«تدرك السيدة تاتشر الآن أن بريطانيا لا يمكنها أن تحتل بلدنا وتعذب سجناءنا وتطلق النار على شعبنا في الشوارع وتفلت بذلك من دون عقاب. اليوم لم نكن محظوظين. لكن، تذكروا أنه يجب أن نكون محظوظين مرة واحدة فقط. أما أنتم فسيكون عليكم أن تكونوا محظوظين دائماً».


(من بيان الجيش الجمهوري الإيرلندي في أعقاب تفجير فندق برايتون الذي استهدف مارغريت تاتشر وحكومتها)

في تمام الساعة الثامنة وعشرين دقيقة من مساء السادس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٧٨ استجاب ألبرت مايلز، نائب مدير سجن «الميز»، سيئ السمعة، في إيرلندا الشمالية، لطرقة عادية على باب منزله الكائن في بلفاست، وحين فتح الباب عاجلته مجموعة من الجيش الجمهوري الإيرلندي بخمس رصاصات من المسافة الصفر وأردته قتيلاً على الفور. هكذا روت القصة رسالة/ كابل أرسلتها القنصلية الأميركية في بلفاست لوزارة الخارجية في واشنطن، كما جاء في وثيقة سربتها لاحقاً ويكيليكس. طبعاً، بعد تلك اللحظة، لم يعد هناك شخص اسمه «ألبرت مايلز»، لكن يمكننا، وبكل بساطة (وهذا هو المهم) تخيّل الحالة التي كان عليها من وقع عليه الخيار حينها ليكون بديلاً له، كنائب مدير السجن الجديد، ويمكننا، كذلك، تخيّل كل الحسابات الذي كانت ستدور في عقله وهو يتعامل مع الأسرى الإيرلنديين بعد تجربة سَلَفِهِ والمصير الذي لاقاه. كان اختيار مايلز تحديداً، وتصفيته في بيته، وبهذه الطريقة، «ضربة معلم» تحسب للجيش الجمهوري وقيادته.
كانت هذه العملية (تصفية نائب مدير السجن) هي إحدى أكبر محاولات التضامن مع الأسرى الإيرلنديين الذين كانوا يخوضون «احتجاج البطاطين» الشهير منذ آذار ١٩٧٦، لكنها لم تكن أكبرها. فبعد تلك الليلة بأربعة أشهر فقط، في ٣٠ آذار ١٩٧٩، نفّذ جيش التحرير الوطني الإيرلندي (الجناح العسكري للحزب الجمهوري الاشتراكي الإيرلندي، منافس حزب شين فين الأساسي) ما سموه في بيان لهم حينها «عملية العَقْدْ». كان الهدف الكبير الذي اختاره جيش التحرير الوطني الإيرلندي هو آيري نيف، وزير إيرلندا في حكومة الظل في حزب المحافظين. ونيف، هذا، مهندس صعود تاتشر والمحافظين للحكم، والمعروف بتطرفه الشديد في قضية إيرلندا (حد الدعوة إلى إعادة العمل بحكم الإعدام ضد المقاومين الإيرلنديين)، كان على وشك تسلّم الوزارة الفعلية في حكومة مارغريت تاتشر (المقبلة بعدها بأيام) في أعقاب سحب مجلس العموم البريطاني الثقة من حكومة جايمس كلاهان قبلها بيومين – خرج نيف من مبنى البرلمان باتجاه موقف السيارات، وحين أدار محرك سيارته، انفجرت عبوة كان مقاتلو جيش التحرير الوطني الإيرلندي قد زرعوها في سيارته فقتل على الفور. لاحقاً، سيتكرر هذا الأسلوب (تفخيخ السيارات) الصارخ ذو الأبعاد المشهدية المهمة بتأثيراتها (العسكرية وغير العسكرية) مراراً ويصبح أسلوباً يعتمده المقاومون الإيرلنديون كثيراً بسبب فعاليته الكبيرة.

العنف الثوري المضاد له الوظيفة ذاتها في استدخال الرعب الحقيقي في وعي المستعمِر


ما يلفت النظر في تجربة المقاومة الإيرلندية ليس فقط تنافسهم على نصرة أسراهم وعلى النيل من الإنكليز، بل إدراكهم العميق أنه لم يكن يمكن للأسرى أن ينتصروا وحدهم فقط، أو باحتجاجهم فقط، أو بجوعهم فقط، أو حتى بالتضامن الشعبي والدولي معهم، على أهمية كل ذلك – مع أننا نعرف من التجربة الفلسطينية والعربية مع الكيان الصهيوني (ويبدو أن الإيرلنديين أدركوا ذلك جيداً من تجربتهم مع الإنكليز) أن كل ذلك لم ولن يحرر أسيراً واحداً. كان المقاومون الإيرلنديون خارج الأسر يدركون تماماً ترابط المعركة داخل الأسر وخارجه، وكانوا يعرفون جيداً أن السلطات البريطانية ستترك رفاقهم الأسرى يموتون في زنازينهم بلا تردد، تماماً كما تركتهم يموتون في إضرابات سابقة، وكما تركتهم يعانون عراة تماماً لسنوات في أثناء احتجاج البطاطين الشهير، وكما كانت تقتل الأحرار منهم في الشوارع بلا رادع ولا حساب. لهذا، يصعب القول إنّ الحكومة الإنكليزية خضعت في النهاية وإن الأسرى الإيرلنديين انتصروا بسبب جوعهم فقط، أو بسبب التضامن الدولي فقط، أو حتى بسبب استشهاد عشرة منهم وإضرابهم عن الطعام.
وكل متابع للتجربة الإيرلندية يعرف الحقيقة التالية: في نهاية الإضراب، وبعد استشهاد عشرة من أشجع الإيرلنديين الذين أضربوا عن الطعام حتى الموت، كان رفاقهم المقاومون في خارج الأسر قد قتلوا عشرة من الطرف الآخر. قتلوا عشرة بالضبط مقابل شهدائهم العشرة. قتلوا إنكليزياً (أو خائناً) في مقابل كل شهيد إيرلندي. هكذا حقيقةً انتصر الأسرى الإيرلنديون وخضع الإنكليز في النهاية. انتصروا لأن رفاقهم في الخارج لم يؤمنوا فقط أن العين بالعين، بل لأنهم جعلوا كل حارس وضابط في السجن، ولاحقاً، كل سياسي إنكليزي يساهم في معاناة رفاقهم وأهلهم وبلدهم يعرف أنه أصبح هدفاً مشروعاً جداً، وأنه هدف سهل جداً، وأنه هدف محتمل جداً، والأهم، أنهم جديون جداً جداً، وأن عليه، بالتالي، أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على ارتكاب أي حماقة بحقهم وبحق أسراهم وبحق شعبهم. لهذا بالضبط شكّلت عملية تصفية آيري نيف تحوّلاً كبيراً وفعالاً في آليات عمل المقاومين الإيرلنديين (كان هدف جيش التحرير الوطني الإيرلندي منها منع حدوث تغيير جذري في السياسة الإنكليزية في إيرلندا الشمالية كما كان يهدف ويتوعد نيف كوزير قادم لإيرلندا الشمالية). فمنذ تلك اللحظة سيصبح الوزراء وأعضاء البرلمان المسؤولين عن معاناة الإيرلنديين هدفاً مهماً للجيش الجمهوري وجيش التحرير الوطني الإيرلندي. هكذا فقط يمكن ردعهم ودفعهم للتفكير ألف مرة قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار دموي بالسهولة التي تعودوا عليها سابقاً.
وفيما كنت، وما زلت، أفضّل الحزب الجمهوري الاشتراكي الإيرلندي على منافسه شين فين (يمكنكم القول إن شين فين هو مثل حركة فتح عندنا، فيما الاشتراكيون هم مثل الجبهة الشعبية)، إلا أن تنافسهم جميعاً في نصرة الإضراب والأسرى، وإدراكهم لأهمية الردع لحماية شعبهم من العنف الإنكليزي كان لافتاً جداً ويحسب لهم - في الحقيقة، ظل الجيش الجمهوري الإيرلندي (وربما السياسيون في شين فين أيضاً) يعيش أرق نجاح جيش التحرير الوطني في الوصول إلى الوزير آيري نيف، أعلى رتبة إنكليزية تلقى حتفها في الصراع الطويل حتى ذلك الوقت، فقرروا في النهاية كسر هذا الرقم القياسي للاشتراكيين بالتخطيط لاغتيال كل أعضاء الحكومة البريطانية (نعم، كل أعضاء الحكومة) وكل الصف الأول من النخبة الإنكليزية الحاكمة مرة واحدة، بمن فيهم رئيسة الوزراء تاتشر ذاتها في عملية معقدة جداً خطط لها ونفذها المقاوم الإيرلندي الفذ «باتريك ماغغي». الهدف الذي اختاره ماغغي كان مؤتمر حزب المحافظين الحاكم حينها، والذي كانت ترأسه تاتشر وكان سيضم كل الوزراء والنواب عن ذلك الحزب. وقبيل انعقاد المؤتمر في فندق برايتون في ١٢ تشرين الأول ١٩٨٤، قام ماغغي بزرع عبوة ناسفة موقتة ضخمة في حمام غرفة كان قد نزل بها باسم مزور (كانت هذه هي المرة الأولى التي يجرب فيها الجيش الجمهوري هذا النوع من العبوات التي يتطلب توقيتها لتنفجر بعد أيام تقنيات معقدة لم تكن متوافرة لهم بسهولة حينها). نجت تاتشر من الانفجار الهائل الذي هز الفندق ودمر أغلبه بأعجوبة، وتم نقلها مذعورة جداً (وذعر المرأة «الحديدية» لمن لا يصدق (أو يصدق خزعبلات أنها فعلاً حديدية) موثق بالفيديو جيداً) إلى مكان آمن (تأخرت ليلتها في الذهاب للنوم لانشغالها في مراجعة نص خطابها في اليوم التالي، على رغم أن زوجها الذي كان ينام في الغرفة حينها أصيب بجروح، لكن جهدها ضاع هباءً، إذ كان عليها أن تغيّر خطابها بسبب الحدث الكبير). لكن بيان الجيش الجمهوري يومها كشف أن هذا التفجير وهذا الاستهداف كان يعبّر عن استراتيجية عمل وطريقة تفكير أكثر من أن يكون مجرد رد فعل أو غضب على تعذيب السجناء وقتل الناس:
«تدرك السيدة تاتشر الآن أن بريطانيا لا يمكنها أن تحتل بلدنا وتعذب سجناءنا وتطلق النار على شعبنا في الشوارع وتفلت من ذلك من دون عقاب. اليوم لم نكن محظوظين. لكن، تذكروا أنه يجب أن نكون محظوظين مرة واحدة فقط. أما أنتم فسيكون عليكم أن تكونوا محظوظين دائماً».
بعد ذلك اليوم، توالت العمليات الكبرى التي استهدفت شخصيات سياسية إنكليزية كبيرة (نواب ووزراء وقادة جيش وأيضاً جنود) ذات علاقة وثيقة باضطهاد الإيرلنديين. الأمثلة كثيرة، لكن قد يكون أهمها تصفية أيان غاو (Ian Gow) عضو مجلس العموم، رئيس لجنة «إيرلندا الشمالية» في حزب المحافظين، وسكرتير رئيسة الحكومة تاتشر لأكثر من أربع سنوات، و«اللورد» لويس ماونت باتون، أحد أعضاء العائلة المالكة (ابن عم الملكة) وأحد قادة الجيش الإنكليزي في الحرب العالمية الثانية ورئيس هيئة الأركان لاحقاً. تصفية ماونت باتون كانت مثيرة بطريقة خاصة: في ٢٧ آب ١٩٧٩، وبينما كان الأمير يقوم برحلة صيد بالقرب من شواطئ إيرلندا، قام عضو الجيش الجمهوري توماس ماكماهون بتفجير عبوة كبيرة عن بُعد كان قد زرعها في قارب الصيد الخاص بالأمير فتناثر القارب إلى قطع صغيرة مشتعلة وسقط الأمير صريعاً في البحر. كان الجيش الجمهوري حينها، وكما ينبغي أن يكون في مواجهة الاستعمار، صلباً جداً ويدرك أنه يمكن ردع الاستعمار، ثم دحره لاحقاً، عبر العنف الثوري فقط. ففي مواجهة حملة الانتقاد على تصفية الأمير الذي سوّق له الإعلام الليبرالي والمحافظ على حد سواء، كان رد جيري آدامز (قبل دخوله المرحلة العرفاتية) مناسباً جداً: «ما فعله الجيش الجمهوري الإيرلندي له هو ذات الشيء الذي كان يفعله ماونت باتون طوال حياته لشعوب أخرى. ومع سجل مثل سجله الحربي، لا أظن أن بإمكانه الاعتراض على الموت في ظروف هي ظروف حرب في غاية الوضوح».

فلسطين: سؤال عن الردع
في الخامس من أيار ١٩٨١، استشهد بوبي ساندز بعد ٦٦ يوماً من الإضراب عن الطعام. بعدها بأسبوعين بالضبط، ١٩ أيار ١٩٨١، فَجَّرَ مقاتلو الجيش الجمهوري عبوة ناسفة في دورية مصفحة للجيش البريطاني في مقاطعة أرما (Armagh) فقتلوا خمسة منهم على الفور – تذكر بعض التقارير أن الجيش البريطاني و«شرطة ألستر الملكية» لم يجرؤوا بعدها حتى على المرور بتلك المنطقة، خصوصاً أن هذه العملية كانت تقريباً تكرار لأكبر عملية مركبة ضد الجيش البريطاني (حدثت في منطقة قريبة جداً) نفذها الجيش الجمهوري وانتهت بمقتل ١٨ جندياً بريطانياً من قوات المظليين في ما عرف بـ«فخ وارين بوينت» – فجّر الجمهوريون أولاً عبوة من ٢٥٠ كيلوغراماً من المتفجرات في دورية بريطانية فقتلوا ركابها جميعاً. وحين وصلت تعزيزات الجيش إلى المكان، كانت العبوة الكبرى (٥٠٠ كيلوغرام) في انتظارهم، فوصل العدد النهائي لقتلى المظليين ١٨. لم يكن قتل الجنود الخمسة انتقاماً لحياة ساندز فقط، بل كان أيضاً تحذيراً جدياً للسياسيين والجنود البريطانيين من المصير الذي سيلاقيهم إن هم تركوا رفاق ساندز المضربين بعده يلاقون المصير نفسه. كان التحذير واضحاً: العين بخمس عيون، وليست كل الرؤوس سواء.
كل هذا التاريخ، وغيره الكثير، الذي تركته لنا حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار (وإيرلندا الشمالية أو «شمال ايرلندا»، كما يفضّل الأيرلنديون، ليست إلا نموذجاً) يدفعنا للتساؤل الجدي والمؤلم: ماذا يعني أن يقدم العدو الصهيوني (وهذه ليست المرة الأولى) على قتل أكثر من ستين فلسطينياً ويصيب بجروح ما يزيد على ثلاثة آلاف (بينهم خمسون في حالة موت سريري) في أقل من ساعتين بعد سبعين عاماً على النكبة وبعد سبعين عاماً من المقاومة والثورة؟ أن نعتقد أنه لا قيمة لحياتنا وحياة أطفالنا عند العدو، وعلى رغم كونه صحيحاً، لا يجيب على هذا السؤال مطلقاً. فلم يعتقد أي استعمار في السابق بأي قيمة لحياة المستعمَر، ولم يتصرف أي استعمار على هذا الأساس أصلاً أيضاً – ولو أعدنا صيغة السؤال ووجهناه مباشرة لفصائل المقاومة الفلسطينية: ماذا كنتم تفعلون (على الأقل) لخمسين عاماً، وكيف لم يخطر ببالكم أهمية الردع وضرورة دفع العدو للتفكير ألف مرة قبل الإقدام على إعدام أطفالنا (شبه اليومي) بدم بارد وبلا أي حساب للتبعات. ليست القضية هنا، طبعاً، أن طموحنا هو اعتراف العدو بنا كبشر، فهذا غير مهم، ولا يجب أن يكون محل اهتمامنا أو قلقنا أصلاً (إلا للمريض بمتلازمة حب العدو، والمهزوم الذي مسخه الاستعمار فأصبح همّه اعتراف مضطهده به). وليس ذلك صحيحاً لأنه لا ولن يغيّر سياستهم، ولا ولن يغير تصرفاتهم. وليس ذلك صحيحاً، أيضاً، لأنه ليس موضوع الصراع أصلاً، بل أحد أدواته فقط. ذلك مهم جداً لأن المستعمِر كان يستخدم العنف والقتل على الدوام لسحق روح المستعمَر وإعادة تشكيل ذاتيته وهزيمته. وعدا عن الردع ورسم قواعد الاشتباك، فإن العنف الثوري المضاد له الوظيفة ذاتها – إعادة تشكيل ذاتية المستعمِر واستدخال الخوف والرعب الحقيقي في وعيه. هكذا فقط سيكون عليه أن يعيد حساباته ألف مرة قبل الإقدام على ما كان يظنه ممكناً وسهلاً قبل ذلك. وهكذا فقط يمكن أن تصبح لحياتك وحياة أطفالك قيمة كبقية البشر. ليس بسبب رغبة المستعمِر، بل رغماً عنه.

شكّلت عملية تصفية آيري نيف تحوّلاً كبيراً وفعالاً في آليات عمل المقاومين الإيرلنديين


هذه الحقيقة، إذن: بعد سبعين عاماً، وبعد عدد يتجاوز العشرين من الفصائل والحركات والأحزاب الفلسطينية: القانون الدولي لا ينطبق علينا، ولا ينطبق على أطفالنا. بعد سبعين عاماً لا نزال نُقْتَل بلا سبب ولأي سبب، ولا يزال أطفالنا يُقتلون بدم بارد وكأنهم أهداف في حقل رماية من دون أدنى رادع. بعد سبعين عاماً لا يستطيع كل «المجتمع الدولي» وكل «العالم المتحضر» وكل «المناشدات» و«مجلس الأمن» و«الهيئة العامة للأمم المتحدة» و«الجامعة العربية» أن تحمي طفلاً فلسطينياً صغيراً في طريقه إلى المدرسة، أو أن تمنع الموت عن طفلة فلسطينية كـ«ليلى أنور» ذات الثمانية شهور حتى وهي نائمة في سريرها، أو أن تحمي أسيراً مكبّل اليدين والقدمين يُضْرَبُ حتى الموت مثل الشهيد عزيز عويسات. منذ ٢٩ أيلول٢٠٠٠ وحتى بداية الهبّة السابقة فقط (تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٥)، قتلوا لنا أكثر من ٢٠٦٥ طفلاً. وإن لم يكن أطفالك من بينهم فسيكون خطأك قاتلاً جداً إن دفعك ذلك للاطمئنان. سيأتي عليهم الدور إن أنت بقيت جالساً في بيتك. حينها، لا تلم إلا نفسك. لن تنفعك حينها الشكوى، ولن ينفعك حينها البكاء.

خاتمة: الردع والموت
ليس هدف الردع وقف القتل. ويكذب من يَعِدْ بوقف القتل، حرباً أو سلماً. ففي صراع مع حالة استعمارية كالكيان الصهيوني في فلسطين، نعرف أن القتل لن يتوقف إلى أن يزول هذا الكيان من الوجود. ونعرف أن القتل لن يتوقف حتى لحظة رحيلهم جميعاً عن أرضنا وعودتهم من حيث أتوا. لكننا نعرف أنه حتى يحدث ذلك، يمكن للعرب والفلسطينيين (وفي الحقيقة يتوجّب عليهم) أن يجعلوا من إقدام العدو على قتلنا وعلى قتل أطفالنا عملية معقدة جداً في حساباتها وغاية في الصعوبة. يمكن العرب والفلسطينيين أن يجعلوا من إقدام العدو على قتلنا وعلى قتل أطفالنا كابوساً يؤرق كل من تسول له نفسه الإقدام على القتل أو إصدار القرار بالقتل، وهذا ممكن فقط، وفقط، وفقط حين يعرف أنه حتماً سيدفع الثمن غالياً جداً. هذا ممكن فقط حين يعرف أنه إذا أصر على النظر إلينا فقط من خلال منظار بندقية القنص فإن هناك من سيقلع له عينيه. هذا ممكن فقط حين يعرف ويرى ويسمع أن العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس. أهم من كل ذلك، نحن لن ننتصر إذا كنا نُقتل فقط. في الحقيقة نحن حتى لن نبقى على وجه الأرض كشعب إن قبلنا بأن نُقتل فقط. ربما نحوز على دقائق من التغطية الإعلامية، ولكن الإعلام لا يحرر الأوطان ولا يطرد المستعمرين.
ليست المشكلة في الاستشهاد إذن، فمن الطبيعي، ومن المتوقع جداً أن يحدث ذلك في سياق مقاومة الاستعمار. في الحقيقة، لن تتحرر فلسطين من دون الكثير من الشهداء. لهذا، يخدعك جداً من يدعي حرصه على حياتك بدعوتك ألا تقاوم، ويكذب عليك كثيراً من يوهمك بإمكانية حمايتك وحماية أطفالك وأهلك في مواجهة استعمار استيطاني مؤسس أصلاً على إبادتك وإبادة شعبك، كائناً من كان. هكذا ستموت بسهولة فقط، ولن يكون لحياتك أي قيمة. ولأن القتل لن يتوقف في كل الأحوال، يمكن فقط لمن يريد أن يقاوم، أو حتى من يريد أن يعيش فقط، أن يجعل ثمنه على العدو غالياً جداً. هكذا فقط يمكن التقليل من القتل، بردع العدو. هكذا فقط يمكن أيضاً أن تصبح لحياتنا وحياة أطفالنا قيمة. وهكذا فقط يمكن، أيضاً، شق الطريق نحو الانتصار. ربما تكون الطريق طويلة ومؤلمة. لكن من قبور الشهداء والأبطال فقط يزهر ربيع الأمم. وفي النهاية، من يحتمل أكثر سينتصر. أما من يتعب أولاً، فسيهزم أولاً. هكذا فهم الشهيد الإيرلندي تيرانس ماك سويني الصراع في إيرلندا: «ليس الذين يستطيعون إلحاق الأذى أكثر، بل الذين يستطيعون تحمّل الأذى أكثر هم الذين سينتصرون».

(ملاحظة: انتهت كتابة هذا المقال قبيل المواجهة الأخيرة في غزة بقليل، وعشية صدور بيان كتائب القسام وسرايا القدس وطرح معادلة «القصف بالقصف والدم بالدم». على أمل أن تشكّل هذه المعادلة مقدمة لمسار فعلي تتبناه كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني)
* كاتب فلسطيني