ترددت كثيراً في المشاركة على قاعدة قانون انتخابي غير دستوري. وكنت أتمنى تنظيم عملية واسعة من الاعتراض عليه. لكني لن أفوت فرصة التصويت لأنه حقّ من حقوقي المدنية. ولن أستقيل من دوري الوطني لأن المقاطعة لا تفيد. ما يعنيني بالدرجة الأولى، أنا المواطن المقيم والمغترب معاً، والغيور على «مواطنية» لا يجدها إلاّ في أحلامه، هو حاصل انتخابي واحد: مقدار التأسيس للمواطنة في المستقبل.

أبدأ أولاً بإعلان رفضٍ قاطع لروحية القانون الإنتخابي لأنه ملغّم وخبيث ويُهمّش فكرة المواطنية. وهو الذي أتى بعد مخاض طويل انتهى إلى اتفاق تعاونية الزعماء إياهم على تجديد نظام المحاصصة في ما بينهم، وحصر المنافسة على عدد قليل من المقاعد. اعتمد النسبية وجوّفها. رسم دوائر انتخابية تراعي المذاهب وحصر الصوت التفضيلي في القضاء واعتمد الترشيح الفردي قبل تشكيل اللوائح، واستبعد إصلاحات جوهرية بما يعني المرأة والشباب والاقتراع في مكان الإقامة. والأنكى، أن هذا القانون قفز عن فكرة إيجابية تضمّنها دستور الطائف قضت بتجاوز الطائفية في الانتخابات النيابية، عبر انشاء مجلس شيوخ يمثّل الطوائف والاقتراع للنوّاب خارج القيد الطائفي. فبتنا أمام قانون يرسخ الطائفية ويعزّز سيطرة المافيات المنضوية تحت سقف «التشاركية الميثاقية». كما أطاح القانون الجديد بالعمل السياسي بمعناه النبيل الذي يفترض تحالفات سياسية تُبنى على برامج.
وانخرط «الشعب العظيم» في مشهدية غير مشرّفة وذات طابع هيستيري، على رغم تبرع الخبراء المعتمدين على منصات الإعلام بتسمية الأكثرية الساحقة من أسماء الفائزين. وظهرت لوائح انتخابية لتحالفات «من كل واد عصا» بعيدة عما سبق من إعلانات التفاهم والمبادئ والنوايا. وضاعت الفروقات بين من كان شريكاً في السلطة أو خارجها. والجميع يحدثك بلا حسيب أو رقيب عن الحقوق والقانون ودولة المواطن. ولم تخجل القوى التي أنتجت قانون الانتخاب في شتمه. والمحصلة... انشغال الرأي العام بالأموال وبمعركة الحاصل الانتخابي والصوت التفضيلي.
يصعب في هذه «العصفورية» حصر النتائج الوخيمة للتحالفات الظرفية على المدى المتوسط والبعيد بما يخصّ «السياسة» و «العمل السياسي» الذي يتوخى تحقيق المنفعة العامة. وتبدو الصورة الإجمالية للعملية الانتخابية محبطة لمنّ يحلم بالتغيير أو بالإصلاح. فهناك تغييب لنقاش المواقف المتباينة حول ما يجري في سوريا والمنطقة (تبعات، أدوار مستقبلية، النزوح)، وخطابات شدّ عصب القطيع الطائفي، ومحاضرات عن فلسفة التيار المسيحي القوي، ومداخلات عن تمثيل هذا المذهب أو ذاك، ورصد لحركة العائلات داخل كل دائرة انتخابية...
وتكتمل صورة وقاحة الطاقم السياسي، المسؤول عن مسيرة الانحدار نحو الدولة الفاشلة، في تبنّي لفظي للشعارات الرنانة: العلمانية والسيادة ومشاركة المرأة والشباب... وتوظيف كل شيء من أجل البقاء في السلطة. ينادون بإلغاء الطائفية وفي الوقت نفسه يعاظمون انكفاء جماعاتهم على ذاكراتها الخاصة، ويفلشون الأغطية المذهبية لتغطية فضائح أتباعهم. وأيضاً، يعززون سيطرة أصحاب الأموال وهم يحاضرون عن أهمية النظام الضريبي العادل... وهكذا، تضيع معاني المفاهيم وتستباح الصدقية والمصداقية.

مؤسسات الدولة عبارة عن مخرطة تُحوّل السياسي إلى مذهبي


وصلنا إلى ذلك بسبب تاريخ طويل ومعقّد من المصالح المحلية والرعاية الخارجية. وكانت مؤسسات الدولة عبارة عن مخرطة تحوّل السياسي إلى مذهبي. وقد شحذت هذه المخرطة أسنانها بعد انضواء ميليشيات حرب الـ75/90 في كنف السلطة. نذكر هنا، كيف كانت سياسة رفيق الحريري منفتحة على كل لبنان في الثمانينات، وانتهت زعامة سنيّة. وكيف تحوّل تموضع التيار الوطني الحر وأمسى جبرانه يلهث وراء الحقوق المسيحية في الجمهورية القوية. وكيف تمت مصادرة النقابات وكيف تخنق المبادرات المستقلة عن التركيبات الطائفية...
إن غياب البرامج السياسية في عملية اختيار النواب كشف جوانب بشعة من وجوهنا: توريث الأبناء والأصهرة، استفحال المال السياسي وشراء الأصوات، انتهازية فجّة وطغيان للغرائز الطائفية التي تُسيّر الناس عكس مصالحها. ولعل مكمن الخلل هو في الثقافة الاجتماعية. إذ كانت بعض الجذور لحياة مدنية قد برزت قبل الحرب، من مخالطة في الإقامة، وعشرة في المدرسة والجامعة وفي المنتدى والمقهى، وتلاقٍ يومي في مرافق العمل والانتاج، وتردد إلى سوق واحدة وزمالة في نواد وجمعيات ونقابات غير أن ميزان القوى السياسي الداخلي والحروب المتناسلة لم تساعد على فرز قوى لا طائفية قادرة على إحداث تغيير جدي في مجرى الحياة السياسية الداخلية. وكانت أيديولوجية «التوافقية» تعيد كل مرّة إنتاج وتجديد النظام السياسي المقيت.
لمنّ أقترع ؟
ثمة أطرافٌ وأفرادٌ يستحقّون الدعم والتأييد. وعلى رغم الحظوظ المحدودة، لا بأس بمحاولة تظهير حجم القوى المعترضة واحتساب أصواتها في كل الدوائر. لهذا سأختار منّ هو خارج النادي الطائفي، وصاحب أفكار ومواقف مبدئية تتطابق أقواله مع أفعاله، علماني ديموقراطي، كفوء، عُرف بنزاهته، ويملك أفكاراً ومشاريع تغييرية ومواقف مبدئية جريئة ولا يتأتئ باعتبار اسرائيل عدواً. وسأعطي صوتي التفضيلي في دائرتي الانتخابية لفرد واحد يمتلك هذه المعايير. وسيكون ذلك انسجاماً مع قناعاتي و... من دون أوهام.
* كاتب لبناني