مع قرب انتهاء ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية الرئيس ميشال سليمان، ووجود جو سياسي متوتر في لبنان يتعذر معه تأليف حكومة جديدة يرأسها الرئيس المكلف تمام سلام، يخشى الكثيرون من الذهاب إلى فراغ دستوري على صعيد السلطة التنفيذية (بعدما جرى تلافي الفراغ بالنسبة الى مجلس النواب عبر إصدار قانون مدد ولايته).


وقبل الغوص في «الفرضيات» التي تعدّ نوعاً من أنواع الفراغ، يجب التطرق إلى بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، التي منحه إياها الدستور، لتتبين تأثيراتها بالرغم من قيام السلطة في لبنان على نظام برلماني عماده مبدأ الفصل بين السلطات وصلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية.
نصت المادة 49/1 من الدستور على أنّ رئيس الجمهورية هو «رمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لاحكام الدستور. يرأس المجلس الاعلى للدفاع، وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء».
كذلك نصت المادة 53 من الدستور على أهم صلاحيات رئيس الجمهورية التي تقع في: ترؤس جلسات مجلس الوزراء دون الحق في التصويت (مادة 53/1).
تسمية رئيس الحكومة بعد استشارات نيابية ملزمة (مادة 53/2).
إصدار مرسوم تعيين رئيس حكومة مكلف منفرداً (مادة 53/3).
التوقيع مع رئيس الحكومة المكلف على مرسوم تأليف الحكومة (مادة 53/4).
إصدار مرسوم استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة (مادة 53/5).
دعوة مجلس الوزراء الى اجتماع استثنائي بالاتفاق مع رئيس الحكومة (مادة 53/12).
من هنا يتبيّن أنّ الدستور اللبناني وضع رئيس الجمهورية على رأس السلطة التنفيذية (ولو شكلاً لكون أغلب صلاحياته يمارسها عبر مجلس الوزراء)، إلا أن الدستور أعطاه بعض الصلاحيات الحصرية يمارسها منفرداً (المادة 53 خير مثال)، ولها آثار قانونية كبيرة ومهمة.
بناءً على ما سبق، كان لا بد من طرح بعض الإشكاليات والبحث لها عن حلول في نصوص الدستور اللبناني لتحاشي الوقوع في الفراغ، وذلك عبر طرح فرضيات معينة وتحليلها بما ينطوي بعضها على جدليات فقهية متعددة، أهمها:

1ــ الفرضية الأولى: بقاء حكومة تصريف الاعمال الحالية.

في هذه الحالة، تنتقل صلاحيات رئيس الجمهورية اليها وكالة بناءً على المادة 62 من الدستور، ولا ندخل في فراغ دستوري لكون الحكومة الحالية مكلفة بموجب المادة 64/2 تصريف الاعمال، وعدم قدرة رئيس الحكومة المكلف على تأليفها قبل انتهاء ولاية الرئيس.

2ـ الفرضية الثانية: صدور مرسوم تأليف الرئيس تمام سلام.

وهنا يجب التطرق إلى حالتين:
نيل حكومة الرئيس تمام سلام للثقة في مجلس النواب: وبذلك تصبح الحكومة قائمة وذات صلاحيات كاملة، وفي حال خلو الرئاسة الاولى، تتسلم مهمات الرئاسة وكالة بناءً على المادة 62 السابقة الذكر.
تأليف الرئيس تمام سلام للحكومة وعدم نيلها الثقة: تتسلم هذه الحكومة مهمات تصريف الاعمال بدلاً من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لكونها صدرت بمرسوم جمهوري دستوري أدى الى تأليفها ولو لم تنل الثقة (وهي ضمن صلاحية رئيس الجمهورية في المادة 53/4)، وذلك حتى قيام رئيس الجمهورية بالدعوة الى استشارات نيابية ملزمة لتكليف رئيس حكومة جديد.
ولفهم هذا الاستنتاج «الغريب» يجب توضيح أمر مهم للغاية. جرت العادة بعد تأليف كل حكومة وقبل نيلها للثقة وخلال إعدادها للبيان الوزاري، قيام الوزراء المعينين بتسلّم وزاراتهم من وزراء حكومة تصريف الاعمال في حفل يسمى «التسلم والتسليم». يرد بعض المحللين السبب في هذا الإجراء إلى وجود العنصر السوري في لبنان وقتها، وأن كل الحكومات التي تألفت كانت تجري بالاتفاق مع القيادة في سوريا، وأن مصيرها سيكون نيل ثقة مجلس النواب حكماً، ولهذا السبب يجري التسليم والتسلم كإجراء شكلي لا غير. ومع انتفاء هذا العنصر حالياً، لا يمكن الحكومة المشكلة بمرسوم حتى من تولّّي مسؤولية تصريف الأعمال. لكن بالعودة إلى كل من نصوص الدستور والواقع العملي يتبيّن قانونية تولّي الحكومة المشكلة تصريف الاعمال نيابة عن المستقيلة، إذ نصت المادة 64/2 صراحة على أنه «لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة الا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال». وبقراءة متمعنة للنص، تظهر فيها ثلاث حالات ينحسر فيها دور الحكومة في مهمة تصريف للأعمال:
الحكومة المشكلة قبل نيلها الثقة، أو الحكومة المستقيلة، أو الحكومة المعتبرة مستقيلة (المادة 69 من الدستور).
إضافة إلى النص الدستوري الصريح، تُشكل حفلات التسليم والتسلم المتكررة عرفاً دستورياً بغض النظر عن الواقع السياسي الذي أوجدت فيه، لكونه جرى قبولها كإجراء قانوني على مدى طويل من الزمن وحكومات متعاقبة ومتعددة.
قياساً على ما سبق، تستطيع الحكومة التي لم تنل الثقة تسلم صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة إذا ما حدث أي فراغ في سدة الرئاسة الأولى.

3ـ الفرضية الثالثة: قيام رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم تأليف الحكومة وخروجه من الحكم.

هذه «فرضية جديدة» تقوم على قيام رئيس الجمهورية بإصدار مرسوم تأليف الحكومة وانتهاء ولايته قبل أخذ الحكومة المشكلة للثقة. وأبرز مثال على هذه الفرضية ما حدث عام 1988 عندما عيّن الرئيس السابق للجمهورية أمين الجميل قائد الجيش حينها العماد ميشال عون رئيساً للحكومة بعد استشهاد الرئيس رشيد كرامي وتعذر تأليف حكومة، إذ كان ذلك تصرفاً قانونياً غايته منع الوقوع في فراغ السلطة.
بالعودة إلى ما يحدث اليوم، تعدّ الحكومة المؤلفة هي من تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة عند انتهاء مدته لكونها تألفت بموجب مرسوم جمهوري دستوري صحيح صدر عن مرجع مختص. استنتاج «غريب» آخر.
يرى بعض من السياسيين وحتى القانونيين أن حكومة تصريف الأعمال الحالية هي الأجدر بتولي المسؤولية في حال خلوّ سدة الرئاسة الأولى، لكونها قد نالت ثقة المجلس النيابي من قبل، وليس للحكومة المشكَّلة نفس القيمة التي تحظى بها الاولى. ويرى البعض أن هذا الطرح مردود عليه لتضمّنه مغالطات متعددة تظهرها بعض الاسئلة المطروحة أدناه:
ألم تفقد الحكومة السابقة ثقة البرلمان بمجرد توقيع رئيس الجمهورية مرسوم استقالتها وتكليفها تصريف الأعمال؟
ماذا لو أرادت حكومة تصريف الاعمال العودة الى الحكم مرة أخرى؟ هل تكفيها ثقة المجلس السابقة أم هي بحاجة الى بيان وزاري جديد ونيل ثقة أخرى؟
هل يمكن محاسبة حكومة تصريف الاعمال سياسياً بعدما أُسقط هذا الاجراء باستقالتها كي يجري التمسك بها واعتبارها أجدى من الحكومة المشكلة؟
كيف يُسقط توقيع رئيس الجمهورية الثقة عن الحكومة السابقة ويحق لها تصريف الاعمال، بينما لا يعطى نفس الحق لحكومة مشكلة من قبل الرئيس بناءً على صلاحيات حصرية نص عليها الدستور؟
هل الاعمال التي ستقوم بتصريفها الحكومة المستقيلة غير تلك الاعمال التي يمكن الحكومة الجديدة تصريفها؟
كيف تستطيع حكومة تصريف أعمال أن تتسلم صلاحيات رئاسة الجمهورية وكالة ولا تستطيع حكومة تشكلت بعدها بمرسوم دستوري أن تتسلم مثل هذه الصلاحية؟
إن هذا الرأي يغلب عليه الطابع السياسي أكثر منه قانونياً، فالحكومتان ليس لهما سوى تصريف الاعمال وبالمعنى الضيق، سواء كانت مستقيلة أو مشكلة، وقبل نيلها الثقة أو عدم نيلها لها.

4ـ الفرضية الرابعة: مصير مرسوم التكليف

ما هو مصير مرسوم تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة في حال تمديد أو تجديد ولاية رئيس الجمهورية أو انتخاب رئيس جديد؟
في حالتي التمديد والتجديد، ما من مشكلة حقيقية لكون رئيس الجمهورية الذي أصدر مرسوم التكليف لم يتغير، فمدة ولايته الجديدة تعدّ تكمله للمدة التي سبقتها.
أما في الحالة الثانية، فينتهي مفعول مرسوم التكليف وتجري الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة جديدة لتكليف رئيس للحكومة، وذلك لعدة أسباب أهمها:
إن بدء ولاية رئيس الجمهورية يعد حالة من حالات اعتبار الحكومة مستقيلة، وهذا ما ورد في المادة 69/ 1/ د، فكم بالأحرى الحال في مرسوم رئيس حكومة مكلف.
رأى الدستور أن رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية. من هنا، يكون له الخيار في تكليف رئيس حكومة عهده الجديد من دون التقيّد بما تركه له سلفه.

خلاصة: لكي لا نقع في الفراغ

إن الهدف الاساسي من هذا التحليل يبقى في تجنب الوقوع في فراغ السلطة، وهو الهدف الذي يكون في ذهن واضعي الدساتير، والقاعدة التي يجب أن يبني عليها السياسيون أولوياتهم، والعرض السابق للفرضيات يبين صعوبة القول بوجود الفراغ الدستوري في الحكم. وحالة الفراغ غير قائمة دستورياً لوجود حكومة تصريف أعمال قائمة، أو حال قيام رئيس الجمهورية بتأليف حكومة برئاسة الرئيس تمام سلام.
هذا لا يعني أن تبقى الأمور على هذا النحو، أي من دون تأليف حكومة قوية وقادرة على مواجهة التحديات التي يمر بها لبنان اليوم، سواء كانت داخلية أو خارجية. وليس القصد إبقاء حكومة تصريف أعمال لا تجتمع، أو تأليف حكومة جديدة يصيبها الشلل بسبب عدم تهيئة المناخ السياسي المناسب لمنحها الثقة، أو تأليف حكومة أمر واقع (على غرار حكومة عام 1988)، بل القصد إيجاد حل توافقي بين الأفرقاء، والبحث عن آليه معينة تمنع الاختباء وراء كلمة «الفراغ» عند كل منعطف حاسم أو التهويل بهدف جني مكسب سياسي أو تجنّب خسارة سياسية. إن الفراغ الحقيقي الذي نعاني منه هو الفراغ السياسي بامتياز، فالقاعدة السحرية البارزة في لبنان: «حلَّت الخلافات السياسية، ابتدعت الحلول القانونية».
* باحث في الشؤون القانونية