يدافع الفلسطينيّون عن وجودهم بأجسادهم العارية من أيّ سلاح سوى سلاح الحقّ والشجاعة. تدفّقوا بالآلاف في «مسيرة العودة الكبرى»، غير آبهين بحتميّة الرصاص الحيّ، ولا بموت. أعلنوا بشهادتهم أنّهم يحبّون الحياة ولا يتعلّقون بمجرّد العيش، وأنّ الحياة لا تكون إلا بكرامة وحرّية. ألم يكن هذا لبّ ما نطقت به شهادة يسوع على الصليب، عندما أسلم نفسه حبّاً بالحياة الحقّة غير آبهٍ بالموت، ليعلن بأنّ الحياة لا تكون بتجنّب الموت وإنّما بمواجهة الكراهية والحقد بالجسد المقدَّم ذبيحةَ حرّيةٍ وحياةٍ وحبّ، من أجل مَن نحبّ؟

الحقيقة تضيء ولا تتصالح مع الظلم بل تفضحه، لهذا لا يطيق الظالمون الحقيقة، بل يسعون إلى تطويعها، وإسكاتها، وقتلها وإبادتها إن استطاعوا. لم يطق الفرّيسيّون يسوع الذي قال لهم إنّهم كالقبور الجميلة في الخارج والتي يملأها الدود في الداخل، ولا يطيق المحتلّ حقيقة الفلسطينيّين العزَّل لأنّها تذكّره بأنّهم موجودون ولم يصمتوا ولا يُطَوَّعوا ولم يُبادوا، لأنّ وجوه الأطفال والرجال والنساء الصارخة بحرّيتها وبحقّها في أرضها، تذكّره بأنّ الوجه الخارجيّ الدعائيّ للاحتلال «الجميل»، يغطّي بشاعة الظلم والقتل والاستلاب. لا يتصالح احتلال مع جريمته، لا يستطيع أن يعيش معها بسلام، يسعى الى أن يطوِّعَ أو يمحوَ الشعبَ المُحتَلَّ ليمحوها، ولا ينجح، فيقتل. يقتل لينسى أنّه قتل، يقتل اليوم ليمحو واقع أنّه قتل في الماضي، يبقى المُحتَلُّ أسيراً في جحيم القتل الذي صنعه بيديه، ويجعل من حياة شعب آخر جحيماً يوميّاً. لا نهاية لهذا الجحيم إلا بإسقاط الاحتلال وإحقاق الحقّ.
تصرخ أجساد الفلسطينيّين العارية من كلّ سلاح والمخضّبة بدماء الشهادة، تصرخ دماؤها في الأرض إلى كلّ مَن يسمع، إلى كلّ مَن يرى، إلى كلّ من لم يدفن رأسه في رمل أوهام هذا العالم، «نحن إخوتكم أيضاً»؛ تصرخ للناس في بلاد العرب «نحن أنتم غداً، قفوا مع أنفسكم اليوم»، ويصرخ قايين الاحتلال والذي يصمت عن الاحتلال «ألعلّي حارسٌ لأخي؟». الجريمة الأولى كانت جريمة بين إخوة لأنّ كلّ جريمة هي جريمة بين إخوة، وكلّ صمت عن جريمة هو صمت إخوة.
الضحايا تسقط في النضال العنفيّ واللاعنفيّ، أن يسقط شهيدٌ خلال نضاله دون أن يطلق ناراً لا يقلّل من شجاعته بل يزيد منها. في الأسبوع المنصرم، تجلّى يسوع بالأجساد العارية من السلاح والمرفوعة خارج أسوار المدينة الظالمة على صليب المُحتَلّ؛ وهي مرفوعةٌ طوعاً من أجل حياة الإنسان الفلسطينيّ وإنقاذه (وهو الأولويّة)، لكنها مرفوعة في المطلق من أجل الجميع، لأنّ مسيرة التحرير تنقذ حتّى المُحتلّ من وحشيّة احتلاله، بردعه.
الفلسطينيّون المتدفّقون في غزّة شكّلوا جسداً رمزيّاً للمسيحِ ممدّداً على صليب الاحتلال والكراهية. توحّد الفلسطينيّون الثائرون، العارون من كلّ سلاح، مع المسيح السيّد الثائر على الظلم، العاري من كلّ كراهية، والمعلّق على الصليب. لن يُخذَل مَن كانوا واحداً مع سيّد الأحرار المحبّين، سيّد شهداء الحرّية والحقّ، هؤلاء يَجِدون الحياة المتدفّقة من جنبِ المطعون بحربة، وهم عند ربّهم أحياءٌ بالشهادة لصرخة الحرّية، تلك النابعة من الله؛ فتوق القلوب إلى الحرّية غرسه ينبوعُ الحرّية، لكي بمسيرتنا إلى الحرّية نذوق طعم اللقاء به منذ اليوم، هو مبدأ الحرّية والحبّ المقاوم اللذَين تجلّيا بيسوع.
فلسطين يحرّرها نضالٌ ليس كنضالِ تُجّار القضايا، نضالٌ خالٍ من الظلم والقمع، نضالٌ يرفض أن يكون الصورة الأخرى للجلاد بحقّ أيّ أحد؛ نضالٌ من أجل الحياة بحرّية من كلّ ظلم وكلّ قمع، ومن أجل مزيد من الحبّ، من أجل حبٍ للحياة لا يتوانى فيه الإنسان عن بذل ذاته لأجل أحبّائِه ومن أجل الحقّ.
* أستاذ جامعي