أولاً علينا الانحناء أمام قوة وجرأة الفتاة السعودية، التي تؤكد أننا بجوار جارة كبيرة فعلاً. «هدى» امرأة دخلت تاريخ الحب، والأهم أنها تعيد رسم تاريخ البلدين. هي تعيد، باصرارها على علاقتها مع حبيبها بشكل عادل ورسمي ومشروع، تعديل علاقة متهدلة بين اليمن والسعودية. هدى وعرفات، الاسم الجديد للدولتين.

توضيح لغير المطلعين: هدى هي الخبر السحري الذي يروى هذه الأيام. قصة فتاة سعودية أحبت عرفات اليمني. حبر سري لسطر يكتب في العلن. رفض أهلها تزويجها بحبيبها. هي متمسكة برغيتها تلك. ومن أجل كرامة هذا الحب، هربت إلى اليمن، وتواجه وحدها اعتراضاً رسمياً من سفارة بلادها وعائلتها ومجتمعها. تواجه حقد الساسة وشوك التاريخ وعبث اللحظات الأخيرة. في آخر القصة، تبدو هدى وحيدة تصارع فوضى كل ما هو عالق بين اليمن والسعودية. امرأة ممنوعة من الزواج، مطلوبة للترحيل إلى السعودية، فما الذي ينتظرها؟
في المقابل، لا تثير امرأة يمنية تريد الزواج بسعودي الجنسية، أزمة دبلوماسية؛ فاليمنيون يجيدون الفصل بين الحب والسياسة. ويفصلون أكثر بين كل أنواع الزواج، ابتداء من الزواج السياسي وانتهاء بالسياحي، الذي لم يسهم اختراعه وانتشاره في تهديد العلاقات المتهدلة بين البلدين. علاقة الجارتين، يمكن أن يهددها زواج عكسي بين سعودية ويمني. هنا يمكن اعتبار السيدة السعودية التي كانت محظوظة جدا بحب شاب يمني، جدارا سعوديا في وجه السعودية نفسها. وربما هي لغم آخر في العلاقات اليمنية ــ السعودية المفخخة أصلا.
وكأن هذه العلاقات منذ اتفاق الطائف في ١٩٣٤ لم يكن ينقصها الا هذه العلاقة العاطفية، التي جاءت لتضيف إلى هزيمة السعوديين العسكرية في جبل الدخان، وارباكها السياسي منذ الثورة الشعبية، هزيمة عاطفية أخرى للمملكة، ليطبق المثل المصري بعد تعديل في الصياغة «هم غلبونا بالمال، لكن نحن غلبناهم بالعيال»، اي بالشباب اليمني العاشق.
انه فعلا تنكيل أقسى مما قامت به السلطات السعودية بحق العمال اليمنيين. ولأنه لا يوجد رد فعل قام به اليمن منذ بدء ترحيل مئات الآلاف من العمال منذ العام 1990 وحتى الأسبوع الفائت، يمكن اعتبار ما يحدث رد فعل يمنياً؛ فنحن «اليمانيون» دائماً ما نبادل القهر بالوفاء، والقسوة بالحب، وهذه هي ردود افعلنا غير المتوقعة التي لم تعمل لها السعوية حساباً.
ولم يكن ينقص البلاط الملكي الذي عجز عن صد هجمات «القاعدة» وتهريب السلاح، ومحاولات الاغتيال لوزير الداخلية، تدفق المشاعر. الا يكفي تهريب القات واللاجئين الأفارقة والمتسللين، والمخدرات والقاعدة، ليتم تهريب عاطفة جياشة من يماني صبور؟
وبرغم ان معاهدة جدة وضعت حلا نهائيا للحدود بين البلدين، الا ان هناك طرفا تجاوز حده. وهو ما لم تنتبه له كل الاتفاقيات والمعاهدات ولم تشر اليه، فكيف يمكن للسياج الأمني والجدار الحدودي بطول 8500 كيلو متر أن يمنع مثل هذا التسرب العاطفي؟
ما الذي يفعله حراس الحدود؟ الم تكف حروب صعده باجزائها الستة وبدء سلسلة حروب دماج، ليكف اليمني عن الحب؟ من اين يأتي اليمني بكل هذا العشق الذي لم تنص عليه معاهدة جدة ولا اتفاق الطائف، ولا حتى المبادرة الخليجية؟
كل الاتفاقيات الموقعة مع علي عبد الله صالح لم تحسب حساب هذا اليوم. أن يأتي شاب يمني خارق للحدود، ويتخطى الاسوار والخطوط التي وضعت له. الم يكن ابراهيم الحمدي هو الشاب اليمني الوحيد الذي يضج به امن السعودية؟ الا يكفي قتل حمدي واحد لتمضي الأمور بسلام؟
كيف يمكن لليمني ان يعشق وهو متسلل، وجائع، ومرحّل؟ اين يجد الوقت للحب وهو يبحث عن لقمة العيش وهو فقير وجاهل وغير متعلم؟ من اين يأتي بالعاطفة وهو مسلح وقبلي متعصب؟
كيف يمكنه ذلك بعد ثلاثة عقود من التجويع وعشرة عقود من التجهيل وثلاثة أعوام من السلخ السياسي؟ الا يكفي تنفيذ حكم الحرابة وتعليق الجثث بلا رؤوس ليتعظ اي يمني قبل ان يدق قلبه؟ ومن ناحية اخرى الطف، «الا يعرقل هذا الحب بنود المبادرة وآلياتها التنفيذية»؟
هل بعد كل هذا الجهد في الحوار والاموال التي اغدقت، والدفع بآليات التسوية السياسية لتحنيط الثورة، يأتي شاب عابث، فيبني صنما... من نار في حظيرة قش، وأصلاً الاصنام حرام؟
الان... . كيف نطفئ .. هذه النار يا بن عمر؟ ما الذي يفعله جمال بن عمر و الامم المتحدة؟ أليست هذه النار أكثر خطورة من نار دماج؟ ماذا فعلت الحصانة السياسية؟ كيف لم نحصن قلوب السعوديات من إغواء شباب اليمن؟
ثم ما الذي يعجبها فيه؟ رجل بلا رصيد في البنك؟ بلا شيفورليه، ولا جوال الثريا. ربما حتى بلا «أي باد». اي واد سحيق هوت فيه السعودية؟ كيف يجدر بها وهي السعودية، ان تعشق «يمانياً»؟ ماذا لو نهض الآن الملك عبد العزيز ال سعود من قبره؟ ما عساه يرى؟ ما الذي سيقوله له أولياء العهد والأمراء، وكل الحاشية؟ اين صارت مملكته ودولته، التي تركها امانة في اعناقهم؟ هل سلموها لليماني؟ اين وصيته؟ ماذا لو قام من قبره.. ليرى السعودية عاشقة؟ وعلى ذمة يمني أصيل، عموما اثبت اليمانيون انهم اهل «حب و ليسوا فقط اهل قتال و حرب».
* اعلامية يمنية