الذكرى الخامسة والتسعين لإعلان دولة لبنان الكبير، في الأول من أيلول 1920، بالتزامن مع الأحداث المستعرة في المنطقة، من سوريا إلى العراق، مروراً بلبنان، وإن بوتيرة باردة مقارنة بالجوار الملتهب، تعيد تأوين موضوع الحدود، وتصوّر هذه الحدود، وعملية تركيب وتفتيت الخطابات السياسية المتعلقة بها أصلاً، كمادّة أولية واحدة لخطابات سياسية لتشكيلات متباينة ومتصادمة بينها.


شكّلت مسألة الحدود في دول الشرق الأوسط، والكلام عن اصطناعيتها، واعتبارها من منتجات الاستعمار، وتطبيقاً لاتفاقية «سايكس ـ بيكو» عنصراً أساسياً من الخطاب السياسي الطاغي لتشكيلات ترفع شعارات الوحدة في المنطقة، بصيغها العربية المختلفة (البعثية، الناصرية، أوالإسلامية وغيرها). وسوّغ هذا الخطاب الوحدوي لسياسات بلطجة ضد الدول الصغيرة في المنطقة، ومنها لبنان، كما أسّس لفهم خاطئ لديناميكية تشكل الدول الحالية، بحدودها الحاضرة، منذ ما قبل زوال الإمبراطورية العثمانية، وأرسى حالات طلاق كارثية على مستوى وجدان هذه الشعوب، وعمّق سوء التفاهم التاريخي، ومسخ أنساق فهم، وأدوات مقاربة الشعوب والجماعات المختلفة لتاريخها وهوياتها، ولعلّ الطلاق اللبناني ـ السوري هو الأكثر تعبيراً عن ذلك، على المستويين الرسمي والشعبي، لأسباب متعدّدة، أولها مشقّة الجوار.
خضع تشكل الدول الحديثة في منطقتنا، وحدودها الحالية، لآلية أعقد من تسطيح شعار «سايكس ـ بيكو» وسرديته الباهتة، كاتفاق أدّى إلى تقسيم المنطقة تبعاً لمشروع استعماري، يخدم، طبعاً، مصالح الدول القيّمة على التقسيم. ويفترض أن المساحة الجغرافية التي تمّ تفتيتها كانت تشكّل وحدة سياسية جرى تدميرها. والواقع أننا إذا أردنا العودة قروناً عدّة إلى الوراء، فإنها كانت موزّعة على عدد من الكيانات، الإدارية - السياسية، ضمن بوتقة وحدوية غير عربية، هي السلطنة العثمانية. وبمرجعية إسلامية «سنيّة» عامّة، تأكدت رمزياً بمنطوقها بشكل متأخر في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، تحديداً بعد اتفاقية كيتشوك كاينارجي (1774)، وأخذت شكلها الكامل خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، مع سياسة الجامعة الإسلامية، لأسباب متعلقة بالمتغيرات الجغرافية والديموغرافية التي طرأت على تكوين السلطنة، خاصة بعد المواجهة مع روسيا في البلقان (1877-1878). للإشارة، فإنّ غالبية المولعين بتاريخ السلطنة، من العثمانيين الجدد العرب، وأغلبهم من تيارات إسلامية معروفة، لا يتعدّى اهتمامهم فترة حكم عبد الحميد الثاني، في بتر غير مقبول لتاريخ إمبراطورية كانت في أوجها مترامية الأطراف، وعمّرت سبعة قرون ونيّف.
يقتضي القول أولاً: إنّ اتفاقية «سايكس ـ بيكو» لم تكن اتفاقية لرسم الحدود بين كيانات سياسية جديدة ناشئة بفعل التدخل الفرنسي ـ الإنكليزي، بل تفاهماً سياسياً بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية وإيطاليا، تحديداً في ما يتعلق بالأناضول، قضى برسم مناطق للنفوذ في هذه المنطقة من السلطنة العثمانية، بانتظار انتهاء الحرب على الشكل التالي: إعطاء كل من فرنسا وبريطانيا منطقتي احتلال مباشر، ومنطقتي حماية، أو نفوذ. الأولى لفرنسا، تشمل الشريط الساحلي على المتوسّط حتى الإسكندرون، ومنه يتوسّع داخل الأناضول شمالاً، شرقاً، وغرباً، ويضمّ مدناً، مثل: سيفاس، ديار بكر، ماردين، وأضنة. أمّا منطقة الحماية الفرنسية، فتضمّ سوريا الحالية، وشمال العراق، وصولاً إلى الحدود الإيرانية، وتضمّ مدناً كالموصل، ورواندوز. أمّا بريطانيا، فتمتدّ منطقة احتلالها المباشر من وسط العراق، بالتماس مع الحدود الإيرانية غرباً، وجنوباً على طول الشريط الساحلي على الخليج العربي، وصولاً إلى الإحساء السعودية، وتضمّ مدن بغداد والبصرة، والكويت حالياً. بينما تشمل منطقة الحماية صحراء النقب، معظم الأردن، وباقي العراق، عدا منطقة النفوذ الفرنسي. وتأخذ روسيا القسم الشرقي من الأناضول مع مدن كطرابزون، أرزيروم، بيتليس، وفان. هذا الاتفاق، الذي ولد في خضم الحرب العالمية الأولى، لم يجد طريقه إلى التطبيق، وعند كشف البلاشفة عنه كانت الأحداث قد تخطته. فروسيا خرجت من الحرب إلى جانب الحلفاء، بعد الثورة، وعلى الأرض نشأ واقع جديد، قوامه دخول قوات الحلفاء إلى المنطقة، وانكفاء الجيش العثماني. خضع التقسيم الجديد للنفوذ لموازين القوى بين الفرنسيين والإنكليز بشكل أساسي، وبين باقي الحلفاء بشكل أوسع، في الأناضول. فأصبحت منطقتنا تخضع لنظام سميّ «نظام إدارة أراضي العدّة المحتلة». بينما قسم الأناضول إلى مناطق نفوذ بين كل من اليونان، فرنسا، انكلترا، وروسيا. بعدها، في أيلول 1919، أبرم الإنكليز والفرنسيون اتفاقاً قضى بإعادة توزيع النفوذ، وانسحاب انكلترا من المناطق التي اعتبرها اتفاق «سايكس ـ بيكو» تحت النفوذ الفرنسي (سوريا، وكيليكيا) وضمّ الموصل للعراق، تحت الإشراف الإنكليزي، كذلك شرق الأردن، وكامل فلسطين.
مع تسارع الأحداث، وإعلان المؤتمر السوري في دمشق استقلال سورية بقيادة فيصل، عقد الحلفاء مؤتمر سان ريمو (نيسان 1920) واتفقوا على فرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، والإنكليزي على العراق، الأردن، وفلسطين. بعد معركة ميسلون، وفرض الفرنسيين الانتداب بالقوّة، عمدوا إلى تقسيم المنطقة إدارياً، وسياسياً، إلى 5 كيانات (بين آب 1920 وآذار 1921) وهي دولة لبنان الكبير، دولتا دمشق وحلب، دولتا جبل الدروز وجبل العلويين، إضافة إلى إدارتين ممتازتين لكلّ من الجزيرة والإسكندرون، وترسيم الحدود مع تركيا، ما أدّى إلى تقسيم ولاية حلب.
مع مرحلة الانتداب تبدأ ديناميكية سياسية، قوامها صراع بين أصحاب مشاريع متباينة محليين وخارجيين. فأتاتورك حسم الأمر على الأرض بفرضه واقعاً جديداً قوامه انتصاره على القوى الغربية، لا سيما اليونانية، وإجبارها على تعديل اتفاقية «سيفر» واستبدالها بمعاهدة «لوزان» التي أنشأت الجمهورية التركية الحديثة، وتعديل حدودها، وإجراء تبادل للسكان بينها وبين اليونان، لضمان واقع «نظيف» خال من الأسس الديموغرافية، لأي مطالبة سياسية مستقبلية. بالرغم من ذلك بقيت مسألتان: المسألة الأرمنية، كذاكرة سوداء تلاحق الأتراك، مطالبة بالاعتراف والتعويض عن إبادة أكثر من مليون أرمني، والمسألة الكردية، نظراً لأن كردستان تركيا تضمّ القسم الأكبر من الأكراد، نسبة إلى الدول التي يوجدون فيها (تركيا، سوريا، العراق، وإيران) ولكون الحلفاء أغدقوا الوعود بتأسيس الدول على أكثر من جماعة، من بينها الأكراد.
في لبنان بدأت عملية بناء هيكلية مؤسساتية للدولة، بإشراف الانتداب، ووضع دستور عام 1926، وتطوّرت حياة سياسية استقطبت نخباً سنيّة، وبقدر أقل شيعية، نظراً لواقع الشيعة الاقتصادي الاجتماعي، وحداثة انخراطهم في العمل السياسي، منذ القرن التاسع عشر، (يذكر أنّ أوّل اعتراف تمثيلي بهم كان إبّان حكم المتصرفية). أما في سوريا، فالصراع كان قائماً بين تيار وحدوي، يدعو إلى «إعادة» توحيد ولايات سوريا العثمانية، لتؤلف كياناً سياسياً واحداً، وتطوّر الموقف الفرنسي في إدارة سوريا، من تقسيم الولايات العثمانية التي تشكل سوريا، بالمعنى الجغرافي، إلى كيانات عدّة، إلى إعلان الاتحاد السوري (1922) على أساس فدرالي، بين دول دمشق وحلب وجبل العلويين، تلاه إعلان الدولة السورية (1925) مكوّنة من دولتي دمشق وحلب، بعد ضمّ مقاطعة الجزيرة، دون حكومتي اللاذقية والسويداء، وصولاً إلى إعلان الجمهورية السورية، ووضع دستور لها، عام 1930، وانتخاب محمد علي العابد، كأوّل رئيس لها عام 1932، وأخيراً ضمّ دولتي، العلويين، والدروز، إليها عام 1936، بعد وصول اليسار إلى الحكم في فرنسا، ومن ثمّ فصل لواء الإسكندرون، وإعطاؤه لتركيا، خلافاً لمنطوق صك الانتداب، وذلك لاستمالة تركيا، والحيلولة دون تموضعها في الحلف المتبلور مع دول المحور. يشار إلى محاولة فرنسية لدمج لبنان الكبير في سوريا، حال دونه رد الفعل الماروني من جهة، وتبلور الكيان المؤسساتي للدولة اللبنانية من جهة أخرى.
تتبين من هذا العرض أموراً عدّة، أولها: أن اتفاق «سايكس ـ بيكو» تمّ التخلّي عنه باكراً جداً، وأن خريطة القوى في المنطقة فرضتها الظروف، ومنها حسابات بريطانيا وفرنسا في مناطق بعيدة عن منطقتنا، أكثر ممّا فرضها الاتفاق المسبق. وأن الفرنسيين اعتمدوا سياسة تقسيم المنطقة لتسهيل إدارتها، لا نزولاً عند رغبة مجموعات دينية معينة، (الموارنة تحديداً). والأهم أن السياسة الفرنسية هي التي لعبت دوراً مهمّاً بالتفاعل مع المطالب الوحدوية في توحيد ما يعرف اليوم بسوريا، والتي كانت تتوزّع على ولايات عدّة، وسناجق، ومتصرفيات عثمانية.
اذا كانت المقاربة التقنية السردية لا تكفي، وهي لا تكفي إلا كمدخل لتفكيك البناء الإيديولوجي العجيب، والوقح، عن «سايكس ـ بيكو» والحدود، فإن قراءة في الهوية السياسية للنخب الحاملة لهذا الخطاب قد تساعد. فحتى انهيار الإمبراطورية العثمانية كانت الشرعية السياسية الدينية هي شرعية (السلطنة - الخلافة) بالنسبة للمسلمين السنة، وبالنسبة لهم فإن وريث السلطنة لا يمكن أن يكون إلا دولة عربية كبيرة، تحافظ على نسيج العلاقات بين المدن الإسلامية الكبرى. في هذه النظرة الكثير من الصلف في تقييم كل الجماعات الدينية الأخرى، ودورها باعتبارها هامشية في تاريخ المنطقة. ووفق هذا المنطق يسهل فهم أدبيات، من نوع دور الغرب في تحريك «الأقليات» لتقسيم المنطقة. والمفارقة أن مفهوم الأقليات مفهوم غربي، تدخلي، متأخر، يهدف أساساً للبناء السياسي على المجموعات الدينية، أو العرقية، أو غيرها، من خلال خلق هوية أقلوية لها بالسياسة، لا مفهوم إسلامي لا يعرف أقليات، أو غير أقليات، بل مسلمين وغير مسلمين. من هنا القول باصطناعية لبنان (مثلاً وخاصة) في مقابل ثبات وديمومة الكيان السوري. لا تصمد هذه المقولة أمام النقد التاريخي. فسوريا اسم علم جغرافي لمساحة من الأرض تتغير حدودها التقريبية خلال الفترات التاريخية، وهي لم تكن يوماً كياناً سياسياً موحداً ليتمّ الحديث عن تفتيته وتقسيمه. فخلال القرون العشرة الأخيرة على الأقل لم تكن المساحة السورية إلا مجموعة مناطق، تشكّل جزءاً من كيانات سياسية أكبر، منذ الأيوبيين أو المماليك، وأخيراً العثمانيين. أو تحت حكم عائلات وإمارات بشكل مفتت. وتحتفظ سورية المعاصرة بهويات مناطقية كبيرة، وحيّة، خاصة وأن الجغرافيا البشرية متنوعة، أما عالم البادية فلم يستقر بشكل حضري إلا في مرحلة متأخرة، ومدن كدير الزور، أو الرقة، أو البوكمال تبقى حديثة العهد. بالمقابل فإن جبل لبنان، بديناميكيته السياسية الواضحة، المتميزة خلال ثلاثة قرون من حكم عائلات «مقاطعجية» له، يبدو أكثر طبيعية من سورية واحدة مدعاة.
إن القول بوحدة سورية السابقة لا يعدو كونه فئة إيديولوجية - سياسية - دعائية، تعبر أساساً عن الوجدان السنّي العربي بعد زوال السلطنة، وللمفارقة فإن هذه الإيديولوجيا أعاد تدويرها على قياسه أكثر من تشكيل سياسي، فمن تعبير عن الرفض السني للواقع الناشئ بعد زوال السلطنة، إلى الخطابات القومية العربية، والقومية السورية، فالإسلامية اليوم، وإن كانت المروحة أوسع، عزفت الأسطوانة على كلّ المقامات. وخلال عقود استخدم هذا الخطاب لتسويغ تدخل دول المنطقة في سياسات بعضها البعض بشكل مباشر، وصولاً إلى التدخل العسكري. ثمّ أين التاريخية في كيانات سياسية أخرى، كالخليج مثلاّ، ممالك وإمارات ومشيخات ومدن؟ لا ينبس الوحدويون بكلمة عنها.
لم تكن «داعش» أول من انتهك هذه الحدود الصنمية، كما وصفها التنظيم، سبقه إلى هذه الفعلة العراق، مع سوريا، عندما كان يرسل الأسلحة والمقاتلين، وكان له دور كبير في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وفعلها الأردن، عندما تدخل في الأزمة السورية في نفس الحقبة. وفعلتها سورية في لبنان، أولاً عندما أطاحت بالحدود الهشّة، التي لم تستطع الدولة اللبنانية بناءها وتحصينها، وتدخّلت في لبنان في السبعينات (وقبلها في نهاية الخمسينات) وصولاً إلى إدخال جيشها، وافتتاح حقبة من الاحتلال العسكري دامت ثلاثة عقود. وفعلها لبنان، بشكل أقل، عندما أرسلت تشكيلات مقاتلة فيه سلاحاً إلى سوريا، في الثمانينات، وعندما عادت وانخرطت بعض تشكيلاته في الحرب السورية الدائرة اليوم.
في لبنان شكّل فشل العقد السياسي بإرساء قواعد مؤسساتية قوية للدولة وبلورتها، بعيداً عن الأدبيات اللبنانية عن عدم وجود دولة، والأصح أن في لبنان دولة هجينة، تدور في فلك المفهوم الغربي الحديث للدولة، المتطوّر عضوياً، فشل في هذا، ما جعل الحدود مشرعة، وغير فاعلة عملياً أمام كل أحداث المنطقة منذ اللجوء الفلسطيني الكارثي، في نهاية الأربعينات، وصولاً إلى النزوح السوري، الذي يشكل قنبلة موقوتة على أكثر من مستوى. وممّا يعقّد الأمور أكثر على مستوى التفاعل السلبي، اللبناني ـ السوري، هو هذا الموروث في الوعي الجماعي السوري، نتاج عقود من الدعاية والضخ الإيديولوجي، والذي يصوّر لبنان كمحافظة سورية، أو سنجق سليب.
في الوقت عينه شكل الخطاب الوحدوي التذويبي للكيان اللبناني استقطاباً لمجموعات لبنانية، لا تتوانى عن تبديل خطابها، وقولبته بسرعة عجيبة، تماشياً مع الهوى السياسي والمذهبي في المنطقة. فإذا كانت المكابرة على مشترك «قومي» ثقافي، لغوي، ديني، أو غيره بين أبناء المنطقة غير جائزة، توخياً للإنصاف والموضوعية، فالغلوّ في هذا المشترك، وجعله أرضية صالحة لبناء شيء سياسي عليها، أكثر من مغلوط، لا بل مجرّم. لم تنتهك «حدود سايكس بيكو» مرّة، إلا وكان الانتهاك مقدمة لجولات عنف ودمار فظيعة. وهل الغليان العابر للحدود اليوم غليان وحدوي، أم غليان انقسامات فظيعة، يشكّل استعارها رسماً لخريطة المنطقة للعقود المقبلة؟ ربما تشكل «حدود سايكس بيكو التقسيمية» اليوم أفضل إطار، كحدّ أدنى، للحفاظ على شيء من الاستقرار اللبناني في منطقة متشظية.
* كاتب وباحث لبناني