تسود حالة من الارتباك والتخبّط لبنان هذه الأيّام. لكنّها تبدو أكبر من العادة ربطاً بهذا البلد المتمرّس في الارتباك والتخبّط. حزب الله يجاهد كي يستمرّ الوضع السياسي على ما كان عليه (قبل الانتفاضة وقبل الانفجار، ولو أمكن قبل الـ«كورونا»، و حتى قبل اغتيال الحريري)، بينما يعيش فريق 14 آذار حالة انتشاء شديد لكن مع ترقّب، وخصوصاً جناحه «الثاو الثاوي» الناشط ضمن حراك 17 تشرين. المحور، الذي يضمّ إيران وحزب الله، في حالة ضعف وانكفاء شديدين، ليس فقط بسبب الانكماش الاقتصادي الإيراني، بل أيضاً بسبب المبالغة في قدرة أو رغبة الحكومة الأميركية في التدخّل العسكري في بلادنا. بينما يخطّط الفريق المعاكس على أساس أنّ الحكومة الأميركية قد حزمت أمرها، وتنوي التدخّل العسكري في لبنان قريباً جداً، وخصوصاً لو أعيد انتخاب دونالد ترامب رئيساً لولاية ثانية. لكن الأطراف الموالية لأميركا والسعودية في لبنان، مثلها مثل الأطراف المعارضة لأميركا، تخلط بين التهويل الأميركي والترهيب وبين قرار التدخّل العسكري. والحكم على قرار التدخّل العسكري الأميركي في لبنان يفصل، لسبب من الأسباب بين احتمالات التدخّل وبين نتائج الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان. ينسى هؤلاء كيف انتهى التدخّل العسكري في البلدَيْن، حيث تتفاوض الحكومة الأميركية، اليوم، مع الجهة المفترض أنها العدو الأول لها في أفغانستان، أي حركة «طالبان»، من أجل التوصّل إلى حلّ، وإلى عودة «طالبان» نفسها إلى حكم أفغانستان (كما ينسى المراهنون على التدخّل الأميركي الجديد، كيف انتهت تجربة التدخّل العسكري الأميركي المباشر في لبنان في ثمانينيّات القرن الماضي). والتحذير الذي أطلقه روبرت غيتس، وهو آخر وزير دفاع في عهد جورج دبليو بوش، أعلن فيه أنّ أي رئيس أميركي سيحاول شنّ حرب في الشرق الأوسط في المستقبل، سيحتاج إلى فحصٍ في قواه العقليّة. والمفارقة أنّ التحالف السعودي في المنطقة العربية، يعقد كلّ آماله على ترامب، الذي لا يزال أقلّ الرؤساء المعاصرين نزوعاً لبدء الحروب. كان الطموح الحربي لهيلاري كلينتون أكبر بكثير من طموح ترامب، وليس فقط بحكم فرض التوقّعات البطريركيّة على امرأة في موقع يتّصف بالذكورية (وفق الدستور في وصف «القائد الأعلى» للقوات المسلّحة)، بل بحكم أنها كانت ممثّلة لإمبراطورية الحرب، التي هي في حالة صراع مع ترامب.

لكنّ أميركا لا تنكفئ ولا تغيب (بإرادتها على الأقل)، وتستطيع إمبراطورية الحرب أن تتجاوز الرئيس وأن تفرض أجندتها عليه، وخصوصاً عندما يكون الموضوع يتعلّق بمحاربة أعداء إسرائيل. وهذه الأجندة تدخل في نطاق ما يُسمّى هناك بـ«إجماع الحزبَيْن»، وليس أعرق من هذا الإجماع في السياسة الخارجية والدفاع، أكثر من نصرة عدوان واحتلال إسرائيل. لكنّ ترامب المشغول بالسياسة الداخلية، يترك أمر السياسات الخارجية للبيروقراطية، والبيروقراطية تنفّذ مشيئة اللوبي الإسرائيلي في الشرق الأوسط. لكن هناك غياب للمبادرات، والتنطّح للإيحاء بوجود مبادرات يمكن أن يرتدّ، كما حدث مع السفيرة الأميركيّة الحالية في بيروت، عندما تنقّلت على الشاشات متدخّلةً في تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية.
إنّ المبادرة الفرنسيّة تعبير عن عدم وجود مبادرة أميركية في لبنان. يعتمد ترامب في سياساته في الشرق الأوسط، على العلاقات الشخصية والتبادلات النفعية (السلاح مقابل التطبيع مع إسرائيل بالنسبة إلى الخليج، نقل السفارة مقابل لا شيء بالنسبة إلى إسرائيل... إلخ). والجهاز البيروقراطي في وزارتَي الخارجيّة والدفاع الأميركيّتين شبه معطّل، لأنّ جاريد كوشنر يمسك بيده صنع القرار، والموضوع الذي يهمّه هو فقط مصلحة إسرائيل. محاربة حزب الله هي أجندة أساسيّة، كما محاربة «حماس». ولأنّ الحكومة الأميركيّة تثق بخضوع أوروبا الكلّي لها ولأولوياتها، فإنّها لا تمانع بتلزيم ملفّات هنا وهناك للأوروبيّين. زمن المبادرات الفرنسية المستقلّة (مثل كلام كلود شيسون عن حق «منظمّة التحرير» في تمثيل الفلسطينيّين في أوائل الثمانينيّات، والذي وصفه جورج شولتز في حينه بـ«المزعج») ولّى إلى غير رجعة. حاول فرانسوا ميتران، في أيلول / سبتمبر 1990، أن يقدّم مبادرة لمنع الحرب الأميركيّة في العراق، فما كان من إدارة بوش إلا أن تجاهلته، ونسيَ ميتران مبادرته. الذي يعوّل أو يأمل بدور فرنسي مستقل عن أميركا في الشرق الأوسط، يُكرّر سذاجة الثنائي روحاني ـــــ ظريف، اللذين عبّرا عن ثقة بأنّ الدول الأوروبية ستقدّم بدائل لتجاوز العقوبات الأميركية على إيران.
وهناك، أيضاً، حالة من الجنون تسود السجال السياسي اللبناني. أصوات تصدح تذكّرك بالأيام التي تفصل بين الانفجار الكبير في سنوات الحرب. سجعان قزّي يظهر على شاشة «إن. بي. إن» ويبشّر بنوايا سلميّة وخيريّة لإسرائيل ويدافع عن اجتياح 1982، وينفي أن تكون لإسرائيل نوايا عدوانية أو احتلالية نحو لبنان (الصحف والمنظّمات الإسرائيلية والصهيونية، لاحظت التصريح ونشرته على نطاق واسع). ثم، ما عدا ما بدا كي تطلع أصوات تطالب بالحياد بعد تفجير المرفأ مباشرة؟ هل كان الحياد سيحيّد لبنان عن المواد المتفجّرة أم أن إعلان الحياد من شأنه أن يقضي بضربة واحدة على الفساد؟ ولو أنّ إعلان الحياد بريء، فلماذا لم يعد أي مسؤول أميركي ينطق بكلمة عن لبنان من دون التشديد على ضرورة تقيّد لبنان بالحياد؟ هل هذا التأييد الأميركي المباشر (وأميركا دولة، أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها إنّها غير حيادية) هو دحضٌ لبراءة إعلان الحياد من لبنان؟ ولماذا تتزامن أصوات دعوات الحياد مع دعوات صريحة للفدرالية؟ تخال أنّ هناك من يرى أنّ الجو الإقليمي بات مؤاتياً للعودة إلى مقرّرات سيّدة البير. والأحزاب الانعزالية التقليدية (وهي تضمّ التيار الوطني الحر، الذي لم يدع تحالفه مع حزب الله ينغّص عليه انعزاليّته التقليدية التي حظيت مبكراً بمباركة سعيد عقل) تجد أنّ انتهاء هيمنة النظام السوري في لبنان، بالإضافة إلى الدخول القوي للحكومة الأميركية (أو «المجتمع الدولي»، كما يسمّونه في لبنان، حتى إن ناشطاً لبنانياً من أنصار الحريري خرج بعد لقاء مع ديفيد شينكر ليقول إنّ «المجتمع الدولي» طلب لقاءه) عزّز الثقة بالأطروحات التي أشعلت الحرب وأدامتها، وأدّت في المحصّلة إلى هزيمة منكرة للميليشيات الانعزالية في لبنان. والثقة بالنفس هذه، تعتمد على إيمانٍ ظرفي مؤقت لتيّارات سنّية موالية للسعودية بالعقيدة الانعزالية التقليدية. لكنّ هذه لن تستمر، لأنّ استخدام الأحزاب المسيحية من قبل أطراف غير مسيحية (سنّية وشيعيّة، داخليّة وخارجيّة) سيرتدّ على الوضع السياسي للحركات السياسية للمسيحيّين في لبنان. وكما أنّ المشروع الانعزالي القديم لبيار الجميّل أدّى إلى إضعاف الوضع السياسي المسيحي في لبنان (طبعاً، يجب ألا تكون هناك «أوضاع» خاصّة بكلّ طائفة، لكنّ هذا هو لبنان). معركة بيار الجميّل للدفاع عن صلاحيّات رئيس الجمهورية، أدّت إلى فقدان رئيس الجمهورية لكلّ صلاحيّاته. والتدخّل الكبير للبطريرك الماروني في الشأن السياسي (هو يعظ في شكل الحكومة العتيدة، وفي شأن السياسة الخارجية للبنان) سيربط، بصورة غير منصفة، بين مشروع سعودي ــــــ أميركي وبين طائفة بحالها، وقد يلحقها أذى جراء ذلك، كما فعل عندما تدخّلت «القوات اللبنانية» في الجبل، وأدّى ذلك إلى حرب طائفيّة ضدّ كلّ المسيحيّين في الجبل.
تكثر التحليلات عن مبادرة إيمانويل ماكرون في لبنان. يعرف الغرب كيف يصيب شعباً بالإنهاك الشديد، كي يسيطر على مقدّراته وثرواته. الغزو الأميركي للعراق، في عام 2003، جاء بعدما أمعنت العقوبات في عقدٍ سبق، في إفقار وتجويع الشعب العراقي. حوّلت أميركا العراق من دولة رائدة في التقدّم والنمو، إلى دولة فقيرة من دول العالم النامي. ولبنان، بات اليوم بلداً منهكاً، كما أنّ التفجيرات الإسرائيليّة قبل الاجتياح في عام 1982، كانت قد أنهكت شعبه لتجعله أكثر طواعية، وساعدتها في ذلك حملات شوفينيّة عنصريّة ضد الفلسطينيّين، شنّتها قوى وأحزاب تمثّل الطائفية المسيحية والشيعية آنذاك. لكن بالرغم من الإنهاك، طردت قوات متنوّعة الاحتلال الأميركي من العراق، كما طُرد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان ــــــ وبذلٍّ غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي.
سيستمرّ الاختلاف بين الرؤى والتحليلات بشأن ما إذا كان الانهيار اللبناني مؤامرة خارجيّة، أم نتيجة حتميّة للفساد وسوء الإدارة والتدبير في النظام اللبناني. هناك تقليلٌ لدور المؤامرة الخارجية في تأجيج وتفاقم وتوقيت الانهيار، وبدعم مباشر من المؤامرة الأميركية الخارجية التي ترعى وسائل إعلام وقوى سياسية ودينيّة، بالإضافة إلى قوى وتيّارات في الحراك (بما فيها حزبٌ «قيد الإنشاء»، لكنّه بالرغم من أنّه لم يُعلن عنه بعد، فقد حظي بحضور اللقاء مع ديفيد شينكر، أي أنّ الأخير سمع بالحزب، الذي هو لم يخرج إلى النور، قبل أن يسمع به الشعب اللبناني). لم تكن صدفة، أنّ الحديث عن السياسة الخارجيّة كان من محرّمات الحراك، إلى درجة أنّ قوى اليسار فيه شعرت بالإحراج من تناول السياسة الخارجية، حتى لا تُتّهم بالنطق بلغة خشبيّة (واللغة الخشبيّة هي الوصف التي كان طغاة الخليج يطلقونه على الإعلام العربي، الذي نادى بالتقدّم وتحرير فلسطين، والاشتراكية في زمن الصعود الناصري). والتنصّل من السياسة الخارجية كان سمة الحراك، كما الحياد انطلق من الساحات قبل أن يصل إلى بكركي. من كان يتوقّع أن ينضمّ أسامة سعد إلى جوقة «لا شرق ولا غرب»، كأنّ الشرق يهدّدنا بالاجتياح والعقوبات والغزو، وكأنّ الشرق يرعى المشروع الصهيوني.

لا يمكن أن يكون ماكرون «فاتحاً على حسابه في لبنان»، فالدور الفرنسي يتناغم مع الدور الأميركي


لا، لا يمكن أن يكون ماكرون «فاتحاً على حسابه في لبنان». الدور الفرنسي يتناغم مع الدور الأميركي، والمسؤولون الأميركيّون يكرّرون أنّهم على تواصل دائم مع الحكومة الفرنسية بشأن لبنان. وشأن لبنان لا جانب فيه غير إسرائيل، بالنسبة إلى أميركا. الجميل في ترامب، أنّه دخيل على السياسة ما يجعله أكثر صراحةً وشفافيةً من كلّ مَن سبقه في المنصب (مع أن الإعلام يعيّره على أكاذيبه، بالرغم من أنّ أكاذيب الذين سبقوه كانت أكثر تدميراً، مثل أكاذيب غزو العراق). ترامب أخبر «فوكس نيوز»، قبل أيام، أن ليس هناك في الشرق الأوسط ما يجذب أميركا غير إسرائيل، وأنّ النفط لم يعد يعني أميركا (أميركا لا تريد من دول النفط إلّا الاستجابة لطلباتها لتخفيض أو زيادة الإنتاج، ويسرّ تلك الدول دائماً أن تلبّي الطلبات الأميركيّة حتى على حساب مصالحها ومصالح شعوبها). هكذا، وصف ترامب أهميّة الشرق الأوسط بالنسبة إلى أميركا. ليس هناك في لبنان إلّا إسرائيل، أي أنّ كلّ السياسة الأميركيّة منصبّة على تعطيل أعداء إسرائيل وتقويض ثقافة العداء لها. وقد نجح الاستثمار الأميركي في ذلك، كما نجحت أميركا في استحداث لغة خشبيّة خاصّة بها وبإسرائيل، تضخّها في الإعلام العربي وعلى وسائل التواصل، وتقوم منظمات الـ«إن. جي. أوز» بتنميقها وتزيينها بأسوأ ما ابتذله خطاب حقوق الإنسان الغربي المنافِق، والذي يجعل من إهانة فرد إسرائيلي جريمة أفدح من قتل الفلسطينيّين الدوري على يد جيش الاحتلال.
لبنان لم يكن يوماً مستقلّاً، وكان خاضعاً للمصالح الغربيّة منذ الاستقلال: كان الاستعمار البريطاني القابلة القانونيّة للاستقلال، لكنّ عهد كميل شمعون أرسى قواعد السيطرة الأميركيّة على لبنان. وليس صحيحاً أنّ عهد فؤاد شهاب (في تلك «الخيمة») أسّس لحياد لبنان. فؤاد شهاب، لم يقلّ مناصرةً للغرب عن شمعون، لكنّه كان أكثر دبلوماسية وأقلّ صفاقة منه، كما أنّه كان أحرص على التقيّة في العمل السياسي. جمال عبد الناصر، حرص على «احترام» الوضع الخاص للبنان، وكان هذا خطأ منه لأنّه جعل من لبنان مستعمرة غربية تتآمر في السياسة والإعلام، ليس فقط ضدّ الدعوة الناصريّة والوحدة العربيّة، بل أيضاً ضدّ ما كان يُعرف آنذاك بالعمل العربي المشترك. الحياد اللبناني المزعوم في حقبة شهاب، كان انحيازاً لبنانياً قويّاً للمعسكر الغربي لكن بستار من الكلام المُداهن والمنافق، الذي رسم سياسة لبنان الخارجيّة منذ الاستقلال. «المكتب الثاني» و«الأمن العام» في عهد الشهابيّة، كانا مكاتب لمكافحة اليسار والشيوعية، وبرعاية خارجية. عكست الحرب الأهلية تحالفات متعدّدة الجوانب والأبعاد والارتباطات، إلى أن أتى «اتفاق الطائف» كي يُلزِّم لبنان لتفاهمٍ سعودي ــــــ سوري، ولم تكن أميركا بعيدة عنه. كان النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري ينسّق سرّاً وعلناً مع الحكومة الأميركية، وكانت هناك حتماً ملفّات سرّية لم ندرِ بها يوماً (بتنا نعلم اليوم من وثائق أميركية مُفرج عنها، عن تنسيق حكمت الشهابي (صديق حافظ الأسد ورفيق الحريري ووليد جنبلاط) مع واشنطن في مكافحة تنظيمات شيوعيّة عربية).
كان تنصيب نجيب ميقاتي، في عام 2005، فخّاً وقع فيه حزب الله وحلفاؤه. وافق الأميركيون على مجيء رجلٍ، كان يُحسب بشدّة على النظام السوري وحلفائه في لبنان، لكنّ التجربة تظهره أحياناً أقرب من فؤاد السنيورة إلى المشروع الأميركي ــــــ السعودي في لبنان. هو الذي حمّل لبنان أعباء نفقات محكمة الحريري الإسرائيليّة، وهو الذي عجّل في ترتيب الانتخابات النيابيّة التي كان يُراد منها نقل السلطة، وبسرعة، من ضفّة إلى أخرى. وفي كل تلك الفترة، كان فريق حزب الله يظنّ أنّ ميقاتي يدخل في «الموْنِة». لم يتزعزع الحكم الغربي على لبنان، مذّاك، وإن تعايش حزب الله معه. 5 أيار / مايو 2008، كانت محاولة من الفريق الأميركي ـــــــ الإسرائيلي ـــــــ السعودي لاختبار المدى الذي يستطيع أن يذهب إليه في خدمة إسرائيل، بعد فشلها في حرب تمّوز من أجل تقويض دعائم مشروع مقاومة إسرائيل. وكانت ردّة الفعل، التي تلتها مرحلة أخرى من التعايش بين الفريقَيْن. لكنّ الغلبة كانت دوماً للفريق الأميركي: الجيش (باستثناء حقبة إميل لحّود، قائد الجيش الوطني المقاوِم الوحيد في كلّ تاريخ لبنان الحديث، وزارع العقيدة الوطنيّة للجيش، والتي بدّدها خلفاؤه) وقوى الأمن والقضاء والقطاع المالي والمصرفي والإعلام، كان تحت الولاء الأميركي، حتى في مرحلة سيطرة النظام السوري. لم تكترث المخابرات السوريّة في لبنان للولاءات، طالما كانت تتلقّى المال والخوّات كما تشاء.
مبادرة ماكرون ليست أقلّ من انقلاب فرنسي ـــــــ أميركي على الحكم في لبنان. اختار ماكرون لحظة ضعفٍ في صفّ فريق حزب الله وحلفائه للانقضاض: حكم ميشال عون والتيار، كان في لحظة تضعضع بعد انفجار المرفأ، وبعدما حوَّل رعاة مخرّبي الحراك (أي الذين اخترقوا الحراك لمنعه من الوصول إلى أهدافه المتواضعة بمعاقبة فاسدين وأصحاب المصارف ورياض سلامة) الغضب الشعبي العارم، إلى تركيز على أُم جبران باسيل. وحزب الله، لأسباب لا يعلمها إلا هو، اختار أن يتولّى هو (ربما بتوكيل من منصّة الثنائي الشيعي) أمر الدفاع المستميت عن النظام الفاسد، وهو الذي ارتضى أن يرعى حكومة حسّان دياب الفاشلة. بانفجار المرفأ، أصبح إعلان وفاة حكومة دياب واقعاً، كما أنّ ضعف المحور الإقليمي الذي ينتمي حزب الله إليه، لا يزال يعاني من ضعف شديد، إلى درجة أنّ الحزب لا يشعر بحريّة الحركة للانتقام من اغتيال إسرائيل لعضو فيه في سوريا، وعندما يفعل ذلك، ستقوم القيامة ضدّه في لبنان، حتى من بعض حلفائه الرخوين.
لا، لا يمكن أن تكون مبادرة ماكرون معزولة عن مشيئة الإدارة الأميركيّة. على العكس، هذه الإدارة تعاني من غياب المبادرات الإقليميّة، لأنّ جاريد كوشنر لا يرى في الشرق الأوسط إلّا مساعدة إسرائيل، وتوسيع نطاق تحالفاتها (يروي بوب وودورد، في كتابه الجديد، «الغضب»، أنّ وزير الخارجيّة السابق، ريكس تلرسون، كان يشعر بـ«الغثيان» عندما كان يرى كيف يتعاطى كوشنر مع بنيامين نتنياهو). مبادرة ماكرون، هي تفويض من اللوبي الصهيوني من أجل تسلّم المحور الغربي (تسمّونه «المجتمع الدولي» في لبنان) لمقاليد الأمور في لبنان، لحشر حزب الله وزيادة الضعط عليه. وماكرون، لم يخفِ مقاصد المهمّة: أنّ مشروعه ليس إلّا تطبيقاً مرحليّاً للمشروع الأميركي في استهداف حزب الله. وماكرون وشينكر عطّلا مشروع الجناح «الثاو الثاوي» في الانتفاضة اللبنانيّة، في إجراء انتخابات مبكّرة (لعلّ فؤاد السنيورة أفصح عن توارد خواطر مريبة بينه وبين الثاو الثاويّين، عندما صرّح لجريدة «نداء الوطن»، بأنّه هو كان أوّل من اقترح اسم نواف سلام لرئاسة الحكومة، لكنّ أديب أفضل من سلام، إذ أنه يخدم مُرشدَيْن بدلاً من معلّم واحد.
جمعهم ماكرون وأمرهم وأنذرهم وأمهلهم، وجلسوا جميعاً صامتين صاغرين، بمن فيهم محمد رعد. أمّا الكلام الفرنسي عن حزب الله، فلا يختلف في مقاصده عن الكلام الأميركي. الهدف واحد لكن بطرق مختلفة. من دون انتخابات نيابيّة مبكرة (غير مضمونة النتائج كما اعترف شينكر) يريد الانقلاب الأميركي ـــــــ الفرنسي تركيب سلطة جديدة تحكم باسم «الثوار»، وتلغي الشرعيّة المكتسبة بالاقتراع، لأنّها لم تكن مؤاتية لأميركا. هذا ما فعلته أميركا عندما فشلت في إيصال حركة «فتح» إلى السلطة، في عام 2006، فقامت ببساطة بالتحضير لانقلاب عبر محمد دحلان، إلّا أنّ «حماس» كشفته قبل حدوثه، وانقلبت على الانقلاب (طبعاً، أميركا العريقة في الخطاب المنافِق اعترضت على انقلاب «حماس» واعتبرته غير شرعي، لأنّ التسليم بانقلاب أميركا غير الشرعي هو شرعيّة الغاب الأميركيّة).
هناك خطّة أميركيّة ـــــــ فرنسيّة للبنان، وليس هناك من خطط أخرى. لحزب الله خطة اقتصاديّة لكنّها سريّة، والملاحظ في اللقاءات مع ماكرون أنّ كل الأحزاب قدّمت تصوّراً لماكرون (أليس مهزلة المهازل أن يقوم الحزب الجنبلاطي بتقديم ورقة إصلاحيّة؟) باستثناء حزب الله، وقد تكون ورقته الإصلاحيّة سريّة أيضاً. تيارات الحراك منقسمة على نفسها، وليس هناك ما يجمعها، وإن كان أوقحها تلك التيّارات التي تنطق باسم الشعب اللبناني (وهي تعجّ بالحريريّين). لكن عندماً يهتف لبناني لماكرون «ببوس إجرك، انتدبنا»، وعندما ترمي ابنة حليم الرومي ـــــــ عذراً، لا يحضرني اسمها ـــــــ بنفسها على ماكرون، يشعر المُستعمر أنه مُرحَّبٌ به، كما شعر الكثير من أهل الجنوب، في عام 1982، أنّ جيش الاحتلال الإسرائلي الوحشي جاء ليخلّصهم من فساد وتجاوزات «منظّمة التحرير». لكنّ الوصول إلى مرحلة الخيبة الشعبيّة من المبادرة الفرنسيّة، لن يطول (يكفي أن تقرأ أسماء ووظائف أعضاء وفد ماكرون إلى لبنان). لدينا فرصة للتخلّص من نظام فاسد والتخلّص أيضاً من مؤامرة خارجية، لكنّ الناطقين (زوراً) باسم «الثورة» مشغولون ومشغولات بأُم جبران باسيل. شعبيّة مشروع عودة الاستعمار في أوجها، غير أنّ مريديه يجهلون أنّ الاستعمار الغربي ليس في وارد العودة، لأنّ السيطرة عن بعد أفضل له وأسلم.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» [email protected])

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا