خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما حول «حال الاتحاد» خطاب جدير بالدرس لما يعكسه من حالة الضعف في المؤسسة السياسية الحاكمة وحالة التراجع الشامل لمكانة الولايات المتحدة. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة على وشك الانهيار، إذ ما زالت مقومات التماسك السياسي والاجتماعي قائمة، وإن كانت في حالة تفسخ، فقد تؤدي إلى الانهيار إن لم يجرِ تدارك الأمر.


ماذا أظهر خطاب الرئيس؟ بالنسبة إلى الإلقاء، كان أداء الرئيس جيداَ بالنسبة إلى المعايير الأميركية. لم يكن إلقاؤه جامداً ومتعالياً، بل تخلّلته بعض اللقطات المرحة والإنسانية التي بدّد من خلالها بعض الانتقادات حول «فوقية» الرئيس وابتعاده عن شجون الناس، كما أيضاً بدّد صورة الرجل المتردّد في اتخاذ القرارات الصعبة، حيث إنه في أكثر من مرّة حذّر الكونغرس، وخاصة الحزب الجمهوري، بتجاوزه إن لم يتعاون معه في إقرار بعض المشاريع، كما استطاع عبر خطابه التعبوي تنشيط قاعدته الديمقراطية وإلى حدّ كبير بث بعض التفاؤل في مستقبل أفضل عند المواطن الأميركي المحبط، لكن لم يكن ذلك الخطيب الذي أبهر المؤتمر الديمقراطي عام 2008، كما لم يكن الخطيب المملّ. كان متواضعا في طموحاته، لكنه كان حازماً بالنسبة إلى ما يريد تحقيقه خلال هذا العام (2014) الذي سمّاه عام الحركة والعمل، غامزاً بذلك من قناة الكونغرس، الذي عطّل العديد من المبادرات التشريعية خلال العام المنصرم. فتواضع الرئيس الأميركي في طرح أجندته للعمل لعام 2014 أحرج الحزب الجمهوري، الذي لم يستطع أن يكون له أي مأخذ على تلك الأجندة، وإن كان لا يوافق على العديد من البنود، لكن الرفض الصريح لبعض المطالب كرفع الحد الأدنى للأجور وضرورة معالجة التفاوت الاجتماعي في الدخل، وخاصة عند المرأة، وهو أمر يجمع عليه الأميركيون، أجبر الحزب الجمهوري في الكونغرس على السكوت وعدم الاعتراض. في المحصلة جرى التصفيق للرئيس الأميركي حوالى ثمانين مرة شارك الجمهوريون فيها في نحو خمس ثلاثين مرة، وهي نسبة عالية في الجو الحالي من الاستقطاب والتشنج تجاه الرئيس.
لكن ماذا كان مضمون الخطاب؟ من الواضح أن الهم الرئيسي للرئيس أوباما هو الوضع الداخلي، وخاصة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. لم يعرض كل هواجس المواطن الأميركي كما لم يعرض الحلول لها. اكتفى بالتركيز على بعض القضايا التي عدّها ملحّة، لكنها قابلة للتحقيق بأقل كلفة ممكنة على الصعيد السياسي، وهذا دليل على الضعف البنيوي والمؤسسي في الولايات المتحدة، حيث الجرأة في القرار أصبحت غير مرغوبة. فدعوته إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في قطاع الدولة (يسمّونهم المقاولين!) إلى عشرة دولارات وعشرة سنتات للساعة، لاقت الترحيب لم يستطع الحزب الجمهوري التصدّي لها، وإن قلّل من قيمتها، كما أن دعوة الرئيس الأميركي لتقليص الفجوة في الرواتب والأجور بين الرجل والمرأة لاقت ترحيباً حاراً. وهذه الدعوة عزّزت مكانة الحزب الديمقراطي كحامي حقوق المرأة بينما الانطباع السائد هو أن الحزب الجمهوري لا يكترث للوضع الاقتصادي للمرأة، لكن ذلك الأمر يتطلّب تشريعاً خاصاً أي موافقة الكونغرس وهذا شبه مستحيل في حالة الاستقطاب والانقسام القائم. فالمساواة في الرواتب والأجور أمر مكلف للمؤسسات، وهذا ما لا تريده بالمطلق. فكيف يُنجَز ذلك؟
استطاع أيضاً الرئيس أن يكرّس الانطباع بأن الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري في مجلس النواب، وقوة العرقلة في مجلس الشيوخ أنه مسؤول عن الإخفاقات في التشريع. فكان التهديد أو التحذير باللجوء إلى ما يُسمّى الأوامر التنفيذية للتشريع أو أخذ القرارات ذات الطابع التشريعي دون اللجوء إلى الكونغرس. حثّ الرئيس الأميركي الكونغرس على العمل والتشريع، لكن إمكاناته في تحقيق القرارات الكبرى، سواء في الاقتصاد أو في المجتمع ما زالت محدودة. فهي من صلاحيات الكونغرس، الذي أراد الآباء المؤسسون تقويض الصلاحيات المفرطة للرئاسة عبر فرض التوازن في الصلاحيات فكانت العبارة المحددة للعلاقة بين الرئيس والكونغرس: «المشورة والموافقة»، أي على الرئيس استمزاج رأي الكونغرس وعلى الأخير الموافقة، لكن التهديد أو التحذير بتجاوز الكونغرس أثار حفيظة الحزب الجمهوري الذي بدأ يعدّ العدّة لعرقلة حركة الرئيس الأميركي. ليس من الواضح حتى الآن إمكان نجاح أي الفريقين في تحقيق أهدافه، لكن بطبيعة الحال فإن المأزق في الكونغرس مأزق بنيوي أكثر مما هو ظرفي خاصة في حالة الاستقطاب القائم بين الحزبين، كما أن المصالح الخاصة التي تتدخّل في التشريعات عبر اللوبيات أو المجموعات الضاغطة ناشطة في تجاوز المصلحة العامة لمصلحة المصالح الخاصة.
تميّز خطاب الرئيس في «حال الاتحاد» بعدم إثارة الملفات الخلافية أو التطرّق إليها على نحو معمق. ففي ملف الهجرة غير المشروعة، اكتفى بالتلميح له، لرغبته في عدم استثارة الحزب الجمهوري، الذي سيعرض مشروعا حول الموضوع. والهجرة غير المشروعة الوافدة من دول أميركا اللاتينية، التي يقدّر عددها بخمسة عشر مليون أمر حسّاس للغاية عند الجمهوريين. فهذه الهجرة تقوم بأعمال في قطاعات عديدة يرفض المواطن الأميركي القيام بها كقطاع الزراعة والبناء والتنظيفات، أي الأعمال الشاقة والقليلة الدخل، لكن في المقابل لا يريد الجمهوريون إعطاء أي من مكاسب دولة الرعاية للمهاجرين الجدد في التطبيب والتعليم.
غابت عن خطاب الرئيس الأفكار الكبيرة التي يحاول كل رئيس ترويجها لتحديد إرثه السياسي. تتميّز الولاية الثانية لأي رئيس بحرصه على عرض أفكار، وإذا أمكن إنجازها على نحو تحدّد قيمة ولايته وإرثه للتاريخ. فالرئيس الأسبق ليندون جونسون كان صاحب فكرة «المجتمع الكبير» و«الحرب على الفقر». والرئيس ريغان صاحب فكرة تقليص دور الدولة، والرئيس بيل كلنتون صاحب نظرية الاعتدال في الانفاق الحكومي. حاول بوش الابن أن يكون الرئيس الذي ساهم في نشر الديمقراطية في العالم، وقيم الولايات المتحدة واقتصاد السوق. لم يفلح بل كان إرثه السياسي كارثياً على الصعيد الاقتصادي والسياسي داخلياً وخارجياً.
في هذا السياق تطرّق الرئيس الأميركي إلى قضية الفقر في الولايات المتحدة دون أن يعرض حلولاً لها، مكتفياً بقضية التفاوت في الدخل والتأكيد على الضمان الصحي الذي هاجمه فيه الحزب الجمهوري. فالثقافة السياسية السائدة في الولايات المتحدة تجعل التكلّم عن إعادة توزيع الدخل من المحرّمات، لما لها من نكهة «اشتراكية» أو حتى «شيوعية». ممنوع التكلّم عن حرب الطبقات، بل المطلوب المحافظة على ما يُسمّى «الحلم الأميركي». أشار الرئيس في بعض اللقطات الوجدانية إلى أن الولايات المتحدة هي أرض الفرص، وأن الهوية الأميركية مرادفة للفرص. فعلى سبيل المثال، نوّه برئيس مجلس النواب الجمهوري جون بوينر، الذي كان جالساً خلفه بأنه طبيب، لكن والده كان يخدم في الخمّارات، أي من أصول اجتماعية متواضعة، لكنه في المقابل اعترف الرئيس بأن سلّم التحرك الاجتماعي عمودياً ما زال يراوح مكانه، حتى إن الدراسات أشارت إلى بعض التراجع. ورأى الرئيس أن هذا الواقع غير مقبول في القرن الواحد والعشرين، لكنّ الحلول التي عرضها عامة وفضفاضة للغاية، كضرورة تحسين الوضع التعليمي لجعل المكانة التنافسية الأميركية أقوى وأحسن مما هي عليه الآن دون تحديد كيف ومتى وبأي كلفة. فالحرب على الفقر تعني المزيد من المشاريع للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما لا توافق عليه شريحة كبيرة من الأميركيين.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فكان خطاب الرئيس تكراراً لمواقف سابقة مع تأكيده على عدم رغبة الولايات المتحدة في خوض حروب جديدة. في المجمل لم يحمل خطاب الرئيس الأميركي أي جديد، بل اكتفى بالعناوين العريضة دون الدخول في التفاصيل، كأن المقطع الخارجي جاء لرفع العتب عنه! لكنه أكّد الانسحاب من أفغانستان وإن كان هناك من يصرّ على توقيع اتفاقية مع الحكومة الأفغانية تستبقي عدداً محدوداً للقوات الأميركية والحلف الأطلسي لاستمرار سياسة ملاحقة «الإرهاب» في باكستان، لكن على ما يبدو فإن الحكومة الأفغانية ترى أن الولايات المتحدة بحاجة إليها أكثر مما هي الحكومة الأفغانية بحاجة إلى الولايات المتحدة. في مطلق الأحوال، فإن الانسحاب قبل نهاية 2014 أمر قائم لا تراجع عنه. في الملفات الأخرى الخارجية كرّر الرئيس الأميركي المواقف السابقة على نحو سريع، حيث أكّد دعم الولايات المتحدة للحركات الديمقراطية في العالم، ومناهضة الدكتاتورية (في سوريا بالذات!). الرسالة التي وجهها الرئيس الأميركي إلى الأميركيين هي أن عهد الحروب الاختيارية قد ولى، أي لن تشن الولايات المتحدة حربا إلا للدفاع عن النفس، أو إذا ما شُنّ هجوم عليها. فنظرية المحافظين الجدد التي تبنّاها جورج بوش الابن حول إعادة خارطة العالم سياسياً بفعل القوة لن تجد من يطبقها في هذه الإدارة. هذا الموقف فهمه جيدّا كل من حكومة الكيان الصهيوني وللأسف بعض القيادات في بلاد الحرمين واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. من هنا نفهم شراسة الحملات على الرئيس أوباما، الذي كرّر وأكّد التزامه أمن الكيان الصهيوني، لكن عدم التزامه بالضرورة سياسات حكومة الكيان. ففي الموضوع النووي الإيراني كما في الموضوع الكيميائي السوري كان الرئيس واضحاً بأن الدبلوماسية أفعل من استعمال القوة، وخاصةً أن القوة ستواجه بقوة مماثلة وما يليها من خسائر للمواقع الأميركية. ومن نتائج موقف أوباما تراجع عدد من الشيوخ الديمقراطيين عن قرارهم بدعم المزيد من العقوبات على إيران، مما طوى ذلك الملف حتى إشعار آخر. ومع بدء تنفيذ مقرّرات التفاهم مع إيران، يجري التأسيس للمزيد من التفاهم مع الدولة الإقليمية الصاعدة، وما على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إلاّ التكيف مع الواقع الجديد. من هنا نفهم النقلة النوعية في الموقف التركي، وزيارة اردوغان إلى إيران. ونفهم انعقاد مؤتمر جنيف برغم كل التحليلات المشكّكة في جدواه، وأو في النيّات الحقيقية للولايات المتحدة برغم الالتباس في تسليح المعارضة «المعتدلة» ومحاربة الإرهاب. الرسالة واضحة: لن تدخل الولايات المتحدة حروبا من أجل الغير!
من اللافت للنظر أن تواضع المقترحات الداخلية يتلازم مع التواضع في الطموحات الخارجية، وهذا ما يؤكد أن التراجع الأميركي أصبح أمرا واقعا في الوعي السياسي الأميركي. فالطريق المسدود في معالجة الملفات الداخلية عبر الكونغرس يعبّر عن ترهّل النظام والبنية السياسية القائمة، وهذا ما ذكرناه مراراً وتكراراً. ليس هناك في الأفق ما يدّل على أن القيادات السياسية تريد أو أنها قادرة على معالجة الأمر. والدليل على ذلك قلّة الكلام في الاعلام الرسمي، والبديل، وعلى المواقع الإلكترونية الأميركية عن خطاب الرئيس بعد يومين من إلقائه، مما يؤكد عدم جدّية النخب الحاكمة، وحتى النخب المثقفة العاملة في مراكز الأبحاث، في ضرورة مقاربة الواقع الأميركي الداخلي، لكن ما دام الواقع على ما هو عليه الآن، فإن التراجع المستمر لأجيال قادمة قد يسبقه انهيار عام.
* الأمين العام للمنتدى القومي العربي