عزيزي البروفسور

تحيّة وبعد،
أنا مواطنة لبنانيّة من أشدّ المعجبين بذكائك وأدائك في التخطيط والتنفيذ لتحقيق مطالبك. لذا، وبعد تفكيرٍ وتردّدٍ طويلين قرّرت أن أتوجه إليك بهذه الرسالة، طالبةً منك المشورة والنصيحة. أعيش في بلدٍ اسمه لبنان، لا بدّ أنك سمعت عنه في الأيّام الأخيرة بعدما ملأت أخباره صحف العالم. إنّها للأمانة أخبار مشرّفة و«بترفع الراس». لبناننا يا بروفسور قرّر أخيراً أن يثور. إنّها ليست أيّ ثورة، بل من النوع الذي قلّ نظيره في تاريخ بلادنا. بلادنا الي مزّقتها الحرب قبل نحو أربعة عقود؛ بلادنا التي أعيد بناؤها في زمن السلم على أسسٍ طائفيّة ومذهبيّة ومناطقيّة، بلادنا التي شكّل الفساد أحد عناوينها المُخزية وجعلنا نحتل دائماً المراتب الأولى في قائمة الدول الأكثر فساداً. لبناننا هذا قرّر أن يثور. تأخّرت الثورة عن موعدها أعواماً طويلة. ولا أخفيك سراً أنّنا ( نحن اللبنانيّين) أصابنا اليأس الشديد. لم نصدّق يوماً أنّنا لن نشهد على الثورة بمعناها الفعليّ فحسب، بل نصنعها ونشارك فيها، ونفترش كلّ طرق لبنان وساحاته، ونصل الليل بالنهار، ونوحّد الأيادي والحناجر، ونطالب السلطة الفاسدة التي تتوارث سرقة البلاد ونهبها بالرحيل... وإلا فلتسقط في الشارع! تأخرت الثورة. نعم تأخرت، وقائمة الأسباب طويلة، يبقى أبرزها القيود الطائفية والمذهبية التي فرضها أهل السلطة على المواطنين وجعلوهم يظنّون أنّ طائفتهم هي خلاصهم، لأنّ الطائفة الأخرى تريد أن تقضي عليهم. لن أطيل الشرح هنا، ولن أدخلك في تفاصيل تركيبة البلاد المُعقدة، سأترك ذلك إلى حين نلتقي، وهو ما أتوق إليه بشدّة ( أقصد اللقاء)، وسأدخل في صلب الموضوع وأشرح أسباب هذه الرسالة.
عزيزي البروفسور،
لقد انطلقت هذه الثورة بشكلٍ عفويّ مطلقٍ قد لا يحدث في أكثر الأفلام خيالًا وإثارة. ورغم كلّ ما قيل ويُقال وسيُقال عن جهات مشبوهة دفعت الناس إلى الساحات وصرفت عليها أموالاً، فهو محض افتراء ومحاولة بائسة للتقليل من قيمة التحرّك الذي فاجأ السلطة بكلّ أطيافها وأصولها وفروعها، وجعلهم لا يدرون ماذا يقولون أو يفعلون أو يتصرّفون. عذراً بروفسور، لكن ثورتنا خطفت الأنظار والأنفاس وبدت أكثر إدهاشاً من خطّة دخولك إلى مركز طباعة الأموال! المشكلة التي نواجهها الآن يا بروفسور، تتمثّل في حاجة ثورتنا إلى قيادة حكيمة، وخصوصاً أننا نتعامل مع سلطة جمعت كل خبث العالم واحتياله، سلطة تحكّمت في كلّ مفاصل البلد الاقتصادية، سلطة تشارك المصارف الخاصة في نهبنا وإفقارنا، سلطة «تحاضر بالعفّة» وهذا تعبير لبنانيّ، سأشرح لك معناه لاحقاً. والأنكى أنّها تدّعي وقوفها مع الشعب، وتدعم تظاهراته ومطالبه المُحقّة! هل سمعت بعهرٍ أكثر من هذا العهر، لو أخبرك بعضاً ممّا يصرّحون به لتخلّيت عن مبدئك في رفض إراقة الدماء، وطالبت بتعليقهم من حناجرهم في الساحات العامة!

فقد معظم اللبنانيين الثقة بأيّ لبنانيّ منذ أكثر من عشر سنوات في تولّي قيادة التحرك


عزيري البروفسور،
بالأمس خرج رئيس الحكومة سعد الحريري بعد اجتماعِ وزاريّ دام ساعات طويلة ليقدّم لنا «ورقة إصلاحية» كما سمّاها، لو قرأتها لمزّقتها إرباً، وابتسمت ابتسامتك الساحرة، وعدت إلى العمل مع مجموعتك الرائعة للنيل من محاولتهم التذاكي على شعب لبنان الذي تدفق بالآلاف إلى الساحات في رد فعلٍ اعتراضي وبديهي. عنوان الورقة برّاق ولكن تفاصيلها خطيرة جداً. وقد انهمك الاقتصاديون أمس في تحليلها وتفسيرها وإبراز مكامن الخطر فيها. قد أنجح في ترتيب لقاء لك مع أحدهم إذا أردت مزيداً من التفاصيل من أجل مساعدتنا في وضع خطّة محكمة للرد عليهم. هنا بيت القصيد، وهذا هو هدف الرسالة. إنني أطلب منك المساعدة. تفتقر ثورتنا إلى قيادة حكيمة. هي، كما سبق أن قلت لك في مطلع هذه الرسالة، ثورة عفويّة غاضبة لأناس قرروا كسر كلّ القيود والاحتجاج على وضعهم الراهن السيّئ على كل المستويات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعية. ولكن العفوية وحدها لا تكفي، وهي عرضة لأن تستغلها السلطة أو سواها من الأطراف المتضرّرين أو المتطفلين. وبصراحة متناهية قد لا تعجب البعض، لقد فقد معظم اللبنانيين الثقة بأيّ لبنانيّ منذ أكثر من عشر سنوات في تولّي قيادة التحرك. قد يكون بعضنا مصاباً برهاب الاستغلال لتحقيق مصالح خاصة، وخصوصاً أن التخوين هو متلازمة مجتمعنا. وللأسف، حصل أمس ما يعزّز هذه المخاوف. وصدرت بيانات من هنا ومن هناك تتحدّث باسم الثورة والثوار، لا علم للمتظاهرين بمن أوكل إلى أصحابها هذه المهمة! المهم الآن أنّنا بأمسّ الحاجة إلى خبرتك وذكائك وشفافيتك. ولعلمك، لقد انتشر قناع دالي بين المتظاهرين، وردّدت مجموعات منهم نشيد «بيللا تشاوو». جمهورك كبير في لبنان، وتابعناك على مدى ثلاثة فصول في المسلسل الرائع «لا كازا دي بابيل». بالمناسبة، متى سيعرض الفصل الرابع؟ قلبنا معك بعد أسر حبيبتك راكيل، لكننا على ثقة تامة بأنك ستنجح في إنقاذها.
عزيزي البروفسور،
أخيراً وليس آخراً، اقترح الاتصال بـ جون سنو (لعبة العروش)، أعرف أنه قد يتحجّج بأنّ «الشتاء قادم»، ولكن الجبهة هادئة عندهم حالياً، بحسب آخر الأخبار التي وردتنا من هناك. نحتاج إلى شجاعة جون سنو لأنك ستواجه في لبنان وحوشاً يتحكمون في البلاد والعباد. وأسمح لنفسي بأن أقترح عليك الاستعانة بـ تومي شلبي (بيكي بلايندرز)، لأنّ لديه خبرة عريقة في التعامل مع السلطة. أرجو ألّا تظن أنني أقّلل من قدرك في اقتراح التعاون معه، ولكنّ الثورة تحتاج إلى العنف أحياناً، وأنا أعرف كم تخشى ذلك ولا تحبّذه، ولكنّك ستحتاج إليه حين تتعامل مع طبقة فقدت حسّها ولا يحركها سوى الجشع والطمع وتقتات دماء الناس وعرقها وتعبها. وبعد أن فقدت وفقدنا معك شقيقك برلين الذي كان ضرورة لأيّ عمل ثوريّ ناجح، أرى أن تومي وعصبة الـ«بيكي بلايندرز» أهل لهذه المهمة.
ملاحظة: إذا كان لا بدّ من أن أطلق على نفسي اسم عاصمة ما، عملاًَ بالمبدأ السائد في من يتعاملون معك، فإنني ما أزال محتارة على أيّهما سيقع اختياري: طرابلس عاصمة الشمال، أم صور عاصمة الجنوب!
كل الاحترام
مودتي
* كاتبة لبنانية