في مكانٍ ما من السعودية، يتمّ هذه الأيام تحضير المعسكرات لتدريب ميليشيات المعارضة السورية. جاءت هذه المبادرة ضمن مشروعٍ أميركيّ تمّ تنسيقه في العلن حتّى يكون هؤلاء المقاتلون جنداً للغرب في معاركه، القائمة والقادمة، على أرضنا. بل إنّ برنامج التدريب هو عملياً اميركيّ بحت (السعوية لم تقدّم الّا القاعدة)، وقد أقرّه منذ أيّامٍ مجلس النوّاب الأميركي، وتتوقّع الصحافة أن يصادق عليه مجلس الشيوخ خلال الأسبوع الجاري.


مشروع القانون يشرح بدقّة ووضوح من سيقوم بالتدريب (الجيش الاميركي)، وحجم البرنامج خمسة الاف مقاتل في سنته الأولى، وهدفه: محاربة «داعش»؛ ولا ذكر لإسقاط النظام، بل أنّ القرار ينصّ على «تهيئة الظروف لانهاء النزاع في سوريا بشكلٍ تفاوضي» ـــــ ثمّ تستفظع هذه الفصائل أن تنعتها أدبيّات «داعش» بالـ «صحوات».
ولكنّ المغزى الأهمّ في ما يجري يتعلّق بالسّعوديّة. هذه ليست المرّة الأولى التي تكون فيها الرياض قاعدة لغزوٍ يستهدف المنطقة، بعد أن خسرت ـــــ وباقي دول الخليج ـــــ استقلالها الفعلي اثر حرب 1991، ولكنّها قد تكون المرّة الأخيرة. السلوك الخليجي منذ أيّام حرب الكويت، وبعضه يمثّل حرباً مفتوحة ومعلنة على دول المنطقة، لم يجرِ بعد حسابٍ عقلاني أو بالاستناد على مصادر قوّة ذاتية، وبعض هذه البلدان لا يعدو أن يكون كتلاً ماليّة؛ بل ضمن نظريّةٍ راجت في التسعينيات تعتبر اميركاً الهاً يمكن، بالاعتماد على حمايته، تعليق قوانين المنطق.
الّا أنّ الزّمن يثبت أنّ أميركا ليست الهاً، وأن حلفاءها لا يسلمون دوماَ. الفرق بين دول الخليج وقوىً اقليمية كتركيا وايران هو انّه، مهما احتدّ الخلاف مع الأخيرتين، فإنّها تبقى أمماً كبيرة وراسخة، ينتهي الأمر معها دائماً الى تسوية ما. امّا الخليج، الّذي يساهم في تفتيت المنطقة ودرس الحدود، فهو لن يسلم من العمليّة التي أطلقها، بل أنّ ما جرى في السنوات الماضية قد يجبرنا على اعتماد المبدأ ذاته الذي أثار رعب الخليجيين أيّام ناصر وصدّام حسين: اعادة النظر بالحدود وتوزيع الثروات، ومساءلة سبل انفاقها، وما اذا كان الأوصياء عليها يستحقونها. حريٌّ بهذه النّخب أن تتذكّر أنّها لن تحصد الّا ما زرعت، فيما الخناق يضيق عليها من صنعاء الى البصرة.