منذ اندلاع انتفاضة 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 ضد النظام السوداني بقيادة الفريق عمر البشير، هناك ظاهرة ملفتة تتمثّل في تصدّر الحزب الشيوعي السوداني للانتفاضة التي قاربت شهرين من عمرها، وقيادته للمسيرات من خلال قاعدته الاجتماعية وعبر نفوذه في النقابات العمالية والمنظمات الطلابية والنسائية وفي المنظمات المهنية للأطباء والمحامين. هناك اعتقالات تركزت بين الشيوعيين، ومنهم الأمين السياسي للحزب محمد مختار الخطيب والعديد من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، وهناك تركيز في تصريحات المسؤولين السودانيين على اتهام الشيوعيين بما جرى في الشارع السوداني، فيما يلفت النظر عدم التركيز على أحزاب معارضة كانت متصدرة للمشهد السياسي منذ وصول عمر البشير للسلطة في 30 حزيران/ يونيو 1989، مثل حزبي الأمة والاتحادي، أو مثل حزب المؤتمر الشعبي الذي نتج عن خروج حسن الترابي من السلطة إلى المعارضة في عام 1999.

كان مفاجئاً هذا البروز للشيوعيين السودانيين، في حزب عانى من ضربة كبرى بعد انقلاب 19-22 تموز/ يوليو 1971 الفاشل ضد نظام اللواء جعفر النميري، وإعدام قادته البارزين مثل عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق، ومن ثم دخوله، وهو مثخن بالجراح، في العمل السري حتى سقوط النميري في انتفاضة نيسان/ إبريل1985، حيث كان ملاحظاً ضعف الشيوعيين في الانتفاضة ومن ثم في حصيلة انتخابات برلمان نيسان/ إبريل 1986، حيث لم يأخذوا سوى ثلاثة مقاعد، وهو كان مشهداً معاكساً للمشاركة الشيوعية الرئيسية في انتفاضة تشرين الأول/ أوكتوبر 1964 التي أسقطت حكم الفريق ابراهيم عبود، ومعاكساً لنتيجة انتخابات برلمان 1965 حيث حصل الشيوعيين على خمسة عشر مقعداً، منها أحد عشر في دوائر الخريجين (المحامون، والأطباء، والمهندسون، والمدرسون)، وكانوا الحزب الثالث بالترتيب، وسبقوا الاسلاميين بزعامة الترابي. كان مفاجئاً أيضاً، وعلى الأرجح مفاجئاً أكثر، هذا البروز لحزب شيوعي عبر انتفاضة اجتماعية على نظام عربي، فيما اعتيد أن يكون الاسلاميون في موقع القيادة للتحركات الاجتماعية ضد الأنظمة العربية منذ جزائر 1988وصولاً إلى تونس 2011 ومصر 2011. من الممكن أن يكون حكم الاسلاميين لثلاثة عقود في الخرطوم وفشلهم في الحفاظ على وحدة السودان وفي حل مشكلة دارفور، إضافة إلى ديكتاتوريتهم وفشلهم في الاقتصاد، قد أسهمت في نشوء هذا المشهد، وإذا كان هذا يدل على قوة القاعدة الاجتماعية الراهنة للشيوعيين السودانيين التي سمحت لهم بالبروز في الانتفاضة، فإن هذا يؤشر أيضاً على ضعف الحزبين الكبيرين، المستندين إلى قاعدة طائفية عند طائفة الأنصار (حزب الأمة) وطائفة الختمية (الحزب الاتحادي)، وربما كان السبب هو معاناة الحزبين المذكورين من انشقاقات كثيرة في العقدين الماضيين، ومن قضم الاسلاميين للكثير من القاعدة الاجتماعية للحزبين المذكورين.
هنا، كان يُظن أن الحزب الشيوعي السوداني هو في تآكل ذاتي بعد الانهيار السوفياتي في عام 1991، حيث كان أول حزب شيوعي عربي حصلت فيه ارتدادات الزلزال السوفياتي، من خلال كتاب الخاتم عدلان، عضو هيئة سكرتارية اللجنة المركزية للحزب، المعنون بـ«آن أوان التغيير»، الذي نشر عام 1993 في المجلة الفكرية للحزب الشيوعي. في الكتاب المذكور اعتبر الخاتم عدلان أن هناك "انهياراً للمشروع الماركسي"، وأن "الحزب الشيوعي السوداني قد فشل في أن يكون قوة اجتماعية كبرى، وهذا يعود إلى أسباب تتعلق بتكوينه النظري وبرنامجه السياسي وبنيته التنظيمية". كان واضحاً في الكتاب (120صفحة) تأثّر الخاتم عدلان بكتاب ألفين توفلر: «الموجة الثالثة: الزراعة ـــ الصناعة ـــ المعلوماتية» الصادر عام 1980، معتبراً الماركسية فلسفة لمرحلة التصنيع، وأن موجة المعلوماتية "ستجعل الماركسية من الماضي". لكن من المؤكد أنه لم يكن هناك أي نقد فلسفي حقيقي في كتاب الخاتم عدلان للماركسية، التي هي أبعد من عصر الصناعة، وهي تعود الآن في الغرب الصناعي إلى البروز الفكري في ذروة بروز (المعلوماتية). أمام الخاتم عدلان لجأت قيادة الحزب الشيوعي السوداني إلى سلاح الديمقراطية، حيث تم نشر الكتاب كاملاً في المجلة الفكرية للحزب، وأعطي النص لأعضاء الحزب وللجمهور، وهو يدعو إلى تغيير فكر الحزب وبرنامجه السياسي وبنيته التنظيمية، وإلى تغيير اسم الحزب. جرت نقاشات وردود عبر نصوص من أعضاء في الحزب على الكتاب. لم يستطع الخاتم عدلان أن يستقطب سوى بعض الكوادر، وفي عام 1994 خرج طوعاً من الحزب وأسّس تنظيماً سياسياً تحت اسم: «حركة القوى الجديدة الديمقراطية ـــ حق»، لم يكن لها مكان رئيسي في الخريطة السياسية السودانية، ولم تعد تذكر بعد وفاة الخاتم عدلان عام 2005. جرت محاولة ثانية في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني عام 2009 لاستعادة بعض أفكار الخاتم عدلان، مثل تغيير اسم الحزب، وبدلاً من "التخلي عن الماركسية " طرحت طروحات كريم مروة في الحزب الشيوعي اللبناني أو رياض الترك عند الشيوعيين السوريين "نحو تعدد المصادر المعرفية للحزب، بجانب الماركسية "، وهو ما رفضه المؤتمر الخامس للشيوعيين السودانيين. كان دينامو هذا الطرح هو الشفيع خضر، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، الذي انتخب رغم فشل طروحاته في قيادة الحزب، حتى تم فصله من عضوية الحزب في تموز/ يوليو 2016 بسبب "نشاطات تكتلية" و"سلوكيات تخالف اللائحة الداخلية للحزب".
كان هناك انطباع بأن هاتين الهزّتين في الحزب الشيوعي السوداني قد أضعفتاه وأدخلتاه في مرحلة التآكل التنظيمي، وكان هناك تسليم بأن القاعدة الاجتماعية للشيوعيين السودانيين في "مرحلة انحسار" في الوسط السياسي السوداني، أسوة بما حصل مثلاً للشيوعيين العراقيين في مرحلة ما بعد 9 نيسان 2003 بالقياس إلى الخمسينيات وأوائل الستينيات، عندما كان الحزب الشيوعي العراقي أقوى حزب في بلاد الرافدين: أظهر سودان ما بعد 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 أن الحزب الشيوعي السوداني في صدارة المشهد السياسي لبلده، وهو المتمسك بالماركسية كمصدر معرفي لبرنامجه السياسي والمحافظ على اسم الحزب، وأنه حزب شيوعي عربي هو، رغم خلافه مع السوفيات الذين وقفوا ضد عبد الخالق محجوب في عامي 1970و1971 ومع جناح معاوية ابراهيم ـــ أحمد سليمان في قيادة الحزب الذي مال إلى التعاون مع النميري وإلى حل الحزب والاندماج في الاتحاد الاشتراكي بقيادة النميري، كما فعل الشيوعيون المصريون تحت ضغط موسكو، أكثر تمسكاً بالماركسية وبالاسم الشيوعي للحزب من أحزاب كانت أكثر قرباً من الحزب الشيوعي السوفياتي في مرحلة ما بعد الانهيار السوفياتي.
السؤال الآن: ألا يدلّ بروز الحزب الشيوعي السوداني في سودان ما بعد 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 على آفاق ممكنة أمام الحركة الشيوعية العربية؟....
*كاتب سوري