أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، أن «المفاوضات المزمع عقدها بين الأطراف السورية لن تجرى قبل ثلاثة أسابيع». سمعت بعض الأقاويل والتحاليل الصادرة عن بعض الأطراف المتفاوضة، حول أنها لا ترى شهر رمضان شهراً مناسباً لعقد جولة مباحثات جديدة في جنيف، هذا منطقها وهذه بعض برقياتها:

السيد دي ميستورا،
ما زلنا نراك متبرماً حائراً متردداً، لا تعرف كيف تحدد تاريخاً دقيقاً للموعد الجديد!
كيف سولت لك نفسُك أن تفكر في أن تجعله في شهر رمضان!؟
ومن قال لك إن شهر رمضان مناسبٌ لمفاوضات جنيف، وجلسات الصلح والتفاوض وحقن الدماء وإنهاء الحروب العبثية الكارثية، وإطفاء حفلات الجنون الدائرة منذ نصف عقد بين أبناء الشعب السوري الواحد، يجب أن يؤجل كلُّ ذلك!
رمضان، شهرٌ لم يخلق بين المسلمين والعرب لكلِّ هذا، بل خُلق للقتال وسفك الدماء وصراعات السلطة واجتياح المدن والبلدات والقرى وتهجير الناس وتحويلهم إلى نازحين ولاجئين كالأيتام على حدود اللئام، يطلبون عونهم وخيمهم وفضلات موائدهم.
يجب عليك ــ أيها الصليبي دي ميستورا ــ أن تحترم طقوسنا الدينية والأخلاقية في هذا الشهر الكريم، وأننا سنكون منقطعين للتعبد والتهجد وللجهاد المقدس في ديار المسلمين والمسالمين بينهم، ستكون وفودنا المفاوضة القادمة من ديار الله المقدسة وحرميه الشريفين منشغلةً في صف الموائد وتلقي العظات والدرر الشريفة، وأحاديث إشعال الثورات، والتغلب على العدو القريب للوصول إلى المأرب بكل سبل الحرب والدعم الخارجي... من كتب الصحاح يلقيها شيوخ أفاضل دعاة يملكون مفاتيح الجنان ويرون الملائكة كجنود لهم في قلب السماء، دعاة يسوقون الناس إلى الحروب فالجنةِ زرافةً ووحدانًا. سنظل مصرين على الوصول إلى أهدافنا، إلى حيث هي كراسي السلطة، ولو تجندلت مئات ألوف الضحايا، وهجّرت ملايين البشر وتخربت الديار، ووطئت الأوطان لأقدام الغرباء، فسنُقدم ـ ولو متأخرين ـ ونحن نرفع رايات النصر في مواكب الأعداء وتحت ظلال حرابهم وأسلحتهم الثقيلة.

سنكون مشغولين بعشرات البرامج المصدِّرة لنا كل توافه العالم

لتعلم أننا في شهر الجهاد وشهر انتصارات المسلمين، سنقوم فيه بالتجييش والتحريض وتشكيل جيوش الفتح لنغزو بلداننا التي يرفع به الآذان، ويردد فيها «الله أكبر» في كل المساجد، لننشره من جديد على كل الجبهات المتقاتلة والمتواجهة في المتاريس المتقابلة، وسنجعله الشعار الذي يردد عند جز الرقاب الآمنة، وعند استحلال البيوت والأرزاق والأعراض المحرمة.
لتفهم ـ يا هذا ! ـ أن رمضان شهر للصيام عن الطعام ومجالدة النفس عن الهوى، ولقيام الليل بالجهاد والسهر على نشر «البوستات» والمواعظ عن الدين والأخلاق. ليس لدينا فيه وقت لكل ترهاتك وسفسطتك من وراء نظارتك المعلقة على أرنبة أنفك، حول وقف الأعمال العدائية والتفاوض والتصالح وعن الكف عن تسجيل أسماء أخرى، وإضافة كتاب ثالث لكتابيك الضخمين المسجل فيهما أسماء ضحايا الحرب السورية.
سنكون منشغلين بعشرات برامج التلفاز والمسلسلات المصدِّرة لنا كل توافه العالم، وبأوراق وقصص تاريخنا الإشكالي النتن. سننشغل في رمضان بالموائد العامرة ورص أنواع الطعام وفرش نماذج لموائد الرحمن، نلمّ عليها بعض العمال الأجانب وفقراء العالم الآخر... ولا بأس أن نجمع زكاة من أموالنا وصدقات لدعم «ثورات الشريعة» و«ربيع الحرية» الدامي في بلاد المسلمين. ولا بأس من مزادات وحفلات بكاء وشفقة واسترحام، تملأ الشاشات وتشعل أيامنا وتوقظ ليالي أسحارنا الطويلة، نبيع فيها ألم المهجرين وعذابات الفقراء والنازحين واللاجئين، ونذرف عليهم الدمع السخي والعبرات الدافقة، كي نجمع لهم باروداً وقنابل ومدافع وصواريخ وزغاريد وهلاهل وأناشيد حماسية «لنولع» الجبهات المشتعلة بكل أنواع الحروب المذهبية والعرقية والطائفية من جديد!
ستشغلنا في رمضان، بعد وجباتنا الدسمة الثقيلة، النقاشات المحتدمة على «فايسبوك» و«تويتر» وصفحات الانترنت. سنهتمّ بالدفاع عن ربقة الإسلام وعظمته، عن تعاليمه السمحة وتاريخه المجيد، وسنثبت بكل طاقتنا أننا نحن وحدنا «الفئة الناجية» وسنعمل بكل ما نملكه من العلم الصحيح، ذي الرؤية الواحدة بالحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من أحد جوانبه. سنعمل على زج كل أتباع الأديان الأخرى والطوائف والمذاهب والأقليات، بما فيهم أتباعك ومن على شاكلتك ورهط قومك، في نار الله الحامية، ليعيشوا فيها خالدين مخلدين، لا نخرجهم منها أبداً. ألسنا نحن مُلاكها؟ ولنا بها ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر! ألسنا نحن دعاة وقضاة وحراساً على أبوابها نملك أقفالها ومفاتيحها! ألسنا من سنسوق الناس إليها ولو رغماً عنهم بالسياط والحدود وتسريع الآجال.
سنقرأ القرآن، فرمضان شهر القرآن عندنا، وليس لترهاتك ولفكرك العلماني الواهي، وليس لمنتجات الفرنجة الكفرة من توافه العلوم وسقط الفلسفات والأخلاق، سنتسابق فيه إلى حملات ختمة تلاوة كتابنا الكريم، فيصبح المشتركون فيها ملايين القراء من أصقاع العالم الواسع، فنتلوه مرة وثانية وثالثة، فتسوح آياته في طول الكون وعرضه، ستنهمر عباراته المنمقة وآياته البليغة من أشداقنا، ستُسمع أصوات القلقلة والغنة والتخفيف وألحان التجويد وتعشيق الحروف من كل البيوت، وستردد فوق المآذن وجدران التكايا والمساجد... قد لا نقرأه بتمعنٍ وتدبرٍ كما ينبغي، ستكون رؤوسنا كمرجل نزوات وفرن رغبات، وقد لا يتوقف كثيرون منا ومن شيوخنا وعلمائنا الكبار عند آية: «فاصلحوا بين أخويكم»، إذ يكفينا ثواب القراءة والتلاوة، الشيء الذي لا يدركه الصليبيون!
سننشر المواعظ الذهبية والدرر الشريفة وقيم الأخلاق الحميدة لتملأ كل الجدران وصفحات الأصدقاء بلا طلب أو استئذان، حتى يظننا العابر عليها ملائكة وأولياء صالحين.
قد يستفزنا بعض الطائفيين والجهلة والحمقى والضلال، فنضطر للذود عن صحيح الدين والمعتقد ومنهج ثورات «الناتو»، فنقع في جاهليتنا الأولى وزمن السبي والسلب والنهب وغارات الثأر واجترار الأحقاد. فدمنا الذي لا يشبهه دمُك الأزرق البارد ـ أيها الصليبي ـ معجون بنخوة عمرو وحكمة زهير وشجاعة عنترة. دمُنا نفطٌ جاهزٌ للانفجار، مستخرجٌ من أوعية أجسادنا المترعة بالكلام والوجدانيات والخرافات القديمة، لا يلزمه إلا عواد ثقاب أو دعوة من جاهل لنزال أو غارة أو غزوة.
ليس لدينا وقت لك ـ يا صاحب الدم البارد! ـ فلنا حروبنا المشتعلة ولنا جاهليتنا الأولى، ولنا أشعارنا وأحقادنا وثأرنا الذي يصحو ألف مرة كلَّ سنة، فنأخذه ولو بعد ألف عام. لن تفهم لغتنا وستتوه في دهاليز عقولنا البدوية المعقدة، وستدهش لوعورة السير في تلافيف أدمغتنا المتحجرة. ستطلب النجاة منها فلا تجد بصيص نور وهداية. ستجدنا وقد دخلنا عصر الفتن بأقدامنا مهرولين ـ نحن أكثر من حذّرته كتب الله وتعاليم نبيّه من السقوط فيها ـ ولن نعود من جاهليتنا الأولى وبدويتنا الموحشة، ولو كثر الأدلّاء وتعددت الآيات، فطرقنا كثبان أحقاد متغيرة لا أثر فيها لخطوات العقلاء، ستطمسها رياحُ نفوسنا وزفراتُ قلوبنا. إنه عصر التيه يُستولد فينا من جديد.
هذا هذرنا وكلامنا ومواعظنا وشعاراتنا الكثيرة، وهذه حالنا البائسة المزرية التي تراها، فأنّى لحكمتك وعقلك البارد كصقيع بلادك أن يطفئ ما فينا من صلف وعنجهية وعناد وغباء وتكبر، وكيف له أن يلغي تراثاً عريقاً عامراً وحكمة عتيقة وتقاليد مورثة من لدن داحس والغبراء ولغاية حرب سوريا وغارات ليبيا وعواصف اليمن؟!
* كاتب سوري