يشاء القدر أن تُصادف مئوية جمال عبد الناصر مع الذكرى الأولى لوصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، أو قُل لوصوله إلى الحكم رسمياً بعد انتخابه في ٢٠١٤، مقابل وصوله إلى الحكم فعلياً بعد إزاحة محمد مرسي عام ٢٠١٣. مفارقة القدر يمكن استيعابها أكثر إذا نظرنا إلى المتعلقات التي تركها عبد الناصر في حيازته حين رحل، مقارنةً بالزمن الذي نعيش فيه.


نرى في متحف عبد الناصر في منزله في منشية البكري علبة سجائر كوبية، في حين أن حديث الساعة قبل أسابيع في القاهرة هو ما إذا سيترشح محب السجائر الأميركية «روثمانز» محمد أنور عصمت السادات، ذلك السياسي الذي يعوّل على كونه ابن شقيق الرئيس الراحل، الذي اغتيل، محمد أنور السادات. كلاهما يعبّر عن الحقبة التاريخية وولائهما الأيديولوجي: سجائر عبد الناصر الكوبية تكرّس منظوره العام لحركات التحرر الوطنية والانتصار بطعم الشراب الشهير «كوبا ليبره Cuba Libre» («فلتعيش كوبا حرة») الذي كُرس نكايةً بالأميركيين لمحاولتهم الفاشلة السيطرة على كوبا والذي كان أيضاً اسم حركة التحرر الوطنية الكوبية. وإن كان هناك مساعٍ أن يتكرر الهتاف نفسه ــ مصر حرة مصر ليبره ــ أثناء حكم عبد الناصر بعد جلاء الإنكليز، رغم محاولتهم احتلال مصر مجدداً في العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، فاليوم عاد الاحتلال، لكن من خلال عميله الوفي الذي لا يملّ ولا يكلّ في امتصاص موارد مصر وتحويلها إلى الغرب، مقابل عربون صداقة من إنكلترا: دول البترودولار، أي الخليج.


هل ستشهد مصر عودة للذاكرة المكبوتة في شكل أحداث عنف غوغاء؟


أما محمد أنور عصمت السادات، المعارض المعتدل الذي يُفضِّل السجائر الأميركية، فهو تعبير واضح عن الاتجاه العام ثقافياً نحو أميركا وإن كان يبدو أنه يختلف سياسياً مع السيسي حتى تمت إزاحته من مجلس النواب. رأب الصداع الذي يسببه محمد أنور عصمت السادات لا يتطلب بالضرورة إسكاته من الترشح للرئاسة، فهو بأقصى تقدير يعبّر عن توجه أكثر حنكة من السيسي، لكن بجميع المقايس لا يعبر عن أفكار تحررية مثل حقبة عبد الناصر التي بالفعل دعمت حركات التحرر عبر العالم. ومن هنا، تبدأ عملية سطو الذاكرة الوطنية، حتى معارضو السيسي يشاركونه في سطوته للتاريخ وينكرون الإرث الفكري لعبد الناصر. لا أحد يعترض على آليات السوق الحرة التي تعيد سيطرة الغرب من جديد على مصر، نرى تأجير الأهرامات لدولة الإمارات، وإسناد عملية تأمين بعض المطارات للشركة الإنكليزية كونترول ريسك، وبسخرية مريرة ترفض إنكلترا عودة سياحها إلى شبه جزيرة سيناء، بحجة عدم وجود تأمين كافٍ لسياحها، رغم الامتياز الذي حصلت عليه لتأمين بعض المطارات. شتان الفرق بين هذه العملية المؤلمة لخصخصة موارد البلاد وتأميم عبد الناصر شركات البلجيكيين بعد اجتياحهم بلاد الكونغو واحتلالها وكذلك تأميم شركة قناة السويس التي في عهد عبد الناصر عادت إلى أيدٍ أجنبية بعدما أصبحت القناة منذ تسعينيات القرن العشرين تؤجر أحد موانئ القناة في بور سعيد للشركة العالمية ميرسك بعدما أعطيت امتياز هذا الميناء. بدأت القصة في عام ١٩٩٩ حين أصبحت شركة ميرسك صاحبة امتياز شرق بور سعيد لحفر تفريعة وإدارة ميناء التفريعة. وفي عام ٢٠٠٧، أضيف ملحق يعفي الشركة من أي رسوم تدفعها الحاويات إلى الحكومة لمدة عشرين عاماً، بدايةً من عام ٢٠٠٨، لكن الخديوي إسماعيل رضخ لشركة قناة السويس العالمية، التي كان مقرها في فرنسا، لإعطائها امتياز قناة السويس مجدداً.
إن كان السيسي يردد أقاويل ومزاعم محاربة الغرب، فشتّان بينه وبين عبد الناصر الذي لديه وسام من الاتحاد السوفياتي على شكل فلاديمير لينين، رغم اختلاف عبد الناصر مع الاتحاد السوفياتي بخصوص كون الوحدة العربية أحد أشكال الوطنية التي تدعم الرأسمالية. إلا أن الفرق بين نيشان لينين وقلادة الملك عبد العزيز التي منحها الملك عبد العزيز آل سعود يحدثنا عن مدى الانبطاح الذي وصلت إليه حال مصر الآن. تلك القلادة كانت استثماراً مهماً للسعودية بعدما رضخت مصر وتنازلت عن جزيرتين رغم معارضة شعبية، فالسيسي يسير بخطى واضحة نحو مسيرة السادات التي تنازلت عن قرية أم الرشراش (إيلات) للكيان الصهيوني.
ولكن هذا لا يعني أن الأميركيين لم يحاولوا شراء عبد الناصر، فنرى في متحف منشية البكري ــ بيت عبد الناصر سابقاً ــ ساعة سويسرية قدّمتها له الحكومة الأميركية، رغم كون هذا أمراً مريباً إلا أنه ليس بعجيب، فقد حاولت السي آي اي رشوة عبد الناصر من خلال إعطائه بعض ملايين الدولارات من أجل «معدات تأمين الرئاسة المصرية» كما يسرد مايلز كوبلاند ــ ضابط السي آي ايه في كتابه. لكن جاءت الصفعة مدوية بعدما قرر أن يبني بتلك الملايين برج القاهرة نكايةً بالأميركيين، وعُرف بعدها برج القاهرة باللغة الإنكليزية باسم آخر: قضيب روسفيلت وكأنه على هيئة إصبع أوسط يسبّ الأميركيين علناً. بين الحين والآخر، يحاول السيسي أن يقلد عبد الناصر، مثلما حصل حين استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مطعم برج القاهرة ليُذَكِّر الأميركيين بصفعة عبد الناصر لهم، أو على الأقل يقوم بتمثيل الدور. لكن السيسي في حقيقة الأمر كاو بوي (Cow Boy)، ينفذ مساعي الأميركيين بكل سمع وطاعة.
أثناء الحملة الانتخابية، خرج لعموم المصريين خبر صحافي ناتج من «تسريب» للسيسي يتحدث إلى رئيس تحرير جريدة عن حلم كان يرتدي فيه ساعة سويسرية «أوميغا» وأكنّها نبوءة عن وصوله إلى طبقة معينة من خلال اقتنائه ساعة بذلك الثمن الباهظ، فهو عبارة عن نتاج للطبقة الوسطى القاهرية التي بنت ثروتها من خلال التجارة وليس رأس المال الصناعي أو الذي يقع في قطاع خدمي إنتاجي (مهندس، أو مدير مالي، أو محامٍ)، فهو ابن منطقة الجمالية، من أسرة تتاجر هناك، لا تعرف قيمة الإنتاج أو تفهمه وترى كل عملية الإنتاج على أنها حرفة وصنعة التاجر القديم الذي يعرف حركات السوق قبل أن تحدث، ويمكنه أن يحلب السوق من قرشين، وأكنه شاهبندر البلد الذي خلع جلابيته وقفطانه (أو جفطانة كما يقولون الصعايدة) بعدما ترك وكالته في البلد وذهب إلى القاهرة سعياً وراء مكاسب جديدة مرتدياً البزة اللامعة وتاركاً شبشبه ومنتعلاً حذاءً جديداً ما زال يجد صعوبة في المشي فيه.
كان طبيعياً أن يسيطر دونالد ترامب على السيسي في لقائهما الأول، فحين بادر وامتدح السيسي ترامب وقال إنه رئيس ذكي وفطن، سيطر ترامب على السيسي في جملة واحدة قصيرة قاتلة: «حذاؤك جميل!». وكأنه بهذا المديح انضم السيسي إلى صفوف رجال الأعمال الذين طالما حلم أن يكون واحداً منهم، مثلما حلم بارتداء ساعة أوميغا يوماً من الأيام. ولكن كي تصير كاو بوي، عليك أن تفعل ما يفعلونه أولئك الكاو بويز، فالأميركيون حالياً يواجهون أزمة مجتمعية في ما يخص فيضان وسيل من خروج نساء عدة عن صمتهن بخصوص التحرش الجنسي في أميركا وأحياناً الاغتصاب في محل عملهن.
فلذا شهدت مصر في عهد السيسي، بعد آخر تغيير وزاري في ١٤ يناير/ كانون الثاني، أكبر عدد نساء وزراء في تاريخ البلاد: ستة وزراء نساء، الأمر الذي احتفلن به بعض النسويات. رغم كون هذا مكسباً بالتأكيد يعطي دفعة رمزية لإمكانية وصول النساء إلى مواقع قيادية، إلا أن هذه هي حدوده ومردوده: تأثير سطحي على الصعيد الرمزي فقط. قارن هؤلاء النساء اللواتي أتين بعضهن من مواقع نيوليبرالية مثل وزيرة السياحة راني المشاط التي عملت في صندوق النقد بأول وزيرة في تاريخ مصر التي أتت في عهد جمال عبد الناصر: حكمت أبو زيد. درست أبو زيد في قسم التاريخ في كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول تحت عميد الكلية طه حسين وذهبت إلى جامعة سانت آندروز لتحصل على ماجستير ثم الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن في عام ١٩٥٥ على عكس المشاط التي حصلت على الماجستير والدكتوراه من كلية بارك كولج في جامعة ماريلاند في الاقتصاد الدولي.
ليس غريباً إذاً، أنه في الآن نفسه تصل رانيا المشاط وتبدأ مصر التخلي عما أمّمه عبد الناصر وحصّل عليه كأملاك للشعب من قصور ملكية تم تحويلها الى فنادق حتى تدير دخلاً لخزانة الدولة. إذ لا تزال خطة صندوق النقد مستمرة في خصخصة تلك القصور وإقصاء دور رأس مال الدولة حتى تصبح كازينو للرأسمال الأجنبي، لكن مقابل ذلك، تسطو الذاكرة مادياً عبر خصخصة ما تم تأميمه من قصور ملكية التي أصبحت فنادق وجزءاً من قطاع السياحة المصري. تتم أيضاً سطوة الذاكرة الوطنية فكرياً عبر تناسٍ متعمّد للمكاسب التي حققها عبد الناصر وباقي سياساته التي حاول أن يحققها وحاربه الغرب أو النخبة الليبرالية المتبقية منذ العهد الملكى التي لم يكملها. هل سيبقي من يتذكر هذه الفنادق بعد خصخصتها بأنها كانت يوماً من الأيام ملك الشعب أو جزءاً من سياسات تأميم ناجحة؟
ولكن رأى الشعب المصري أن ذلك كله حسن، فطالما هناك مسلسل تلفزيوني أثناء رمضان مثل الغراند هوتيل تدور أحداثه في أحد تلك الفنادق التي كانت قصراً ملكياً، ولكن تعيد الحنين إلى الماضي الملكي فلا بأس من الخصخصة. لا أحد يتذكر، أو ربما يتناسى عن عمد وكبت، أن ذلك المسلسل مسروق من نظيره الإسباني الذي كان يحمل الاسم نفسه، ولا أحد يذكر أن مقر تصوير الفندق ــ فندق الكتاراكت الذي تمتلكه الدولة المصرية الآن ــ كان يوماً من أيام الاستراحة للخديوي إسماعيل الذي استقبل فيه الإمبراطورة أوجينيه في افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩ ثم باعه للإنكليزي فردريك هيد Fredrick Head الذي باعه بدوره لأسرة أخرى باسم اللوك ــ كينجز (The Locke-Kings) الذين بدورهم حوّلوه الى فندق أقام فيه أمثال وينستون تشيرشل وصار مصدر إلهام للروائية الإنكليزية أغاثا كريستي التي قررت أن تدور أحداث رواية موت على ضفاف النيل (Death on th Nile) في الفندق.
هل سيتذكر المصريون أن الحكومة كانت تمتلك فندق الكتاراكت يوماً من الأيام إذا أمضت وزيرة السياحة رانيا المشاط ووزير المال في خطة صندوق النقد في خصخصة الأصول المصرية؟ هل يستمر مسلسل سطوة الذاكرة، أم هل ستشهد مصر عودة للذاكرة المكبوتة في شكل أحداث عنف غوغاء مثلما حدث مع السادات حين حاول أن يمحو الماضي ويغلق صفحة تاريخ مصر التحرري؟
* كاتب مصري