لماذا الجمهوريات العربية؟ سؤال يطرح بعد كل ما حصل ويجرى فيها خلال السنوات الاخيرة، ولا بد منه لأن ما حدث ليس أمراً بسيطاً ولا هامشياً أو اعتيادياً، مع الانتباه لتدرجه او اختلاف مستوياته وتداعياته. حيث جرت تغيرات ليست قليلة، تستدعي التفكير بها حتى ولو وضعنا قصة «المؤامرة» جانباً، وتحسّبنا للأمر وكأنه مقصود ومخطط له سلفاً. فهل تم هذا ووضع على سكة الطريق، وقصد منه ما أريد له؟!


سماه بعض من الغربيين بـ»الربيع العربي» وترنم به بعض العرب، وشوِّهت تحركات الشعوب وانتفاضاتها وثوراتها الجديدة، التي لم تكن وليدة ربيع او خريف، وإنما هي درجات في سلم الغضب الشعبي، او تمرينات للحظة تاريخية تمر بها ظروف كل بلد منها. والبدايات بلا شك حراكات وطنية متنوعة المستوى ومختلفة التأثير، ورد فعل على فشل سياسات الحكم او تعبيرات شعبية، قد تكون عفوية او منظمة، مقابل الأوضاع التي لم تكن في الحسبان السياسي، او التي تراكمت فيها تناقضات الحكم وخطايا سياساته وغلبة التحكم الفردي والاستبداد واخفاق التنمية وفقدان حقوق الانسان، في عموم الوطن العربي وان كانت أيضاً بتموجات وظروف كل بلد منها ودور القوى السياسية فيها.


بقيت دول الخليج
مرتبطة باتفاقيات
حماية متوزعة بين دول الاستعمار الغربي
جاءت الجمهوريات العربية بعد تحولات داخل بلدانها، عبر تغيرات سلمية واتفاقيات وضغوط معينة او الى درجة ما مع القوى الاستعمارية التي كانت محتلة أو وصية أو منتدبة على تلك الاقطار، بتضحيات جسيمة ونضالات مستمرة لقوى سياسية وطنية، أنضجتها الظروف الموضوعية ووفرت لها مساحات الكفاح التحرري والتضامن الاممي فرصاً لتحديد البوصلة والعمل ضمن الثوابت التحررية الوطنية والقومية. او جاءت عبر انقلابات عسكرية وخروج الدبابات من ثكناتها الى شوارع العواصم ومؤسساتها التنفيذية، وإعلان بيان رقم واحد بتغير السلطة وتسلم الحكم، وأحياناً في إطار التحالفات أو التوافقات مع الاحزاب والقوى السياسية الفاعلة على الساحة. فالجمهوريات كلها وأساساً قامت بطرد المستعمر أو من يمثله فعلياً أو الحكومات التابعة مباشرة أو غير مباشرة لسياسات المستعمر الامبريالي أو توابعه. وهذه مسألة لا بد من التنبه لها رغم ما حصل من متغيرات في تلك البلدان التي حملت اسم الجمهورية. وأعلن اغلبها، لا سيما التي قادتها أحزاب او تنظيمات عقائدية، انحيازاً واضحاً لمصالح الشعوب والثورات والدعوة لبناء بلدانها في اطار التحرر الوطني ومعاداة السياسات الاستعمارية، حتى ولو في بياناتها المعلنة وبعض مواقفها المتميزة والتاريخية، وهي اغلب النظم السياسية العربية، في سوريا ولبنان ومصر والعراق واليمن وتونس والجزائر وليبيا والسودان وموريتانيا والصومال. بينما بقيت دول الخليج مرتبطة باتفاقيات حماية متوزعة بين دول الاستعمار الغربي البريطاني والفرنسي ومن ثم الاميركي، ومعها الاردن والمغرب. وما يلفت الانتباه أيضاً هو محاولات الدول الاستعمارية القديمة الى العودة بنفسها للاستعمار من الشباك، بدلاً من الباب الذي اخرجت منه، او تكليفها بمهمات معينة من قبل الامبريالية العالمية وكأنها صاحبة الفضل والأهلية لها في تلك البلدان، كما هو مثلاً بعودة بريطانيا الى العراق وفلسطين ومصر والسودان بصور مختلفة وأساليب منوعة وبمواقف مريبة بلا شك، أو فرنسا الى سوريا ولبنان وبلدان المغرب العربي، وحتى ايطاليا الى ليبيا والصومال مثلاً. وهكذا انقسم الوطن العربي بين هاتين المجموعتين من الانظمة السياسية في التاريخ المعاصر، (بينما احتل اغلب ارض فلسطين وحوّل الى قاعدة عسكرية استراتيجية للامبريالية الغربية وشرد اغلب شعبها العربي، داخل وخارج فلسطين). وانقسم التعامل معها أيضاً من قبل الدول الاستعمارية القديمة والجديدة. وتميزت الجمهوريات منذ نشوئها والى اليوم بتعدد الانقلابات العسكرية وتتاليها ضمن الدائرة ذاتها او بتدخل خارجي مكشوف او سري كشف في ما بعد، وكذلك ضعف قدرات اغلب القيادات العسكرية، وحتى الحزبية منها التي اعلنت عن نفسها في قيادة تلك الجمهوريات وانحرافها عن الثوابت الوطنية وإضعاف الحركة الوطنية وتسهيل عمليات الانقلاب او التآمر عليها، وسلوكها سياسات الاستئثار بالحكم والتمتع بما آل اليه هذا التصرف من استبداد ودكتاتورية فردية او حزبية او مشتركة. ورغم منحى التغيير فيها ظلت القيادات العسكرية وحلفاؤها في الحكم مستندين الى شرعية قوة الدبابة والجيش وليس ارادة الشعب وإقناعه برسم البرامج الوطنية والتكامل في مستويات الحكم والإدارة والاقتصاد والتنمية وتمكين المرأة وحقوق الانسان. مع ان بعضها تنبه الى ذلك متأخراً وبعد تجارب عديدة وأخطاء تاريخية غلبت على محاولات الاصلاح والتحديث، وظلت مراوحة بين قوى المصالح والمنافع والفساد التي جاءت بعد الانقلابات والثورات وقوى التجديد والتغيير، ما ضيع الفرص التاريخية لبناء دول قادرة على المواجهة والتوازن الاستراتيجي مع الأعداء وصيانة الأمن الداخلي والتحالفات الوطنية والدعم الدولي الملائم للتقدم والتطور ومواجهة التحديات المستمرة، والمشاركة الفعالة في النظام الاقليمي والدولي سياسياً واقتصادياً وثقافياً. لا تبتعد الجمهوريات في الواقع العملي عن الملكيات في الوطن العربي في اساليب الحكم الفعلية، رغم تناقض اعلاناتها او توجهاتها المعلنة، من حيث الابتعاد عن الشعوب والتصرف بخيارات المصالح الفردية او الحزبية وغلبتها على المهام الوطنية التحررية المطلوبة. وتشابهت معها أيضاً في التحكم بشؤون الشعب والتنكر للخيارات والإرادات الشعبية، ومارست العسف والاستبداد والتمييز، ولو بدرجات معينة من سلم الارتكابات والارباكات المناهضة للقوانين والأعراف المعروفة. ولكن بالتأكيد اختلفت الجمهوريات بمحاولات متنوعة من الاصلاح والبناء العام والصراع مع القوى الاستعمارية والامبريالية العالمية التي عملت هي الأخرى في محاولات اعادة التاريخ وتكريس الهيمنة وتهديد الاستقرار والأمن الداخلي والشخصي للقيادات التي تولت ادارة الحكم في الجمهوريات، على خلاف مع الملكيات التي راهنت معها وارتهنت في اتفاقيات حماية وفتح خزائنها لاستغلال المستعمر والسيطرة التاريخية على مقدرات البلدان والشعوب ونهب ثرواتها واضطهاد الارادات الشعبية في كل اساليب القمع والاضطهاد المعنوي والمادي.
هذا الاختلاف ومهما كان جزئياً او محدداً شكل عامل قلق للمستعمر الغربي وأعوانه في المنطقة او أتباعه ومن تخادم معه في السلطات او في التوجهات العامة، ودفع من جانب آخر الى العمل على ردم الهوة فيه، ومنع التحركات الشعبية وقوى التغيير من تصعيده وتطويره الى سياسات واقعية قائمة ومؤثرة او طامحة للقيام بمهماتها الفعلية وإرادتها الوطنية والشعبية. وفي تجربة العمل السياسي في هذه الجمهوريات وفي مجابهة التحديات الخارجية وتهديدات العدوان واندلاع حروب خطيرة اندفعت باعتماد القوة العسكرية المركزية. وهذا الامر يحسب لها، فقامت ببناء مؤسسات عسكرية وطنية، تحولت بشكل او آخر الى رمز وطني معبر عن وحدة شعوب البلدان العربية الوطنية وقوة حمايتها من العدوان والحروب بكل أصنافها. ما شكل من جانب آخر مصدر إزعاج آخر للقوى الاستعمارية وتوابعها وخطط في المقابل أيضاً لاستهداف هذه القوة الوطنية، لا سيما بعد دروس حروب عديدة مع القاعدة الاستراتيجية العسكرية الغربية في فلسطين المحتلة. وقائع الحال تقول بأن الجمهوريات التي تواجه اليوم تحديات مصيرية، وهزات واسعة، ضمن خطط الاستعمار ومشاريعه، عليها استيعاب الدروس والتجارب والعمل، حتى ولو من جديد، مستفيدة من تراكمات التجارب ومن رصيد الوطنية والإرادات الشعبية على اعادة النظر بأوضاعها الحالية والتفكير العملي بالعمل المباشر في تنفيذ الاهداف التحررية وفق برامج تنموية وخطط تقدم وتطوير لبلدانها والحفاظ على كرامتها وشعبها ومحاربة مشاريع التفتيت والتقسيم والتدمير المتفشية اليوم على الصعد كافة. لماذا الجمهوريات العربية الآن؟ فالمشهد السياسي فيها يوضح صورة بانورامية لما يراد منها عملياً او يطلب منها، شعبياً ووطنياً وقومياً، وضرورة وقوفها صامدة امام الحملات والهجمة الصهيو غربية التي تريد إعادة عقارب الساعة وإنكار التاريخ.
في الختام لا بد من القول إن هذا الموضوع مهم وكبير ولا تغطيه دراسات او مقالات، ولكن لا بد من القول هنا ان الاشارات السابقة هي الاخرى مهمة ويجب الالتفات اليها وقد يتوفر وقت لمتابعتها ورصد التحولات لصالح الشعوب العربية وحركة التحرر الوطني والقومي فيها.
* كاتب عراقي