أعادت نتائج الانتخابات البرلمانية التركية الشهر الماضي تركيا و«حزب العدالة والتنمية» إلى دائرة الضوء التي لم تخرج منها قط، خلال العقد الأخير، كصاحبة دور استراتيجي في المنطقة، ونموذج يفرض بنفسه أمام الشعوب العربية. ويحلو لمن يعيشون في أجواء فكرة المؤامرة أنّ يعتقدوا أنّ ذلك كلّه مخطط ومرسوم من دوائر عالمية، لا تترك شيئاً دون تدبير، وقد عشنا فترات من حياتنا تلك الأفكار التي تضمنتها كتب مثل «أحجار على رقعة الشطرنج» و«بروتوكلات حكماء صهيون». ومع مرور الوقت، وازدياد الخبرة بالممارسة السياسية، واللقاءات المباشرة مع صانعي الأحداث ومتخذي القرارات، وفترات التأمل الطويلة في السجون والمعتقلات والحوارات المتعمقة الهادئة في الندوات والمؤتمرات، والاحتكاكات الدولية ومتابعة تقلبات الأوضاع وتغيير السياسات واختلاف الفرقاء الذين كانوا رفقاء وأصدقاء، أيقنت أموراً عدّة. أولاً، أنّ المدبر الوحيد لهذا الكون هو الله. ثانياً، أنّ هناك سنناً إلهية، وقوانين ربانية، أرساها المولى. ولا يمنع هذا أبداً من أنّ الجميع لا يفكرون ويخططون ويدبرون، ولا يمكن أن تدير الدول الكبرى ولا الدول العادية شؤونها دون خطط وموازنات والاختيار بين البدائل المختلفة.

وفي تاريخنا الحديث رأينا «وعد بلفور» واتفاقية «سايكس بيكو» ومعاهدة فرساي واتفاقية «بريتون وودز» وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها. يمكن أن يقول المراقبون إنّ هذه كلّها مؤامرات أو تقسيم غنائم أو اتفاقيات، فرضتها ظروف الحروب أو آمال يسعى البشر إلى تحقيقها في عالم الواقع، تنزيلاً من عالم المثاليات.
عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أصبح النموذج التركي حاضراً بقوّة، ليواجه نماذج أخرى في التطبيق السياسي بالبلاد الإسلامية، وكل المتسائلين والمراقبين يقولون دوماً: أي النماذج تستنسخه الشعوب الإسلامية؟ النموذج الإيراني أم النموذج التركي؟ النموذج السوداني أم النموذج الطالباني؟
ينسى هؤلاء جميعاً أنّ تعدد النماذج المطروحة يعني ببساطة أنّه ليس هناك نموذج وحيد، وأنّ الساحة مفتوحة لبروز نماذج أخرى. وينسى هؤلاء أنّ النموذج الإيراني لم ينجح في تصدير ثورته إلى بلاد العالم، واكتفي ببسط تأثير إيران السياسي القومي، والدفاع عن مصالحها بكل وسائل القوة الناعمة والخشنة. كما أنّ النموذج ذاك ينشر المذهب الشيعي الإثني عشري الجعفري في الأوساط الشيعية كما في الأوساط السنية، وهو فخور ومشغول بحماية مشروعه النووي، لدخول عالم المعرفة النووية، مؤجلاً امتلاك السلاح النووي، ومركزاً على استخدام الطاقة النووية في المجالات السلمية.
يريد المروجون للنموذج التركي تحقيق أهداف سياسية، في مقدمتها:
1) فرض علمانية إقصائية بغيضة، وربطها بالديموقراطية تعسفاً وجبراً، بدعوى أنّ نجاح الديموقراطية في تركيا ارتبط بالعلمانية. وينسى هؤلاء أنّ الديموقراطية التركية تصحح أخطاءها، وأنّ العلمانية التركية تتراجع بالتطبيق السليم للديموقراطية، وأنّ الفطرة النقية للشعب التركي ظهرت خلال العقد الأخير، ولولا التراث الثقيل، لعقود سبعة أو ثمانية، لتخلصت تركيا من العبء العلماني.
2) إعطاء دور سياسي للجيش لحماية النظام السياسي الديموقراطي في الواجهة، وفي الحقيقة لحماية العلمانيين أو الأقليات أو المصالح الخارجية.
ولا يدرك هؤلاء أنّ ذلك أصبح من التاريخ في تركيا، وأنّ التطبيق الديموقراطي يقلص الآن دور الجيش، ودور المحكمة الدستورية العليا، خاصة في فرض الإقصاء والعزل السياسي، ويعلي من دور الشعب الذي فرض على الأحزاب السياسية أن تتوافق على الدستور الجديد، لإنهاء عقود من سيطرة الجيش. ويريد الغرب الترويج للنموذج التركي لتحقيق أهداف معينة:
1) الحفاظ على العلاقات المتميزة مع العدو الصهيوني، سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. تلك التي ورثتها حكومة «العدالة والتنمية» من العهود والحكومات السابقة عليها في تركيا. وينسى الغرب أنّ تلك العلاقات المتميزة تمر بأزمة حادة قد تؤدي إلى تحوّل استراتيجي، وقد تؤدي إلى هدنة طويلة في الصراع مع العدو الصهيوني.
2) التركيز على البعد الاقتصادي مدخلاً للتنمية السياسية والاجتماعية والثقافية، وإلحاق هذا النمو الاقتصادي بالاقتصاد الغربي، باتباع آليات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويتغافل هؤلاء عن نماذج تنمية اقتصادية ناجحة في بلاد أخرى، كان هدفها الاستقلال ورفض التبعية، كماليزيا والبرازيل وفنزويلا والصين، مع التعامل مع الاقتصاد الغربي من موقع الندية.
في المقابل، يرى الإسلاميون العرب جوانب أخرى مضيئة في النموذج التركي:
أولاً إنّ الطريق السلمي للتطبيق الإسلامي هو النموذج الوحيد القابل للبقاء، وإنّ الطرق الأخرى مسدودة، أي الانقلابات العسكرية وحروب العصابات لإنهاك النظم المستبدة واستدعاء الأجانب والقوات الأجنبية لطرد الطاغية والتمرد المسلح.
ثانياً، إنّ التطبيق الديموقراطي قادر على تصحيح نفسه بنفسه، وإنّ المسار الديموقراطي قد يكون طويلاً، لكنّه آمن، قد يتعثر ولكنّه يقوم من جديد ليواصل المسيرة ويحقق الأهداف.
ثالثاً، إنّ تحقيق حاجات الناس الاقتصادية أولوية ملحّة، وإنّ تمثيل كافة الشعب ضروري، والخروج من البعد الإيديولوجي إلى البعد التطبيقي مهم، والحزب المنفتح على الجميع، المتنافس مع الجميع وفق قواعد الدستور والقانون ويقيم علاقات خارجية متوازنة، يمكن أن يقود دولة في حجم تركيا وسط عالم مليء بالعواصف والأنواء، رغم الميراث الثقيل والعوائق والعقبات.
رابعاً، إنّ السياسة الداخلية مقدمة على السياسات الخارجية، وإنّ دولة قوية متماسكة ديموقراطية يمكن أن تلعب دوراً خارجياً وإقليمياً مؤثراً، والقفز إلى الطموحات الخارجية قد يكون مدمراً لكلّ الآمال والأحلام، ويكفي تصغير المشاكل مع دول الجوار والسعي الجاد إلى دور يليق بمكانة الدولة، وينطلق من قوتها الداخلية.
خامساً، إنّ الشعب لا يمكن أن يعطي لحزب ما، مهما كانت نجاحاته، تفويضاً على بياض بفعل ما يريد، ولو كان كتابة دستور جديد. لذلك، فإنّ على الحركات الإسلامية أن تمزج بين نشاطها الحزبي السياسي ونشاطها الدعوي المجتمعي، في منظومة متكاملة تحقق لها التأييد الشعبي الواسع.
سادساً، إنّ التعامل مع رجال المال والأعمال، والقضاء على الفساد وتحقيق الشفافية والتنافسية، ووضع الضوابط الصارمة وتنشيط الادخار والاستثمار، كل ذلك كفيل بتقوية الدولة التركية، عن طريق اقتصاد قوي ينعكس ايجابياً على المواطنين، وهو الطريق لكسب تأييدهم واستمراره.
سابعاً، إنّ حلّ المشاكل العالقة والموروثة الداخلية، يأخذ وقتاً طويلاً، كالمسألة الكردية والإقليمية العلوية، والحجاب، بينما كان التفاهم حول القضايا الخارجية أسهل.
أما تركيا الدور، فهذا ما لا يمكن إنكاره. فتركيا تتمدد في الفراغ العربي، بسبب بروز الدور الإيراني من جهة، وغياب الدور المصري وتردد الدور السعودي، وعدم قدرته بسبب نموذجه الخاص، وعلاقته الخاصة بالخارج. عندما يزدهر الربيع العربي، ويحين قطاف ثماره، سنرى توازناً جديداً وتكاملاً بين الأدوار المختلفة: المصري الصاعد، السعودي الحاسم، السوري المنتظر، أو يمكن إدماج الدور الإيراني، إذا رغبت إيران، لتكون المنطقة العربية والإسلامية حلماً حقيقياً للازدهار الاقتصادي، والتكامل المعرفي والتجاري، والتطبيق الديموقراطي. وبالتالي، تعطي المنطقة للعالم كلّه نموذجاً حضارياً يضيف إلى النماذج الحضارية التي توالت من الشرق والغرب والجنوب، لنعيش عالم «حوار الحضارات»، لا «صدام الحضارات». وحينها، سينزوي العدو الصهيوني في ركن من المنطقة، حتى يزول تلقائياً، وينتهي دون حروب أو صراعات أو إراقة دماء.

* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في مصر