برهامي يكتب الدستور. شيخ لم يجد مانعاً ان يشارك في تأسيس دولة اعلن الحرب عليها. لا يريد ان يقف تحية لعلمها ولا يسمع نشيدها، فالموسيقى حرام، لكن الاسلام يسمح بنكاح بنت عمرها 8 سنوات. البرهامي قادم من زمن آخر لكنه يكتب دستور هذا الزمان. هو طبيب وزعيم في حركة الدعوة السلفية. يقولون إنّه اذكاهم واكثرهم علماً، وهو يقف بمنتهى الثقة ليعلن انّ من حقه كتابة دستور دولة يكرهها ويحاربها. دولة علمته الطب، فاحترف الفتوى، واستخدم نظرية «اوعى الزيت» الشهيرة. وهي طريقة معروفة للمرور في الزحام حيث يصرخ رجل: «اوعى الزيت». الجميع ينتبه إلى التحذير ويتوقفون أو ينظرون الى الوراء، وساعتها يمر الرجل بسرعة شديدة. في العادة لا يكتشف اهل الزحام الخدعة، ولا أنّ التحذير وهمي فلا زيت ولا خوف، انّها رغبة المرور السريع.

الغفلة عن اكتشاف الخدعة ترجع الى شعور اكبر بالانقاذ، والفرح بأنّ الزيت لم يترك البقع المدمرة على الملابس. ملاعب السياسة في مصر قامت سنوات طويلة على هذه النظرية الخطرة جداً والتي لا تؤدي الى مجال سياسي، ولا الى انتقال من عصر الحاكم والقطيع الى عصر المواطنين. اصحاب النظرية في التيارات الاسلامية يستخدمون مع جمهورهم نظرية «اوعى الزيت» او «اوعى العلماني»، لكي تعطل الشعور بالمواطنة. هؤلاء قادمون من عالم لا يرى انّهم حزب بل «الحزب». هم الفرقة الناجية التي تعرف «الدين الحق» فيما الجميع على باطل. هذا الوعي عمومي يجعلهم يروجون لمجتمع مناهض لمجتمع المواطنة الذي يعني بسهولة انّه لا تمييز بين مواطن وآخر على اساس الجنس او الدين او اللون او الرصيد في البنك. هكذا تصرف بعض السلفين وفق شريعتهم ورفضوا الوقوف تحية للسلام الجمهوري في افتتاح اعمال الجمعية التأسيسية. انّهم ضد جمهورية يتصورون الآن انّها وقعت في اسرهم. هم رسل الانقاذ الذين سيعيدون الحياة الى القرن السابع، ويستنسخون حياة قديمة لا يخجل فيها البرهامي الذي تعلم الجراحة الحديثة ان يمنح رخصة لـ«فيتيش» جنسي، لأنّ الاسلام لم يحرمه صراحة.
زملاء البرهامي من قبل غادروا مجلس الشعب لكي لا يقفوا دقيقة حداد على البابا شنودة الرمز الديني للمسيحيين في مصر، لأنّ هذا ليس في «شريعتهم». الخصوم اخرجوا لهم حكايات من سيرة النبي والصحابة عن الوقوف في جنازات مسيحيين ويهود، وهم لا يعيرون الامر انتباهاً، لأنّ شريعتهم هي التمييز والعنصرية المستترة والغاء المواطنة والتساوي. شريعتهم هي الاعتراف بأنّهم الفرقة الناجية بينما من ليس معهم هم الهالكون. منطق اثارة الرعب في الجمهور الواسع وصرخة تشبه «اوعى الزيت»، والطريق يصبح مفتوحاً، كما حدث بعد استفتاء ١٩ آذار/ مارس، حين سارت الجموع وراء خدعة انّها في الطريق الى الدفاع عن الاسلام.
«اوعى العلمانية». بهذه الصيحة مر السلفيون والاخوان. والجمهور الذي عاش سنوات البؤس لم يرد ان يخسر آخرته بعد أن عاش دنياه في البؤس فاختار توسيع الطريق فرحاً، املاً في الانقاذ وسيراً تحت وهم «الفرقة الناجية»، والفرح بأنّ الزيت لم يترك البقع المدمرة على الملابس. ملاعب السياسة تغلق بنظرية «اوعى الزيت» ونفسية الراغب في المرور بسهولة وسرعة وسط الزحام.
والزحام هو التعبير الاقرب للمجال السياسي. احلام ورغبات وغرائز وخبرات وذاكرة قاسية تتراكم شحناتها بدون تنظيم في مجال كلما انفتح ازداد الشعور بالانغلاق. شحنات الزحام تفرض اخلاقها بدون مقاومة تقريباً. ومرور حامل الزيت الوهمي يحدث في لحظة خاطفة، المرور فيها يساوي القدرة على اثارة الرعب من خطر حقيقي. فقط الاثارة مع غياب الخطر او كمونه في تلك اللحظة فعلها النظام المستبد كثيراً بوعي. اطلق «بعبع» الاخوان ليخيف المجتمع والعالم. «اذا تركنا مقاعدنا سيحتلها المرشد ورجاله»، هكذا برر مبارك جلسته الطويلة على مقعد ورثه من جنرالات دفعوا جميعاً ثمن السلطة الباهظ. محمد نجيب الكلاسيكي، ضحية شهوة السلطة المغموسة بالثورة. عملية التخلص منه لم تكن صعبة في ظل فوران لم ينتبه احد فيه الى الصراع بين «توتاليتارية» الجنرال الشاب وليبرالية الجنرال العجوز. حسم الصراع بمنطق «اوعى العواجيز» و«اوعى ابناء العهد البائد» او «اوعى نجيب فمطالبه شخصية». لا بد قبلها من اختراع الشبح. الشبح الذي انهى خصوم السادات كان اصحاب قميص عبد الناصر. التعبير الذي اخترعه الرئيس وقضى به على منافسيه من موظفي الدولة الناصرية.
مبارك لم يخترع بعبعاً، لكنّه سمح له فقط بالحركة واحتلال بعض الارض تحت سيطرته. ومن يومها ومصر تخسر مساحات في المجال السياسي تحت شعار «اوعى الاخوان». الخوف يحرك جهاز المناعة بشكل خاطئ الى النظام. تلتقي المصالح كلها عند النظام (افضل الموجود). والآن تعود لعبة «اوعى الزيت» كأنّها بشارة الاستبداد الجديد. هي لعبة خطر وسط الزحام ومستقبل يديره الخوف لا الشجاعة. الرغبة في التغيير لا يصحبها عقل مخترق او قلب مطمئن. الشطار وحدهم يلتقطون كهرباء الزحام ويحركون شحناتها عن بعد. لعبة تؤدي كما تقول المسودات الاولى إلى ان يكون الدستور خلطة مثيرة للضحك كما كان كتاب القذافي الاخضر، تجمعت فيه نثار كتب المحفوظات الاخوانية والناصرية والليبرالية، لتقدم دستوراً لدولة لا تعرف نفسها. فهلوة فعلاً، لكنّها قاتلة، كما كان عبث القذافي الذي ادخل به ليبيا في متاهة قرون ما قبل اختراع الكتابة. وكما كانت العاب السادات خطر بحيث اوقعتنا في الفخ مرتين حين وقع معاهدة سلام (كان ضرورياً) لكن بشروط جعلته يبدو سلام المهزوم وادخلتنا به في عالم الوكالة الاميركية لادارة العالم. والمرة الثانية عندما اراد أن يكون الرئيس المؤمن ليواجه خصومه من اليساريين فأيقظ السلاح وامراء الارهاب. لا نزال ندفع ضريبة هذه الفهلوة، لا السلام الذي وصلنا إليه يرضينا ولا عدنا الى حالة الوقوف على خط النار ومواجهة اسرائيل الى النهاية. وإسلام امراء الارهاب يباع الآن في علب جديدة، لكنّها تحتوي القنابل ورغبة الدم، وتكفير المجتمع وكراهية الحياة، واللعب على نشر الشعور بالعار الذي يدفعك الى تقديم فروض الولاء والطاعة لمن يملكون خلطة دخول الجنة. الفهلوي يكسب اذن. مكسب قاتل.
في المادة الاولى المقترحة للدستور يصفون مصر بأنّها دولة متعددة تقوم على المواطنة، وسط حشر اوصاف كلّها بلا معنى او معانيها تجاوزها الزمن لكنّها بضاعة تعلن وجود بائعها. المهم، بعد عدد غير قليل من المواد تفاجأ بمادة اخرى تضع من مقومات الحكم انشاء مؤسسة للزكاة، ومادة اخرى عن دور الدولة في الحفاظ على «الوحدة الثقافية». كيف يمكن لدولة مدنية ان يكون هدفها تحصيل اموال يحددها فرض ديني. هذا يعني ان يحصل من غير المسلم على جزية او انه يحدث ازدواجية بين الضريبة والزكاة. هل يمكن مناقشة مثل هذه الامور بجدية؟ ستجد من يحوّل الكلام الى دفاع عن الدين وفروضه. سؤال عبثي: ماذا لو عاد نظام الزكاة ليكون الاساس المالي للدولة.
هنا الفهلوة تنجح، لأنّها تعتمد على حالة غيبوبة شبيهة بتلك التي اعمت الناس عن النظر والتفكير في ظاهرة توظيف الاموال. الضريبة هي احد عناصر المواطنة: من حق الدولة عليك ان تدفعها ما دمت تعيش على ارضها وتحمل جنسيتها، ولا فرق هنا حسب اللون أو الدين او الجنس. كيف يمكن ان تمرر مثل هذه الترهات؟ الزكاة فرض ديني يحاسب الله المسلم عليها، والدولة الراشدة للخلافة انتهت بنهاية طبيعة الظروف السياسية فلم تعد الدول تؤسس على الغزو او الفتوحات. ولكن لكل دولة حدودها المرسومة، والمواطن فيها لا تعتمد حقوقه على الانتماء للفرق الغالبة او المهزومة. لكنّها محفوظات تداعب العواطف التي تربت خلال سنوات صعود امراء الارهاب على ان الحياة الحديثة عار وحرام. هم يريدون ان يصنعوا كهنوتاً لدين لا يعترف بالكهنوت، ولهذا يحاربون من اجل ان يكون الازهر مرجعية وحيدة لتفسير الشريعة الاسلامية. مما يعني انّ هناك مؤسسة كهنوت فوق الدولة كما يحدث في ايران والسعودية وافغانستان، وكما كان يحدث في اوروبا القرون الوسطى عندما كانت الكنيسة فوق الدولة ومرجعيتها. فهلوة تمرير دولة دينية بقناع مدني. فهلوة قاتلة تجعلنا بدلاً من الاختلاف حول مدى الحريات، ندخل في حرب المزايدة باسم الدين. عندما نرفض حكم رجال الكهنوت الديني، فإنّ هذا ليس رفضاً للدين، بل للسلطة باسم الدين. وعندما نختلف مع كل محاولات خطف الدستور ليكون مشروع دولة وصاية جديدة باسم الدين، فإنّ هذا لا يعني حرباً على الدين. الفهلوي يبيع معركته بهذه الخدعة المدمرة. خدعة مرت اول مرة يوم ١٩ آذار/ مارس الاسود عندما شارك الجيش والاخوان والسلفيون في تحديد المسار الذي تنتصر فيه الفهلوة وتصنع سلطتها. هذه جمعية تخطفها فهلوة تريد حماية نفسها بنصوص فضفاضة ومطاطة، يتصورون فيها انّهم سيحمون الذات الالهية. وهي نفسها النصوص التي كانت كنيسة القرون الوسطى تحاكم المختلفين مع سلطتها. السلطة للبشر فكيف يحمي البشر الذات الالهية؟ ومن سيحدد «الرموز الوطنية» التي لا يجب المساس بها؟ انه دستور ينفخ في السلطة ويعظّمها... ويفرعنها. وفي المقابل يقزم الفرد ويعيده الى مرحلة مواجهة سلطة ان لم تقتلك لأنّك خائن، تفعل ذلك لأنّك كافر، لأنّ بيدها وحدها تحديد معنى الكفر والخيانة. اليست تلك فهلوة أن نصنع ثورة من اجل الحريات فيصنعون دستوراً يقتلها؟




منى الطحاوي وعنصرية اسرائيل

هل تؤيد وجود الجنسية الاسلامية؟ سؤال طرحته قناة سلفية بمنتهى البراءة التي تناسب مراهقين يريدون التشبه بالقتلة. قناة تفكر في ان يكون الدين جنسية، لتعلن اسطورة اسرائيل والوطن القومي انتصارها من جديد. ها هي مرآة السلفيين تفرز عنصرية تنسبهم، ويريدون وطناً قومياً للمسلمين. يطلبون ذلك في بلد قام على التعدد وكان له اقدم رابطة وطنية، لكنه الآن اسير عنصرية حاكمة. ليس التعدد ميزة، جعلت من مصر بلداً مختلفاً، لكنّه ماض يهربون منه او ينافقونه قبل اعلان حرب هويات يومية، يبدون فيها انحيازاً للتفوق الذي لا يبنى على شيء غير الدين.
من فكر في السؤال؟ انّه الهوس في مرحلته الأخطر حين يرتبط بافكار لا تعي عنصريتها او تعتبرها من مكملات الايمان. يحدث هذا بينما تلقي شرطة نيويورك القبض على الناشطة منى الطحاوي لأنّها رشّت بالرذاذ الملون اعلاناً في المدينة يقول «في اي معركة بين المتحضر والهمجي ساند المتحضر، ساند اسرائيل، واهزم الجهاد». منى الطحاوي كانت هدفاً عدة مرات لهجوم من سلفيين على اعتبارها داعية حرية غريبة على مجتمعنا، وهي هنا واجهت عنصرية لا تخجل من وصف اسرائيل بالتحضر، وتعتبر خصومها همجاً. داعية تلغي عقلاً لا يفكر: كيف يكون المحتل متحضراً والمقاوم همجياً؟ وهو منطق يتسرب الى وعي المهزوم فيعيد انتاجه كما يحدث مع العنصرية المضادة... عنصرية لن تهزم اسرائيل لكنّها ستهزم الروح المتحضرة.




صعوبة الحرية



تردد الشيخ وتلعثم، قبل أن يقول بصوت منخفض: «تعرف انه عندنا، أي في الاسلام، صوت المرأة عورة...».
الشيخ بكامل اناقته الأزهرية، وفي صحن الجامع، مرتبك وهو يعلق على حكاية قديمة، عندما رفض الازهر تسجيل القرآن بصوت ام كلثوم.
لماذا ارتبك الشيخ؟ هل شعر بالخجل؟
كان هذا واضحاً على ملامحه، وصوت ام كلثوم يدور امامه على «البيك أب» وهي تقرأ القرآن لتلفت انتباه حبيبها وسيدها الكاره للغناء في فيلم «سلامة». وبينما تنسحب صورة الشيخ الخجول، تظهر بالتدريج تفاصيل الخروج المجنون للناس في الشارع لتودع «سيدة الغناء».
هنا تظهر سيدة عجوز معتنية بهندامها، شعرها مصبوغ باللون الاسود، وتجلس في مهابة لافتة لا تغيب فتنتها رغم سنوات العمر (الطويل). صوتها لا يزال يمتلك بحة لافتة للنظر. انّها «منيرة المهدية»، او سلطانة الطرب كما كانوا يسمونها بفرح ودلال في العشرينيات والثلاثينيات، وربما حتى اوائل الاربعينيات ايضاً. هي فعلاً وفي حوار تقول فيه: «... نعم انا حجيت إلى بيت الله 6 مرات». صوت نسائي يأتي من بعيد يتعجب: «6 مرات؟». وهي تضحك عالياً: «ايوه ست مرات وكان جوزي معايا... وكان بيحاول يخليني اعتزل، ويقول لي صوت المرأة عورة». الصوت النسائي المتعجب يضحك في دلال وقور: «عورة؟ وانت صدقتيه؟». تقول منيرة بعفوية: «كان عاوز يخوفني، وسألت عن الموضوع».
«وقالولك ايه؟!».
«قالوا لي عورة فعلاً. لكني فضلت اغني...».
كان صوت منيرة المهدية هنا في حالة ابتهاج، حتى انّ بحتها الشهيرة عادت اكثر شباباً. وسمعتها تغني: «أسمر ملك روحي... اه يا روحي تعال بالعجل»!
انهما منيرة المهدية وأم كلثوم. سيدة الغناء وسلطانة الطرب. كل منهما امرأة اصبحت «اسطورة» تدور حولها مصائر ورجال. كل منهما «ست» كبيرة صنعت مكانتها بصوتها الذي لا يزال المهووسون دينياً يهتفون بأنّه «عورة». انتهت الحرب بينهما على عرش «المغنية الاولى» بصعود ام كلثوم وانسحاب منيرة إلى عوامتها الشهيرة وحيدة مع قطها الأسود. هذه المشاهد في فيلم وثائقي احبه، اعادت ماريان خوري عرضه هذا الاسبوع. الفيلم اسمه «عندما تغنى المرأة» (انتاج 2004). مخرجه مصطفى الحسناوي رحل منذ فترة قصيرة، هو تونسي لكنّه مغرم بالحكايات الخاصة عن القاهرة. فيلمه الاول عن سيرة عائلة عاشت عصوراً مختلفة في المدينة. وفيلم «عندما تغني المرأة» يبدأ بمشاهد من محكمة الاحوال الشخصية (زنانيري)، حيث نساء حزينات على اطراف هستيريا دموع وآهات. جميلة على مشارف الاربعين تعدل هندامها وهي تدخل من باب المحكمة ببدلة انيقة. اخرى تغادر العشرين غطت وجهها سحابة دموع أمطرت سيولاً. وثالثة تتحدث بأسى يبدو بارداً: «عايزاه يخلصني». حائرات في ظل صور مختلفة لسلطة الرجل الحامي: الاب او المحامي، والعسكري وحاجب المحكمة الذي يصدر اوامر بإخلاء الممرات. وفجأة يتسرب صوت الاغنية القديمة: «ابوها راضي وانا راضي.. ومالك انت بقى ومالنا يا قاضي».
انه صوت الشيخ صالح عبد الحي، وكما تقول الدكتورة رتيبة الحفني في الفيلم: «الاغنية كانت اعتراضاً على قرار الحكومة بتحديد سن الزواج للبنت». وكانت تعبر عن رأي الرجال اصحاب السلطة الوحيدة في مجتمع مصر خلال السنوات الاولى من القرن العشرين. هذا هو موضوع الفيلم: «كيف كانت الاغنية مرآة لما يحدث في المجتمع؟ كيف تغيّرت النظرة إلى المرأة عبر الاغنية؟ كيف عبّرت المرأة عن آلامها في الغناء؟ماذا يحدث عندما تغنّي المرأة؟.
يلعب الفيلم على الربط الخفيف بين تعبير المرأة عن موقعها في المجتمع من خلال الغناء، وبين سيرة منيرة المهدية وام كلثوم، اشهر امرأتين، تحوّلت كل منهما إلى «رمز» زمن كامل.
هذا الربط غير المباشر بين ما حدث في الماضي وما يحدث الآن هو نموذج متميّز للافلام الوثائقية، خاصة عندما يمكن أن تخدش صور الماضي اوهام كثيرة استقرت في اذهان الناس الآن.
ربما لي قصة مع صوت ام كلثوم التي عدت من سنوات إلى سماع صوتها بعد هروب طويل من سطوتها وديكتاتوريتها. وتجذبني سيرة منيرة المهدية الخارجة عن كل سياق، هي التي تعيش بكامل حريتها ضد كل سلطة سياسية او اجتماعية.
لكنني لا اريد عودة واحدة منهما الآن. اريد فقط ان يذهب كل من يقول إنّ «صوت المرأة عورة» إلى «فيترينية» متحف الكائنات المنقرضة. لا اريد عودة زمن الليبرالية الجميل في الاربعينيات. ولا زمن قوة مصر الجميل في الستينيات. نريد زمناً جديداً لا نعتذر فيه عن حياتنا الحديثة. ولكن لأنّها قوة الحياة في مصر... قوة الثورة في بلد ثقافته محافظة وعاش سنوات شيزوفرينيا بفعل هبة ثقافة التحريم والرغبة في الاعتذار عن حياتنا الحديثة.
المرأة هي الهدف الرئيسي من الاعتذار، او بتعبير ادق: هي لوحة الاعلانات التي ارادت بها هذه الثقافة الاعلان عن وجودها. لم يدخل الاسلام مصر مع ظهور الاخوان المسلمين ولا مع غيره من جماعات رأت في مصر مجتمع الجاهلية الجديد. ألم يكن هناك مسلمون مصريون قبل الشيخ حسن البنا؟ هل الحياة في ظل مجتمع حديث تعني مغادرة الايمان الى الكفر؟
هذه الثقافة لعبت على التناقضات التي خرجت بعد هزيمة نموذج الضباط. وتتحرك على ارض صنعها الوهم الساحر وغذتها فكرة الاحساس بالذنب لدى الكتلة العريضة التي تجد نفسها في مواجهة إلحاح كبير يفسر الاوضاع الحالية على انها نتيجة «الابتعاد عن الدين». وبدا أنّ الحركات الاصولية «الإسلامية» (من الاخوان المسلمين وحتى الجهاد وما بينهما من تنظيمات استفادت من الهبة) استغلت الهزيمة (العسكرية في حزيران/ يونيو 1967 وما تلاها من الانفتاح والحلم الاميركي في السبعينيات) وسحبت المجتمع الى مملكة «الوهم» حيث التفسير المريح لكل مشاكلنا السياسية والاجتماعية بأنها «عقاب إلهي». هكذا يدخل المجتمع في حالة نادرة من الشعور بالعار من كل ما حلم به (الدولة الحديثة القوية ــ العدالة الاجتماعية ــ المساواة على أساس المواطنة) ولتترجم تنظيمات الاصولية هذا الشعور الى حسابات جارية في بنك الصراع السياسي، حتى تصل الى اعادة صياغة المجتمع على هواها من الأفكار والعلاقات الى الأزياء وشكل الوجوه.
المرأة هي الاعلان المتحرك عن هذا الشعور بالعار من الحداثة. لا بد ان تعود الى الحجاب الذي خلعته هدى شعراوي في محطة القطار لحظة عودتها من روما رمزاً لتحرر المرأة وخروجها من كهف القرون الوسطى. ولا بد ان تعاد صياغة الحياة كلها في مصر لتعيد انتاج الحياة في الجزيرة العربية على انّها الموديل الوحيد للحياة، او انها تعليمات الاسلام الذي تميز بقدرته على التفاعل مع الثقافات، ونظم الحياة بدرجة جعلته يخترق حواجز اللغة وتركيبة المجتمع. لم تكن امهاتنا خارج الاسلام حين كن يرتدين ملابس عصرية وليست السيدة المحجبة الآن خارج العصر. هذه التناقضات تتكشف الآن وكما لم يكن من قبل. لم يعد الحجاب حاجزاً عن التفكير الحر الحديث او معبراً عن تلك الجماعات، وهذا انتصار على ثقافة القبيلة التي ارادت العودة بنا الى الوقوع في اسر فتاوى تحت الطلب الذكوري. المشكلة ليست فيه او في الموديل الذي تختاره امرأة من بين موديلاته الحديثة، لكن في ان يكون الموديل الوحيد. ان يكون علامة الايمان الوحيدة. علامة الفصل العنصري بين المسلمين والمسيحيين، أو بين المسلمين المنصاعين لرأي المجموع، والمسلمين الخارجين عن الطوابير والكتل العمياء. الحجاب مشكلة اذا تحول الى رمز للايمان، وهي لعبة سياسية تختبر قدرة الجماعات الاصولية وعلى رأسها الاخوان، على التأثير وصناعة صورة سكان مصر على هواها. كما انّ الملابس العصرية ليست دليل تحرر المرأة او حداثتها. ربما تكون عبودية لموديل آخر او لآلهة الموضة في اوروبا. الحرية صعبة فعلاً.