أزمة النظام

المشكلة هي أنّه حين كنت تكتب عن مشكلة الدين العام قبل سنوات، وتحذّر من الحائط الذي نتّجه الى الاصطدام به، لم يكن أحدُ يهتمّ أو يأخذ الكلام على محمل الجدّ؛ أمّا اليوم، حين أصبحت المشكلة حقيقية ـــ وصار الحائط أمامنا مباشرة ـــ وشعر الكلّ بالأزمة وساد الاقتناع بأنّنا في حالة إفلاسٍ مؤجّل، أصبح الكلام عن الدين واستحالة دفعه يجرّ عليك الاتّهام بأنّك «تهزّ الثقة» بالاقتصاد الوطني وتثير الذعر وتستدعي الأزمة (أنت، وليس سياسات العقود الماضية والاستدانة بلا حساب وإهدار إمكانات الوطن وفرص التنمية). اليوم، على أيّ حال، لم يعد مهمّاً ما نقوله على المستوى المحلّي أو أن نقنع المواطنين بشيء، فالوضع المالي للبنان لم يعد سرّاً والأسواق العالمية تتكلّم عنه بلا حرج. منذ يومين في «بلومبرغ» تقريرٌ عن لبنان، بوصفه «أحد أسوأ المتجاوزين في مجال المالية العامة في العالم»، وعن تخفيض درجته الائتمانية عبر «موديز» أخيراً، ليضيف أنّنا حين نبدأ بتمويل الدين في السنة القادمة، بنسب فائدة جديدة ومرتفعة، فسوف نقع في مشكلة حقيقية في خدمة الدين وكلفته.
حتّى نشرح المسألة من زاوية جديدة: المشكلة ليست في أنّ الدين اللبناني هو من الأعلى عالمياً كنسبةٍ من الدخل الوطني، بل هي أكبر من ذلك. لو أنك نظرت الى معدلات الدين العام في العالم، فستجد دولاً تحمل ديوناً كبيرة، وتجد دولاً أخرى تدفع فائدة مرتفعة على قروضها؛ ولكن لبنان هو من الدول النادرة التي تنال الشرفين معاً. هناك دولٌ (مثل الصين أو اليابان) يحمل القطاع الخاص والعام فيها قروضاً ضخمة، ولكنها ايضاً تملك اقتصاداً منتجاً متيناً، ينمو بوتيرة نمو الدين أو بأسرع منه، ولديها موارد ضريبية كبيرة متوقّعة في المستقبل، يمكن الاعتماد عليها لخدمة الدين أو إدارته. لبنان ينوء اقتصاده أصلاً تحت خدمة الدّين، والنموّ معدومٌ تقريباً، فماذا سيستنتج المحلل الأجنبي حين ينظر الى هذه الأرقام؟ ما هو فريدٌ حقّاً في حالة لبنان هو أنّ «دورة الدين والفائدة» هذه قد استمرّت الى اليوم، وتمكنّت الدولة من استخراج المليارات سنوياً، من اقتصادٍ فقير وينحدر، لخدمة هذا الدين من دون أن يثور عليها الشعب. وذهبت في «التقشّف» الى أبعد ما يتخيّله أيّ مواطنٍ غربيّ، من دون أن تنهار المنظومة. نقصد هنا أنّ الدولة لم «تنسحب» فحسب من الاستثمار ولعبِ دورٍ توزيعي أو دعم الفقراء، بل إنّها تحوّلت حرفياً الى «جابي ضرائب» وسط عجزٍ في كلّ مهام الدولة الأخرى، بما في ذلك تقديم الكهرباء والخدمات الأساسية (المسألة ليست صدفة أو نتيجة «قلّة كفاءة»، أنت لا تحتاج الى مجلس حكماء العالم لكي تزوّد بلداً مثل لبنان بالطاقة بعد عشرين عاماً على نهاية الحرب).
حتّى نفهم البعد الكامل للمشكلة، وقبل أن نحاول إقناع المواطنين بأن الفريق الحاكم قادرٌ على تجاوز الأزمة، يجب أن نتذكّر السياق السياسي الذي تجري فيه الأمور. المجتمع السياسي في لبنان لا يعمل بشكلٍ طبيعيّ، وهنا لا أتكلّم على التأخير في تأليف الحكومة، بل عن أن البلد يعيش منذ عام 2005 ـــ بالمعنى السياسي ـــ في حالة «حربٍ أهلية»؛ كلّ طرفٍ لا يعترف بشرعية الآخر، والسبب الوحيد الذي يمنع الصدام ـــ ويجبر الأفرقاء على التعايش وتأليف الحكومات معاً ـــ هو عدم رغبة المقاومة بذلك، واستحالة الحرب على الطرف الآخر، أو عدم توافر «السيناريو» المناسب لها (حرب سوريا كانت مرشّحاً مثالياً لاستعادة سيناريو 1975، بكلّ عناصره تقريباً، ولكن الحرب ـــ بشكلٍ شبه إعجازي ـــ لم تتسرّب الى لبنان). المواجهة السياسية في لبنان لن تُحلّ ولن تكون هناك حياة سياسيّة طبيعيّة ولو جرت انتخابات وتشكّلت الحكومة، فليس من الطبيعي ولا من الصحّي أن تكون المقاومة، بعد أن حرّرت الأرض، مضطرّةً إلى الدفاع عن نفسها وعن شرعيتها ضمن النظام السياسي، ولمواجهة أعدائها الخارجيين في الداخل ـــ أو هذا يعني، ببساطة، أنّ التحرير لم يكتمل. وهذه الحال لن تتغيّر لأنّها، مثل الدين العام، أسبابها «بنيويّة» ولا تتعلّق بالوضع الداخلي والتنافس على الموارد والسياسات: علّة وجود أعداء المقاومة في لبنان، وما يبقيهم في مواقعهم ويمدّهم بالدعم والتمويل، هو لعبهم لهذا الدور بالتحديد. مثلما كانت الدول الصغيرة، خلال الحرب الباردة، تتنافس في إبراز «قيمتها» للراعي الدولي (سواء أميركا أم الاتحاد السوفياتي)، ودورها «الاستراتيجي» ضد خصومه، في منافسة للحصول على الموارد والدعم والمساعدات، فلا حياة ولا غطاء دولياً للكثير من العائلات السياسية في لبنان إلّا اذا أثبتت «قيمتها» في مواجهة المقاومة ومحاربة محورها في لبنان (أو التظاهر بذلك وكسب الوقت حين لا تكون قادرةً على فعل شيء على الأرض). هذه هي الدينامية التي تحرّك السياسة في لبنان، ولا علاقة لها بالحسابات الداخلية أو النقاش العقلاني حول مصلحة البلد. من هنا، فأن تطلب من المواطنين أن يثقوا بدولةٍ «لا تعمل»، وقد اخترقتها الانقسامات السياسية حتى اختفت المسافة بين جهاز الدولة والبيروقراطية من ناحية، وبين الأحزاب وأصحاب النفوذ من ناحيةٍ أخرى، هو ضربٌ من الخيال.

«مسح الطاولة»
المفارقة أيضاً هي أنّه، بينما لا يزال الوسط السياسي اللبناني رافضاً للنقاش حول احتمال الافلاس أو امكانية التوقّف عن دفع الدين، ومواجهة الواقع بشكلٍ مسؤول، سبقتنا «السترات الصفر» في فرنسا الى تحديد «إلغاء الدين العام» كأحد المطالب التي نشرتها أخيراً، مع أنّ وضع الدين العام في فرنسا، ووزنه على معيشة الناس والاقتصاد، أقل وطأةً بما لا يُقاس من حالة لبنان (حجّة السترات الصّفر هي أنّ هذا الدين قد تمّ دفعه بالفعل، وبأضعافٍ مضاعفة، وليس من المنطقي دفع الفائدة عليه الى الأبد). في الوقت ذاته، تقوم مجلّة «فاينانشال تايمز»، اليمينيّة الرأسمالية الليبرالية، بنشر عرضٍ لكتاب يشجّع على إلغاء الديون ومسح الحسابات كلّ فترةٍ من الزمن. الكتاب هو لاقتصادي ومؤرّخ يدعى مايكل هدسون، وعنوانه «سامحوا ديونهم» (منشورات »ايلت»، 2018)، وهو يعود في التاريخ ليحلّل تعامل مختلف الحضارات مع عبء الدين ونتائجه. على ما يبدو، كان الملوك البابليّون يحملون نظرةً «دائرية» تجاه الديون والاقتصاد، بحيث يتمّ كلّ بضع سنوات إلغاء جميع الديون على المزارعين بعد أن تتراكم ويضحى عبئها فوق الاحتمال (وأكثر الديون كان على الفلاحين تجاه المعبد)، و»تُمسح الطاولة» ونبدأ من جديد، كدورة الموت والبعث. أما الرومان، في المقابل، فقد كانت نظرتهم «خطّيّة» الى الزمن والاقتصاد، ويصرّون على استمرارية الديون بأيّ ثمن، ولو سدّدت أقساطها بعد أجيالٍ، يدفعها أناسٌ لم يرتبوها على أنفسهم، ولكنها التصقت بهم كالنير (وهذه بالضبط هي حالنا في لبنان).
الفكرة هنا ـــ تضيف «فاينانشال تايمز» ـــ هي أنّ البابليين قد فهموا المعادلة التي تكلّم عنها بيكيتي وغيره من الاقتصاديين، والتي تعصر بأعراضها الاقتصاد العالمي حالياً، وهي أنّ الدين يميل الى التوسّع بأسرع من نموّ الاقتصاد، أي إن كتلة الديون والقروض لو لم يتم التحكم فيها بطريقةٍ ما أو محوها دوريّاً، فهي ستنتفخ حتى تستنزف الاقتصاد والبلد، ويصير الشعب بأكمله (في حالة الدين العام) عبداً لها.
الخطيئة الأساسية للعونيّين، الذين دخلوا «المؤسسة» بشكلٍ متأخّر، لا تتعلق بالسياسات والتسويات والتفاصيل، بل في أنّهم لم يصرّحوا، منذ البداية، بأنّهم أمام تركةٍ مستحيلة، والبلد قد تمّ نهبه وترتّبت عليه ديونٌ أفقرته ولا سبيل لتسديدها، وأنّ السؤال السياسي المركزي في لبنان هو حول كيفية تحقيق الانتقال الاقتصادي، والتحرّر من هذه الحالة، قبل أن تدهمنا الأزمة بتوقيتها هي لا بتوقيتنا. الآن، أصبح من المستحيل حتّى توزيع المسؤولية على المأزق الذي نحن فيه، والمسألة سقطت في دوامة التراشق السياسي وألعاب الإعلام (وأصبح قسمٌ معتبر من الشعب اللبناني مقتنعٌ بأن جبران باسيل مسؤولٌ عن أزمة الدين أكثر من رفيق الحريري). لا يوجد فارقٌ كبير بين أن تخسر حرّيتك بالمعنى السياسي والترابي، وأن تقع تحت الاحتلال، وبين أن تكون تحت سطوةٍ دينٍ عام يتحكّم في معاشك واقتصادك وأحوال أهلك الى الأبد. تجاهل مسألة الدين العام في الماضي كان، وما زال، يجري تحت مجموعة سردياتٍ، بعضها ميتافيزيائي يعتبر أن الأرقام وقوانين الاقتصاد نافلة («لن يسمحوا للبلد بأن ينهار») وبعضها الآخر هو نسخةُ «راقية» عن نظرية «لبنان مركز الكون». حين اقترحنا الإفلاس المقصود قبل سنوات، لم يكن ذلك لأننا نهوى الحلول الجذريّة، بل لأنّ البديل (أي تأمين استمرارية الدين وخدمته حتى النهاية) هو أسوأ بكثير. اليوم بدأت هذه الاحتمالات بالتحوّل الى واقع؛ في السنة القادمة قد يجبرونك على خفض سعر العملة، فتخسر ثلث قيمة راتبك، وستزيد الضرائب، وماذا بعد ذلك؟ لم تتبقّ فعلياً من وسيلة «تقشّف» في يد الدولة اللبنانية باستثناء بيع بعض الأصول العامة القليلة أو خفض رواتب البيروقراطية (فيكون النظام قد خسر الفئة الشعبية الوحيدة التي ما زالت لها مصلحة في استمراره).
البعض يتنبّه الآن الى ضرورة التفاوض حول حجم الدين اللبناني أو تقرير خفضٍ له (discount) بعد أن فات الوقت على مثل هذه الحلول الجزئيّة. بالمناسبة، في حالاتٍ كثيرة يقوم الدائنون بالموافقة على خفضٍ للدين السيادي، وذلك ليس لشعورهم بالذنب ومشاركتهم في العبء، بل لكي يضمنوا أن لا يخنق الدين البلد وحتّى يستمرّ في دفع الفوائد من دون توقّف. لماذا تساعدهم وتقترح عليهم حلولاً؟ في هذا البلد، لا أحد يفكّر على مستوى كبير. لديك فرصة تاريخيّة لإعادة تأسيس النظام الاقتصادي والسياسي في لبنان، من دون أن تفعل أنت شيئاً، بل هم حفروا الحفرة وتمادوا وأوصلوا البلد الى الأزمة، وليس واجبنا أن ننجدهم بل أن نفكّر في بداياتٍ جديدة. هناك إمكانيّةٌ لتحرير البلد من قبضة الدين، التي تسجنه منذ عقود، ومن حالة الإفقار المزمنة. يوجد احتمالٌ لإعادة تأسيس القطاع المصرفي على أساسٍ جديد، يخدم فيه البلد ولا يأخذه رهينة ويعتاش من إفقاره، ويتلقّى قادته أوامرهم من موظفي الخزينة الأميركية. أنا أزعم أنّ لبنان على مشاكله الكثيرة هو، بقدراته البشرية وميزاته «البنيوية» والدفق المستمرّ لتحويلات المهاجرين، لا يستحقّ المكان البائس الذي يقبع فيه، والذي يعدوننا به في المستقبل القريب، وأنّه إن تحرّر من النمط الاقتصادي الذي يخنقه اليوم ويكبّله ويظلم الفقراء دون غيرهم، فهو سيصبح مكاناً أفضل بكثير لغالبية أبنائه ـــ وهناك بالمقابل من سيخسر بالطبع، الناس الذين يملكون الدين أو الذين وجدوا لأنفسهم مكاناً محظياً في «المنظومة» الحالية (سواء في الأعمال أو في «الوظائف الجيدة» القليلة ضمن البيروقراطية أو الإعلام أو المنظمات الدولية)، وهم تحديداً الفئة التي لا تستحقّ ثرواتها وأسلوب حياتها ومستوى استهلاكها الحالي.

خاتمة
عودةً الى التاريخ. في الماضي الأوروبي، كانت العائلات المصرفية الكبيرة تربط نفسها بسلالات ودول. كالعلاقة الشهيرة بين سلالة الهابسبورغ في القرن السادس عشر وعائلة «فوغر» الألمانية، التي موّلت دولة الامبراطور وحروبه (كما هي الحال اليوم، كانت العائلات المصرفية تحتاج الى الدولة التي تعطيها عائداً مضموناً على رساميلها، والدولة كانت تحتاج الى هذه العائلات وثرواتها، التي يستحيل من غيرها أن تموّل جهاز الدولة أو تدفع كلفة الجيش وحملاته). في الوقت ذاته، كانت حدود هذه العلاقة مفهومة: حين يسقط النظام الذي «عقد الصفقة» معك (أو يُقتل الزعيم الذي راكم الدين في اغتيالٍ، مثلاً) تسقط معه الديون التي رتّبها. وبالفعل، حين أشهر فيليب الثاني إفلاسه بعد تسلمه العرش بقليل، سقطت معه عائلة «فوغر» وانحدرت الى الأبد. التوقّف عن الدفع، إن حصل، لن يكون نهاية العالم كما يهدّدوننا، بل فرصة لبدايات جديدة، قبل أن يفرض علينا مسار تنازلٍ وإذلال، يدفع فيه الفقير مجدداً ثمن خطيئة غيرهِ. لا شيء يحصل بلا كلفة، ولكن كلفة البديل اسوأ، ولا تسمحوا لأحدٍ بأن يخوّفكم بـ«الحرب»، فلا سبب حقيقياً للحرب بين اللبنانيين. والعاقل، على أيّ حال، هو من يخاف الفقر أكثر من الحرب.