السيّد الذي كان ولم يزل في حديث أبي فاتحة الكلام، وفي حديث أمي الأيقونة المقدسة، وفي أحاديث كلّ أهلي، بل وكلّ أهالي بنت جبيل كان ولم يزل فصل الخطاب. ومن شدة حبّ الناس واحترامها له، كان السيد محمد علي فضل الله أحياناً لا يحتاج أن يتكلم، بل يكفي أن يهزّ برأسه أو يشير بيديه حتى يحلّ المعضلات والقضايا. لقد كان الرقم الصعب في كلّ معادلات بنت جبيل - الاجتماعية والدينية والثقافية والعائلية، وحتى السياسية - ومع كلّ ذلك كان أعفّ الناس نفساً وأشدّ المتواضعين جنباً، وكان في عيون كلّ من عايشه وقلوبهم رمزاً للطهر ونبراساً للتقى ومدرسة للأخلاق العملية. لكن عندما كان الأمر يحتاج إلى موقف، كان السيد الثابت الصارم الشجاع الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم.

وكنّا (كأهالي بنت جبيل) ولم نزل وسنبقى، نرى فيه الصورة المشرقة لوالده سماحة آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله، الذي كان من ورثة الأنبياء في سيماء أجداده من آل بيت رسول الله. وأيضاً، شرف كبير أن يكون شقيقه هو المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، وعادة مثل أمر كهذا يترتب عليه ما يترتب، لكن هذا مع كلّ شرفه لم يزدد السيد محمد علي إلّا تواضعاً، ومحبة الناس له كانت لذاته ومن دون أية إضافات، وإن كانت جليلة ومشرّفة.
لستُ أنسى ذلك اليوم من أواخر ثمانينيات القرن الماضي عندما نصحني بأهمّ نصيحة في حياتي قائلاً: «إياكَ أن تتعصّب لجماعة أو جهة أو عائلة على حساب دينك والحق والعدل، ولو بقيت وحيداً، فإنّ الله ناصرك لا ريب». وهنا، حقّ له، وحقّ لي أن أعترف الآن بأنّ هذه الكلمات كانت القاعدة الأساس التي حكمت حياتي وبنت شخصيتي بكلّ تفاصيلها، حتى في دراستي وتحصيلي العلمي، ما برحتُ أبحث وأُباحثُ في قيم الحق والعدل وأصحابهما ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً. وكنتُ كلما أصدرتُ كتاباً أو نشرتُ بحثاً أسرع إليه لأهديه أوّل نسخة، فقط وفقط لأقف على بركاته وبسمة رضاه، هذه البسمة التي كانت تشعّ في كلّ وجودي، وتملأ كلّ كياني بالمحبّة والإشراق. ويا لبسمته... التي كانت الدافع الأكبر للاستمرار والتحصيل والتقدّم. كم أنا فخور بأنّه كان الأستاذ والصديق والأب والمرشد في معظم تفاصيل حياتي، وكم أنا في غاية الرضا أنّني عشتُ أيام العلّامة السيد محمد علي فضل الله!
والآن يا سيدنا ويا والدنا ويا مُعلِّمنا ويا حبيبنا أعتذر إليك؛ لأنّني لم أعد قادراً على الكتابة، فهذه دموعي قد فاضت على حبري، لكنّني أعدك بأنّني سأبذل كلّ مستطاع لإصدار كتاب عن حياتكَ الشريفة، بل بالأحرى عن حياتنا في بعض حياتك؛ إن كان في العمر من بقية باقية.

*السيد محمد علي فضل الله الذي وافته المنية مساء الأحد الماضي 30/6/2019 في بيروت
**كاتب لبناني/ المدير العام لدار «الأمير» للثقافة والعلوم