإقفال طرق التموين من الداخل ومن البحر. وهو ما كلّف شعبنا مجاعة استلّت أرواح 41 % منه، في المتصرفية وولاية بيروت، وفقاً لإحصاءات نيقولاس أجاي (أجاي، 1964: 432). وهي حوّلت شعباً كان صاحب أكبر تجربة إنتاجية في بلاد الشام، استمرت ثلاثمئة عام، إلى كتلة من المتسوّلين.

المراجع

Akarli Engin, "Abdulhamid II’s Attempt to integrate Arabs into the Ottoman System’, in David Kushner (ed.), Palestine in the Late Ottoman Period, Jerusalem, Leiden 1986, PP. 74-89.
Akarli Engin, “Ottoman Attitudes towards Lebanese Emigration, 1885-1910”, in A. Hourani, N. Shehadi (eds.), The Lebanese in the World, London, 1992, pp. 109-138.
Akarli Engin, The long peace: Ottoman Lebanon, 1861-1920, London : Centre for Lebanese Studies, 1993.
Brass Paul, Ethnicity and nationalism: theory and comparison, New Delhi, India: Sage Publications, 1991.
Chambers Richard L., “Turkey: The Civil Bureaucracy”, in Ward, R., D. Rustow (eds.), Political modernization in Japan and Turkey, Princeton University Press, 1964, pp. 301-327.
Delore Joseph , « Immense détresse matérielle et morale au Liban », in Les Missions Catholiques, Paris, no 2357, 7 août, 1914, pp. 373-374.
Findley Carter, “The Acid Test of Ottomanism: The Acceptance of Non-Muslims in the Late Ottoman Bureaucracy”, in Benjamin Braude and Bernard Lewis (eds.), Christians and Jews in the Ottoman Empire: The Functioning of a Plural Society, Volume 1: The Central Lands (NY: Holmes & Meier Publishers, 1982), pp. 339-368.
Gates Carolyn, The Merchant Republic of Lebanon: Rise of an Open Economy, London: centre for Lebanese Studies with I.B. Tauris, 1998.
Hourani Albert, ‘Ottoman Reform and the Politics of Notables”, in Polk and Chambers (eds.), The Beginning of Modernization in the Middle East, Chicago: Univ. of Chicago Press, 1968, pp. 41-58.
Inoki Masamichi, “Japan: The Civil Bureaucracy”, in Ward, R., D. Rustow (eds.), Political modernization in Japan and Turkey, Princeton University Press, 1964, pp. 283-300.
Johnson Michael‚ All Honorable Men: The Social Origins of War in Lebanon‚ London: Centre for Lebanese Studies and I.B. Tauris‚ 2001.
Kisirwani Maroun,“ Foreign interference and religious animosity in Lebanon“, in Journal of Contemporary History 15, 1980, 685-700.
Laitin David, James Fearon, “Violence and the Social Construction of Ethnic Identity”, International Organization, Vol. 54, No. 4, 2000, pp. 845-877.
Le Thomas Cathérine, “Education and Minority Empowerment in the Middle East”, in Longva Anh Nga, Roald Anne Sofie, Religious Minorities in the Middle East : Domination, Self-Empowerment, Accommodation, Leiden: Brill, 2012.
Makdisi Ussama, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon, Berkeley, CA : University of California Press, 2000.
Owen Roger, “The Silk-Reeling Industry of Mount Lebanon, 1840-1914: A study of the Possibilities and Limitations of Factory Production in the Periphery”, in Huri Islamoglu-Inan (ed.), The Ottoman Empire and the World Economy, Cambridge, U.K: Cambridge University Press, 1987, pp. 271-283.
Robinson Ronald, “Non-European Foundations of European Imperialism: Sketch for a Theory of Collaboration’, in Owen, Roger, Robert Sutcliff (eds.), Studies in the theory of imperialism, London: Longman, 1972, pp. 117-140.
Saba Paul, “The Creation of the Lebanese Economy: Economic growth in the 19th and early 20th Centuries”, in Roger Owen (ed.), Essays on the Crisis in Lebanon, London, Ithaca Press, 1976, pp. 1-22.
Salibi Kamal, “The Maronite Experiment”, in M. Gervers, R. Bikhazi (eds.), Conversion and Continuity: Indigenous Christian Communities in Islamic Lands, Eight to Eighteenth Centuries, Toronto, 1990, pp. 423-433.
Smilianskaya Irina, “From Subsistence to Market Economy: the desintegration of feudal relations in Syria and Lebanon in the middle of the nineteenth century”, in Charles Issawi (ed.),The Economic History …, 1966, pp. 227-247.
Wallerstein I, H. decdeli, R. Kasaba, “The Incorporation of The Ottoman Empire into the World Economy”, in Huri Islamoglu-Inan (ed.), The Ottoman Empire and the World Economy, Cambridge, U.K: Cambridge University Press, 1987, pp. 88-97.
ألبر داغر (أ)، "مراجعة كتاب أسامة مقدسي حول أحداث 1860"، نشرت في النهار بتاريخ 21 و 22 نيسان 2009، تحت عنوان: " كتاب اسامة مقدسي حول ثقافة الطائفية : اعادة النظر بهالة طانيوس شاهين"؛ أعيد نشرها في ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، 2012، 224 صفحة، ص. 58 – 66 .
ألبر داغر، "بعض ريف جبل-لبنان الشمالي في قرن"، مراجعة لكتاب الدكتور شربل داغر، بين السلطان والمقاطعجيين والعوام: الحراك والأفق، دار سائر المشرق، 2013، 511 صفحة، الأخبار، ٢٠ / 11 / ٢٠١٣.
سيمون عبد المسيح، طواحين الرأسمالية: حالة حاقل - بلاد جبيل (1820-1920)، 2014، 240 صفحة.
كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، بيروت، 1965؛ الطبعة الثالثة (بالفرنسية )، دار نوفل، 1988، 349 صفحة .
كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، بيروت، دار نوفل، 1979 ، 213 صفحة.

* أستاذ جامعي