مشير باسيل عون *


يلاحظ الباحث المتقصّي لأوضاع الحركة الطالبيّة في الجامعات اللبنانيّة أنّ أعداد الطلاب الجامعيّين الذين يُعرِضون عن الانتماء الحزبيّ ويؤثرون الاستقلال السياسيّ قد ازدادت ازدياداً بيّناً في الآونة الأخيرة. وقد يكون في هذه الظاهرة دليلٌ على التحوّل الذي يصيب الحركة الطالبيّة الجامعيّة في لبنان. غير أنّ الظاهرة لا تنبئ إلى الآن عن توجّه طالبيّ جامعيّ سياسيّ غالب وشامل. فالاصطفاف الحزبيّ ما زال ناشطاً في معظم الصروح الجامعيّة اللبنانيّة، والمبايعة السياسيّة ما انفكّت تُولّد الإرباك والتشنّج والتوتّر في نفوس الطلاّب الجامعيّين وفي مسلكهم الاجتماعيّ.
ويبدو أنّ حركة الاستقلال الحزبيّ في الجامعات اللبنانيّة تعبّر عن الرغبة في تعزيز حسّ النقد الجامعيّ في وعي الطلاّب ومسلكهم. غير أنّ هذا الحسّ النقديّ لا يستند في المجتمع اللبناني إلى أصول فكريّة واضحة، ولا إلى اختبار تاريخيّ متواتر متلاحق متراكم في بنية الوعي اللبنانيّ. فاللبنانيّون، على تنوّع منابتهم وطوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، إمّا يجهلون النقد الفكريّ، وإمّا يسترهبونه، وإمّا يستكرهونه. وليس الطالب الجامعيّ اللبنانيّ في منأى عن هذا الواقع الثقافيّ.
وإذا تبيّن أنّ الطلاّب الجامعيّين اللبنانيّين يجرؤون بعض الجرأة في مجال النقد الاجتماعيّ المحض، فيُقبلون على أنماط جديدة من اللباس واللهو والمعاشرة، فإنّ هذا النقد الاجتماعيّ لا يتجاوز مستوى التأثّر السطحيّ بأساليب الغرب المنتصرة في غزوها لمجتمعات العالم الثالث. أمّا في سائر الحقول الإنسانيّة الأخرى، ومنها على وجه الخصوص الدين والسياسة والفكر، فالطالب الجامعيّ لا يملك العدّة ولا الجرأة على التمتّع الشرعيّ بحقّه في النقد والتصويب والإصلاح والبناء.
وبينما يسترهب الطالب الجامعيّ ممارسة النقد البنّاء في حقل الدين بسبب من طغيان التصوّرات الطائفيّة على الوعي الاجتماعيّ اللبنانيّ، وبسببٍ من اختلاط الإدراك الطائفيّ بوعي الهويّة الذاتيّة الجماعيّة، يعجز هو أيضاً عن ممارسة النقد البنّاء في حقل الفكر الإنسانيّ بسببٍ من ضحالة التراث النقديّ في مجتمعه اللبنانيّ والعالم العربيّ، وبسببٍ من ضآلة الزاد المعرفيّ الذي يعمل على اكتسابه في أثناء تحصيله الجامعيّ. وفي كلتا الحالتين يظلّ الطالب الجامعيّ اللبنانيّ مقيَّداً بالتصوّرات الطائفيّة والإيديولوجيّة التي يحملها إليه مجتمعُه اللبنانيّ ويعاين لها انعكاساً واضحاً في بنية الفعل الجامعيّ السائدة في معظم الجامعات اللبنانيّة.
وأمّا التقصير الفاضح في ممارسة النقد السياسيّ، فيرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعجز الذي يصيب الأداء الجامعيّ في حقل النقد الدينيّ وحقل النقد الفكريّ. فالطالب الجامعيّ اللبنانيّ لا يملك القدرة على ممارسة حقّه في النقد السياسيّ لأنّ المسلك السياسيّ اللبنانيّ يُخضع الفكرَ الإنسانيّ الحرّ لضرورات التواطؤ بين الدين والسياسة. ولذلك يعجز الطالبُ الجامعيّ وحده عن الخوض في مغامرة النقد السياسيّ لأنّه يخاف افتضاح التواطؤ القائم بين النظام الطائفيّ والنظام الحزبيّ في المجتمع اللبنانيّ. وإذا أعرضت الجامعات اللبنانيّة عن التنديد بمثل هذا التواطؤ، فلن يجرؤ الطالبُ الجامعيّ اللبنانيّ على ركوب هذا المركب الوعر.
وفي جميع الأحوال، ينبغي للطالب الجامعيّ في لبنان أن يستهلّ نشاطه النقديّ السياسيّ بضمّة من الخطوات الواعية التي تؤهّله، في ما بعد، لاختيار النهج السياسيّ اللبنانيّ الذي يلائم أفضل ملاءمة كرامتَه الإنسانيّة ورسالتَه الوطنيّة ودعوتَه الجامعيّة. وفي مقدّم هذه الخطوات ينبغي له أن يدرك معاني التقصير في هذه الحقول الثلاثة، فيسأل عن أسبابه ونتائجه وطرُق معالجته. وينبغي له خصوصاً أن يبحث الأسباب الثقافيّة البعيدة التي أفضت بالمجتمع اللبنانيّ إلى مثل هذا التواطؤ. وفي هذا كلّه يتعيّن عليه أن يضطلع بمسؤوليّة النقد البنّاء التي يوكِلها إليه التزامُه الجامعيّ. فالالتزام الجامعيّ ليس مقتصراً على التحصيل المعرفيّ التقنيّ البحت، بل هو التزامٌ يُعنَى ببناء إنسانيّة الطالب الجامعيّ في مختلف حقول الوجود التاريخيّ، ومنها الحقل الاجتماعيّ والحقل الدينيّ والحقل السياسيّ والحقل الثقافيّ.
وإذا ما تبصّر الطالب الجامعيّ في هذه الأمور فعزّز في ذاته حسّ النقد الفكريّ في السياسة، تهيّأ له أن يسلك في معارج الالتزام السياسيّ اللبنانيّ معتصماً بضمّة من المبادئ التي تعصمه من الانحراف والانجراف في تيّارات التعصّب والانعزال والعنف. المبدأ الأوّل يقضي بأن يتحوّل هو بعينه من إنسان تابع خاضع مأمور إلى إنسان حرّ مدرك مسؤول. فالطالب الجامعيّ ليس في أصل دعوته الجامعيّة عضواً مشايعاً، أو داعيةً حزبيّاً، أو موالياً يأتمر بأوامر خليّته. الطالب الجامعيّ هو إنسانُ السعي الحثيث إلى الحرّيّة في الفكر، والحرّيّة في النقد، والحرّيّة في الاختيار، والحرّيّة في التعبير، والحرّيّة في إدراك معاني الحياة الإنسانيّة ومقتضياتها ومعاني الحياة الوطنيّة ومستلزماتها.
ويُملي عليه المبدأ الثاني أن يجتهد الاجتهاد كلّه في استجلاء الأولويّات الإنسانيّة التي تنادي بها الأحزابُ السياسيّة في لبنان. ولكي يدرك حقيقة هذه الأولويّات ينبغي له أن ينظر نظراً ناقداً في بناء الفكر النظريّ السياسيّ الذي تعتمده هذه الأحزاب. فيقارن بينها وبين مضامين شرعة حقوق الإنسان والمواثيق والمعاهدات العالميّة التي انبثقت من هذه الشرعة. ومن بعد أن يقارن مقارنةً موضوعيّة، لا يجوز له أن يبايع الحزبَ السياسيّ الذي يخالف في مبدإٍ من مبادئه أو تصوّر من تصوّراته هذه الشرعة العالميّة.
وفي مقتضيات هذا النظر الناقد يجب على الطالب الجامعيّ في لبنان أن يتفطّن لمدلولات المثُل العليا والتصوّرات الإيديولوجيّة والمفاهيم السياسيّة التي تستخدمها الأحزابُ اللبنانيّة في خطابها السياسيّ النظريّ. وفي هذا السياق لا بدّ للطالب الجامعيّ من أن يربط ربطاً نبيهاً بين هذه المقولات والخلفيّة الثقافيّة التي تستند إليها الأحزاب اللبنانيّة. ولا عجب، من ثمّ، أن يقع على المفهوم السياسيّ عينه يستخدمه كلُّ حزب سياسيّ استخداماً خاضعاً للخلفيّة الثقافيّة والإيديولوجيّة التي ينتمي إليها. فليست كلّ المقولات السياسيّة التي يستخدمها الخطابُ السياسيّ في لبنان تدلّ على المعنى عينه وتستتبع الموقفَ عينه.
ويقضي المبدأ الثالث بالتمييز الفطن بين المذهب السياسيّ الذي يذهب إليه الحزب والممارسة التاريخيّة الفعليّة التي يُنجزها، سواءٌ على وجه الاقتناع أو على وجه المسايرة أو على وجه الإكراه. ذلك أنّ المخالفة العمليّة لمبادئ الحزب النظريّة تُفقد الحزبَ صدقيّتَه المعنويّة وصفتَه الأخلاقيّة. ولذلك يجب على الطالب الجامعيّ ألاّ يكتفي بالدفاع الأعمى عن أحقّيّة المبادئ النظريّة التي ينادي بها حزبُه، بل يتعيّن عليه بين الحين والحين أن يفكّ نفسَه من الالتصاق المرَضيّ بحزبه السياسيّ لكي يستطيع أن ينظر نظراً ناقداً في حقيقة القرارات والتدابير والممارسات التي يتورّط فيها الحزبُ من غير أن يقوى هذا الحزبُ على تبريرها تبريراً يناسب سموّ المبادئ التي انعقد عليها فكرُه السياسيّ.
ويستلزم المبدأ الرابع من الطالب الجامعيّ أن يضع في موضع الصدارة المطلقة مقولةَ القبول بالاختلاف الفكريّ والدينيّ والاجتماعيّ والسياسيّ. ومن محاسن هذه المقولة الفكريّة المعاصرة التنافس السياسيّ الصالح في انتهاج أفضل السبُل العمليّة الرامية إلى بناء إنسانيّة الإنسان اللبنانيّ في جميع أبعادها. وممّا لا شكّ فيه أنّ مقولة القبول بالاختلاف تقتضي التحاور البنّاء بين الأحزاب السياسيّة اللبنانيّة في سبيل البحث عن أفعل الطرُق تأثيراً في تعزيز منعة الإنسان اللبنانيّ والمجتمع اللبنانيّ والوطن اللبنانيّ. بيد أنّ لهذه المقولة الفكريّة الجليلة حدوداً لا يجوز أن تتجاوزها، وهي حدود الاعتراف بمضامين شرعة حقوق الإنسان العالميّة. ومعنى هذا القول أنّ الاختلاف السياسيّ يظلّ اختلافاً شرعيّاً في لبنان حتّى يبلغ حدود التنكّر لمبادئ شرعة حقوق الإنسان، وفي طليعتها كرامة الإنسان في ذاته لا في انتماءاته، وحرّيّة الإنسان اللصيقة بكيانه، والمساواة الأصليّة بين أهل البشر بمعزل عن الولاءات الدينيّة والانتماءات الفكريّة والمبايعات الحزبيّة، والأخوّة الفاعلة الضامنة لمساعي الصلاح والخير والعدل في المسكونة.
وأمّا المبدأ الخامس، فينطوي على مجموعة من الأصول المسلكيّة التي يجب على الطالب الجامعيّ أن يعتنقها في بناء اقتناعاته السياسيّة، وتبرير اختياره السياسيّ، وتوجيه مسلكه الحزبيّ. وفي مقدّم هذه الأصول النهوضُ إلى النقد الذاتيّ قبل الإطباق على الآخرين لانتقادهم وإظهار معايبهم والتنديد بعوراتهم. فالنقد الذاتيّ أنجع السبُل في تقويم الأداء السياسيّ اللبنانيّ، لأنّه يستنهض الآخرين أمام الرأي العامّ إلى استباق النقد الذاتيّ المقابل. ولا ريب أنّ مثل هذا النقد الذاتيّ لا يُبطل منفعة قراءة الذات السياسيّة في مرآة الآخرين.
ومن هذه الأصول تهذيب الوعي السياسيّ في الذات الطالبيّة الجامعيّة حتّى تنقلب حماسةُ الانتماء الحزبيّ مظهراً من مظاهر الاقتناع العقلانيّ بصوابيّة التصوّر الفكريّ. ذلك أنّ الأمانة الحزبيّة لا يمكن أن تصبح في مسلك الطالب الجامعيّ تعصّباً أعمىً وانغلاقاً في الفكر وانسداداً في الحوار. فحماسة الانتماء والأمانة لا تعنيان التهوّر في الخطاب وتشويه الحقائق وتقبيح الأشخاص وتبرير الوسائل تبريراً ملتوياً في سبيل البلوغ إلى الغاية المنشودة. فالوسيلة الفاسدة، كالعنف مثلاً، تظلّ وسيلةً فاسدةً على الرغم ممّا قد يناصرها من استقامة في مشاعر المحازبين وأمانتهم. ذلك أنّ «الحقّ لا يصبح حقّاً بكثرة مشايعيه»، على نحو ما ذهب إليه قدماء الفكر العربيّ.
ومن هذه الأصول أيضاً ضرورة الإقلاع عن الهتاف للزعيم وتبجيله وتعظيمه حتّى الإكرام الجنونيّ. ومع أنّ هذه العادة الاجتماعيّة متأصّلة في وعي الإنسان العربيّ الشرقيّ، فإنّ الطالب الجامعيّ لا يجوز له أن يخضع لهذا التقليد الاجتماعيّ السقيم. وحين يتعيّن على الطالب الجامعيّ أن يهتف هتافاً سياسيّاً، فالهتاف لا يليق إلاّ للمبادئ الإنسانيّة العظمى وللمثُل السياسيّة السامية. ذلك أنّ الفعل السياسيّ في المجتمع اللبنانيّ تكتنفه ظلالُ التشويه الصريح المتعمّد لمضامين شرعة حقوق الإنسان. فالزعيم لا يلبث أن ينصّب ذاتَه إماماً معصوماً في تفسير هذه الشرعة الإنسانيّة العالميّة، وإماماً معصوماً في تفسير التصوّر الفكريّ الذي يقوم عليه الحزبُ السياسيّ، وإماماً معصوماً في تفسير القرارات والتدابير التي ترسمها قيادةُ الحزب. غير أنّ الطالب الجامعيّ ينبغي له أن يدرك أنّ تفسير الزعيم إنّما يخضع في الغالب من الأحيان لمصالح الحزب وقيادته وطمعهما الدائم بالسلطة. وعلى قدر ما يستقيم الهتاف للمبادئ، تصبح عمليّةُ التفسير السياسيّ لمبادئ شرعة حقوق الإنسان عمليّةً جماعيّةً تعتمد الشورى الديموقراطيّة في إدراك الضرورات التاريخيّة التي تستتبعها تجلّياتُ هذه الحقوق في قرائن المجتمع اللبنانيّ.
* أستاذ الفلسفة والحوار في جامعة الروح القدس (الكسليك)