لم يتسبب حكم لولا قط في أيّ أذى لأصحاب الممتلكات، بل أفادهم إلى حدّ كبير. فلم تزدهر رؤوس الأموال بالقدر الذي عرفته في عهد لولا، وتكفي الإشارة إلى البورصة للدلالة على ذلك؛ فبين 2002 و2010، فاق أداء بوفيسبا، أي بورصة ساو باولو، أداء أي بورصة أخرى في العالم، محلّقة بنسبة 523 في المئة، وهي تشكّل اليوم ثالث أكبر مجمّع للسندات المالية والعقود الآجلة والسلع في العالم. وتراكمت أرباح المضاربة الطائلة لصالح طبقة بورجوازية معتادة المراهنة على أسعار الأسهم. أما بالنسبة إلى عدد أكبر من القطاعات التي تتجنب المخاطرة في الطبقة الوسطى، فقد أسفرت معدلات الفائدة العالية جداً عن عائدات أكثر من مرضية، حُققت من ودائع مصرفية بسيطة. وتضاعفت التحويلات الاجتماعية منذ الثمانينيات، لكن الدفعات على الدين العام بلغت ثلاثة أضعاف. وشكّل إجمالي الإنفاق على برنامج الرعاية الاجتماعية «بولسا فاميليا» 0,5 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي. وازداد مدخول أصحاب الدخل من الدين العام بنسبة ستة أو سبعة في المئة. وتُعدّ الإيرادات الضريبية في البرازيل أعلى من تلك القائمة في معظم الدول النامية، إذ تشكّل أربعة وثلاثين في المئة من إجمالي الناتج المحلّي، ويعود ذلك جوهرياً إلى التعهدات الاجتماعية الواردة في دستور 1988، في أوج عملية ترسيخ الديموقراطية في البلاد، عندما كان حزب العمال لا يزال قوة راديكالية صاعدة. لكن العجيب أنّ الضرائب بقيت تنازلية؛ فيخسر الذين يعيشون على أقل من ضعف الأجر الأدنى نصف مداخيلهم لصالح الخزينة، أما الذين يعيشون على ثلاثين ضعف الأجر الأدنى فيخسرون ربع مداخيلهم. وفي الأرياف، أُطلقت عملية إزالة الأشجار المنخفضة من مناطق داخلية واسعة من أجل أعمال تجارية زراعية حديثة، وتواصلت العملية بسرعة في عهد لولا، فكان من نتائجها أنّ ملكية الأراضي أضحت مركّزة اليوم أكثر مما كانت عليه منذ نصف قرن، وقد تحركت العقارات المُدنية في الاتجاه عينه.

تزعم تقارير رسميّة يدعمها الكثير من التحاليل الإحصائيّة وتؤيّدها وكالات متعاطفة وصحافيّون في الخارج، أنّ الفقر قد انخفض إلى حدّ كبير في البرازيل في هذه السّنوات، وهو أمر لا شكّ فيه إطلاقاً، كما تزعم أيضاً أنّه تم الحدّ من عدم المساواة بنحو جوهريّ، إذ تراجع معامل جيني (Gini coefficient) من درجة شديدة الارتفاع بلغت 0.58 في بداية عهد لولا إلى درجة لم تتجاوز 0.538 في نهاية عهده. وفق تلك التقديرات، يُزعم أنّ مداخيل العُشر الأفقر من الشعب قد ازدادت بمعدّل بلغ ضعف معدل مداخيل العُشر الأغنى تقريباً، وذلك منذ المنعطف الذي شكّله العام 2005 فصاعداً. والأفضل من كلّ هذا، أنّ 25 مليون شخص انتقلوا إلى صفوف الطبقة الوسطى التي شكّلت مذّاك أكثريّة الأمّة. ويرى العديد من المعلّقين المحلّيين والأجانب أنّ هذا هو التطوّر الوحيد الذي يدعو إلى الأمل في رئاسة لولا. فهو العامل الإيديولوجي الأساسي والأهمّ في التقارير المتوهّجة التي كتبها نصراء لولا، ومنهم مايكل رايد، رئيس تحرير مجلّة «ذا إيكونومست»، الأميركي اللاتينيّ، الحريص على اعتبار الطبقة الوسطى الجديدة في البرازيل المنارة لديموقراطيّة رأسماليّة مستقرّة في «المعركة من أجل الروح» التي تخوضها «قارّة منسيّة» ضدّ محرّضي الجماهير الخطيرين وضدّ المتطرّفين. ويستند معظم ذاك الثناء إلى حيلة تصنيف، يُعدّ فيها شخص ذو دخل منخفض يصل إلى 7000 دولار سنويّاً (وهذا عوز في بلدان أخرى) منتمياً إلى «الطبقة الوسطى»، فيما، بحسب المخطّط عينه، تبدأ حدود الطبقة العليا ـــــ النخبة الأعلى ــــ،ـ من المجتمع البرازيليّ، التي تضمّ 2 في المئة من الشّعب فقط، عند ما يقارب ضعف متوسط الدّخل للفرد الواحد لدى سكّان العالم أجمع. وقد أشار مارسيو بوكمان، رئيس معهد البحوث الاقتصاديّة المطبّقة، الرّائد في البرازيل، بوضوح شديد إلى أنّ وصفاً أدقّ للطبقة الوسطى الجديدة، التي يُسرَف في الإطراء عليها، قد يكون بكلّ بساطة «طبقة الفقراء العاملين».
وأكثر عموميّةً، يجب أن يكون الاعتقاد بأنّ عدم المساواة في البرازيل قد تراجع بنحو ملحوظ، موضع شكوك، بما أنّه يرتكز على بيانات الدّخل الاسميّ التّي تستثني ـــــ بحسب القواعد الإحصائيّة القياسيّة ـــــ «أصحاب الدخل المرتفع»، أي الأثرياء المترفين، كما تتجاهل، وهي النقطة الأهم، زيادة قيمة رأس المال والتكتم على الأرباح الماليّة في قِمّة المجتمع. وتلاحظ الدراسة الرائدة المعنونة «تراجع عدم المساواة في أميركا اللاتينيّة»، من عملية المسح القياسية التي أُجريت للأُسر، أنّه «يُستخفّ كثيراً بدخل الملكيّات»: «إذا شهد الدخل الأعلى الذي يتجاهله المسح ارتفاعاً نسبيّاً كبيراً، فقد تُظهر الديناميّات الحقيقيّة لعدم المساواة الشّاملة نزعةً تصاعديّةً، حتّى عندما تبيّن التقديرات المرتكزة على المسح نتائج معاكسة». وبالتالي، يُقدَّر أنّ بين 10 آلاف و20 ألف عائلة في البرازيل تحصل على حصّة الأسد من المدفوعات السنويّة من الدين العام البالغة 120 مليار دولار (أمّا كلفة برنامج الرعاية الاجتماهية بولسا فاميليا فتبلغ بين 6 مليارات و9 مليارات دولار)، فيما تضاعف عدد أصحاب الملايين في العقد الأخير، أكثر من أيّ وقت مضى. ويجب أن يكون الازدهار المفاجئ الذي عرفته البورصة وحده تحذيراً كافياً من أيّ سذاجة متعلّقة بهذا الموضوع، فالأثرياء يدركون تماماً أين تكمن مصلحتهم. وبعكس «المَلكيّين الاقتصاديّين» الذين هاجمهم روزفلت، وكانوا يكرهون الصفقة الجديدة، أيّد معظم المموّلين والصّناعيين البرازيليين، باندفاع، حكم لولا. فلم يكُن أصحاب رؤوس الأموال أكثر وعياً للأمر من الطبقة الوسطى ـــــ الحقيقيّة ـــــ فحسب، بل شعروا بارتياح حياله أكثر من أي نظام سابق: وهو أمر منطقي تماماً إذ لم تكُن المكاسب يوماً أعلى مما سجلته في تلك المرحلة.
أمّا التفسير الثالث لنظام لولا، بعد تفسيري كاردوسو وسينجر (راجع الحلقة الثانية)، فيقضي بأن توضع هذه الفوائد في محور أيّ تحليل واقعي لنظام حكمه. ففي مجموعة من المقالات الثائرة، بلور عالِم الاجتماع تشيكو دي أوليفيرا نظرةً حول نظام لولا، تتناقض تقريباً من كل النواحي مع نظرة سنجر الذي لا يزال على علاقة طيّبة معه، بالرّغم من اختلافاتهما السّياسيّة (فدي أوليفيرا، وهو أحد مؤسّسي حزب العمّال التاريخيّين، ترك الحزب مشمئزّاً بُعيد انضمام سنجر إلى حكومة لولا). لا يناقض دي أوليفيرا توصيف صديقه لحالة الفقراء النفسيّة أو للتحسينات التي أدخلها لولا على أقدارهم. فواقع الطبقة دون البروليتارية، بحسب وصف سنجر، هو القبول بالتخفيف من قساوة ظروف الحياة تخفيفاً متواضعاً وتدريجاً من دون إثارة امتعاض الأثرياء. لكنّ تفسير سنجر يركّز بنحو حصري جداً على العلاقة القائمة بين لولا وجمهور ناخبيه، فينقصه عاملان مميّزان أساسيّان لفهم نظام لولا. الأوّل هو اللحظة التي ظهر فيها نظام لولا في تاريخ رأس المال العالمي. فقد أوقفت العولمة إمكانيّة تحقيق مشروع شامل للتنمية الوطنيّة من النوع الذي سعى إليه دوماً في البرازيل أشخاص عدّة، ليس أقلّهم لولا نفسه. والثورة الصّناعيّة الثالثة، المرتكزة على التقدّم البيولوجي والرقمي اللذين يمحوان الحدود بين العلم والتكنولوجيا، تتطلّب الاستثمار في البحوث وتفرض براءات اختراع لا تسمح بنقل سريع لنتائجها إلى أطراف النظام، أقلّه في بلد كالبرازيل، حيث لم يتخطَّ الاستثمار، حتّى في ذروة التنمويّة في عهد كوبيتشك في الخمسينيات، نسبة منخفضة تبلغ 22 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي؛ ويبقى الإنفاق على البحث والتطوير عملية استجداء.
بالتالي، بدلاً من تحقيق تقدّم صناعي إضافي، كانت نتيجة موجة الثورة التكنولوجيّة الأخيرة في البرازيل نقل تراكم رؤوس الأموال من التصنيع إلى الصفقات المالية وإلى استخراج الموارد الطبيعيّة. يُضاف إلى ذلك نموّ شديد السرعة في القطاع المصرفي يتيح النسبة الأعلى من الأرباح، وفي استخراج المعادن وتجارة المحاصيل الزراعية من أجل التصدير. وتتمثل النتيجة الأولى بالتفاف يحوّل الاستثمار عن الإنتاج، والثانية بانحسار يردّ البرازيل إلى دورات سابقة من الاعتماد على السّلع الأولية من أجل النموّ. فكان على نظام لولا أن يضبط دينامية هذين القطاعين من أجل التوصّل إلى تفاهم مع أصحاب رؤوس الأموال. وهنا يكمن العامل المميّز الأساسي الثاني، إذ كانت النتيجة تغيير البنى التي نشأ منها نظام لولا، أي حزب العمّال والاتحاد العمالي اللذين أصبحا جهاز السّلطة الذي استند إليه نظام لولا بعد 2002. وكُلِّفت قيادة الاتحاد العمالي الرئيسيّ بتولي أكبر صندوق تقاعد في البلاد، فاستوطنت كوادر حزب العمّال الإدارة الفدراليّة، حيث يحقّ للرئيس البرازيليّ تعيين أكثر من 200 ألف شخص في وظائف ذات رواتب جيّدة، وهو عدد يفوق بكثير ذاك المسموح به لمسؤول في أميركا، بحسب نظام الغنائم. لقد سُحبت هذه الطبقة الاجتماعيّة حتماً إلى داخل دوّامة الأَمْوَلة (Financialization) التي تغمر الأسواق والبيروقراطيّات معاً، فانفصلت كلياً تقريباً عن الطبقة العاملة. وأصبح أعضاء الاتحاد العمالي مديري أحد أكبر تكتّلات رأس المال في البرازيل، فبات مسرحاً لصراعات شرسة من أجل السيطرة أو التوسّع، بين مقتنصي فرص متنافسين. وصار المناضلون موظفين يستمتعون بكل مكاسب إضافية يمكن تحقيقها في مناصبهم، أو يسيئون استغلالها.
فيما تشابك منطق جديد لمراكمة الثروات مع سعي جديد لتعزيز النفوذ، تكوّنت طبقة اجتماعية هجينة ـــــ شبّهها دي أوليفيرا بخلد الماء كنوع هجين في مملكة الحيوانات ـــــ تتّخذ من الفساد مسكناً طبيعيّاً لها. فأصبح عندئذ الفقراء غير المنظّمين في الاقتصاد غير النظاميّ يشكلون قاعدة لولا الانتخابيّة. ولا يمكن لومه على ذلك أو على الشعبويّة الجديدة التي تتسم بها علاقته بهم، التي لم يستطِع تشافيز أو كيرتشنر تجنّبها. لكن بين القائد والشعب يكمن جهاز أصبح مشوّهاً. فما ينقص في تفسير سنجر هو إدراك هذا الجانب القاتم في نظام لولا، إذ إنّه أحرز نوعاً من هيمنة مقلوبة. ففيما يرى غرامشي أنّ الهيمنة في النظام الرأسماليّ الاشتراكيّ كانت السيطرة الأخلاقية التي يمارسها أصحاب الثروات على الطبقات العاملة التي تضمن قبول المهيمَن عليهم بالهيمنة، في نظام لولا، بدا كأنّ المهيمَن عليهم قد قلبوا المعادلة، فقبل المهيمِنون بقيادة الأوائل للمجتمع لكي تُثبَّت بنى استغلالهم. لم يكن تشبيه الوضع بالوضع في الولايات المتّحدة في خلال الصفقة الجديدة بالتشبيه المناسب تماماً، بل الملائم هو تشبيهه بوضع جنوب إفريقيا في ظل مانديلا وإيمبيكي، حيث أُسقط ظلم الفصل العنصريّ، وأصبح قادة المجتمع من السود، لكنّ قانون رأس المال وبؤسه كانا ثابتين أشدّ ثبات. لقد كان مصير الفقراء في البرازيل نوعاً من فصل عنصريّ أنهاه لولا، إلا أنّ التطوّر المنصف والشامل بقي بعيد المنال.
يظنّ الكثيرون، وحتّى هؤلاء الذين تشبه وجهات نظرهم السياسيّة وجهة دي أوليفيرا، أنّ هذه الصورة مبالَغ فيها، وكأنّ الجانب القاتم من نظام لولا، الذي يصعب نكرانه بذاته، قد تحوّل في وصف دي أوليفيرا إلى كسوف كامل. كيف تلقّى حزب العمّال هذا التحليل؟ لم تكد تصدر كلمة واحدة. فجزئياً، غالباً ما يقال إنّه بشخصه محبوب ومحترم لدرجة أنّ ما من أحد، ما عدا ديلوبيو وديرسو اللذين قاضياه بجرم التّشهير قبل أن يُتّهما، يريد الخلاف معه. هي مودّة برازيليّة حقيقية! لكن ماذا عن تحليل سنجر الأكثر إيجابيّةً؟ عمليّاً، ما من ردّ فعل عليه أيضاً. فبعدما تحوّل حزب العمّال إلى ماكينة للحصول على أصوات الناخبين، حافظ على معظم مناضليه وجمهور أعضائه العريض، إذ شارك نحو 300 ألف عضو في انتخابات الحزب الداخليّة الأخيرة، إلاّ أنّه خسر الجناح المؤلف من أهل الفكر، وشحّت أفكاره عموماً. ويُذكر أنّه لدى نشوء الحزب، عند منعطف ثمانينيات القرن الماضي، مثّل أهل الفكر البرازيليّون عاملاً محفزاً حيوياً في التحرّكات الضخمة ضدّ النظام العسكريّ آنذاك، وأدّوا دوراً أساسيّاً في الحياة السّياسية في المرحلة التي تلت انسحاب النظام من الساحة. لكن بعد عقد واحد، عندما تولّى كاردوسو الرّئاسة، انقسم أهل الفكر إلى معسكرَين متناوئين، بين الذين أيّدوا النظام والذين عارضوه. كان حزب العمّال حزب الأخصام الذي يتمتّع بشريحة واسعة من أكبر مفكّري البلد. وبعد عقد آخر، ظهرت خيبة الأمل مع تولي لولا السّلطة. لقد ظلّ معظم الأشخاص اللامعين الذين انتموا في السّابق إلى حزب العمّال يصوّتون له لغياب أيّ حزب أفضل منه، ولإبعاد اليمين عن الحكم، إلاّ أنّ الالتزام كان قد تلاشى. وتبيّن المظاهر جميعها أنّ الحزب لم يبالِ البتّة.
هل لذلك أهمية؟ في الستينيات من القرن الماضي، كانت الثقافة البرازيليّة متألّقة، ليس قبل الحكم العسكريّ فحسب، بل حتّى في خلاله: كرة القدم لم تتغرّب بعد، وموسيقى البوسا نوفا، والمسرح التجريبيّ، وسينما نوفو؛ هي ماركسيّة خاصة بأهل البلاد الأصليّين تنافس أيّ ماركسيّة في أوروبا ـــــ تجمع الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب والنقد الثّقافي. لكن عندما نهض البلد من الديكتاتوريّة في 1985، كانت القوّتان اللتان بدّلتا المشهد الثقافي في شمال الكرة الأرضية قد بدأتا بإعادة قولبته في البرازيل: من جهة، الأكاديميّة الحديثة مع ما تقدمه من إخضاع المهن للبيروقراطية وتخصّص للميادين؛ ومن جهة ثانية، قطاع الموضة والترفيه الذي يسوّق كل ما تقع عليه يده. إذاً لم تفلت أيّ ثقافة من نير الاحتراف والتسويق، ويرافقهما حتماً عدم التّسييس، إلا أنّ مدى هذا التغيير يتباين تبايناً كبيراً بين مجتمع وآخر. فبالمقارنة مع البرازيل منذ 50 أو 30 سنةً، يستطيع المرء أن يلمس انخفاض الزخم السياسيّ في الحياة الثقافيّة. وبالمقارنة مع أوروبا، قد تبدو قواعد العمل السياسيّ ضرباً من الخيال.
يعود ذلك جزئيّاً إلى مجرد استمرار أشخاص وأفكار من عهد سابق، على خلفيّة جامعية أقل حيوية، ولو أكثر إتقاناً من الماضي. فأنطونيو كانديدو، عميد التاريخ الأدبي البرازيلي، وأحد حجارة الزاوية الفكرية الأخلاقيّة بالنسبة إلى اليسار، لا يزال له تأثيره وهو في الثالثة والتّسعين من العمر. ومن الجيل اللاحق، يُعد روبرتو شوارز أفضل ناقد جدليّ في العالم أجمع، منذ أدورنو؛ أما تشيكو بواركي، فقد يكون مؤلّفاً متعدد المواهب فريداً من نوعه، إذ يكتب في الوقت عينه أغنيات ومسرحيّات وروايات؛ ويُنظر إلى دي أوليفيرا على أنّه العقل السّوسيولوجي الأكثر ابتكاراً في أميركا اللاتينيّة، فيما يمكن القول إنّ أمير صادر هو المفكّر السياسي المتطرّف الوحيد ذو النظرة القارّية. تبقى الوجوه الأصغر سنّاً كسنجر وبوكمان نتاج المراحل الأخيرة من الصراع ضدّ الديكتاتوريّة. أمّا على صعيد الفنّ، فلا تزال الأشكال المتفجّرة تنتَج ولو أصبحت اليوم خاضعةً أكثر إلى المحايدة أو الانحطاط في سبيل التّرفيه: فعلى سبيل المثال، تحوّلت رواية باولو لينز «مدينة الله» إلى عمل سينمائيّ رخيص، من إخراج خبير في الإعلانات المتلفزة؛ أما خوسيه باديلها، فقد تراجع مستوى أعماله من الحقائق المرّة التي عرضها في فيلمه الوثائقي «باص 174» إلى أفلام حركة من الدرجة الثانية. لكن إغراءات السوق يمكن أن تقاوَم، فالقنبلة الأدبيّة الأخيرة، رواية رينالدو مورايس الصعبة المعنونة «بورنوبوبيا» التي استهدفته مباشرةً، هضمها السوق إلى حدّ ما.
وجدت التغييرات التي تجري في هذه الحقبة مرصدها في ما يُعد اليوم المجلّة الدوريّة الفضلى في البلاد. فقد أُطلقت المجلّة الشهرية بياوي في خريف 2006، حين بدأت ولاية لولا الثانية. كان رئيس تحريرها، ماريو سيرجيو كونتي الآتي أساساً من خلفية تروتسكيّة يساريّة، يدير، في التّسعينيات، المجلّة الأسبوعيّة الواسعة الانتشار «فيغا» المرادفة البرازيلية لمجلة «إكسبريس» الفرنسيّة أو «دير شبيغل» الألمانيّة. في نهاية العقد المنصرم، استقال من منصبه وأخذ إجازة سنويّة تم التفاوض عليها مسبقاً، فكتب في خلالها، بعين المحلل الذي ينظر من الداخل، تقريراً كاملاً عن الطريقة التي دفع بها الإعلام البرازيلي كولور إلى الرئاسة في 1989، ثم خلعه في 1992 (وكان كونتي نفسه قد نشر في فيغا السّبق الصحافيّ الأساسيّ الذي تسبب في خلعه). يتّسم كتاب كونتي «أخبار عن الاستقرار» بحيويّة سرديّة خالصة، ويضم مجموعة كبيرة من الشخصيّات من كل المستويات، ويتميز بكثافة التفاصيل، وأخيراً وليس آخراً بنهاية دراماتيكية؛ فالكتاب أشبه بوثائقيّ بقلم الفرنسي بالزاك. فهو لا يستثني أحداً، من مالكي وسائل الإعلام إلى المعلّقين فالمراسلين، بل يخالف أحد المحرّمات الأساسية في الصحافة، ذاك القائل إنّ اللص لا يسرق لصاً. ويضمّ بين الحين والآخر شكاوى رجعيّة يرفعها صحافيون على مالكي وسائل الإعلام. هل هو معرض يكشف وجوه الصحافيّين أنفسهم؟ لم تصل درجة السخرية إلى الحد الذي بلغه الهزء الذي اعتمده الفرنسي البريطاني بيللوك في كتاباته. ويُذكر أنّه قبل نشر كتاب «أخبار عن الاستقرار»، أراد القطب الإعلامي روبيرتو سيفيتا، صاحب الامبراطوريّة الإعلاميّة التي تملك مجلّة فيغا، أن يعيد كونتي إلى حظيرته، فوافق على مضض على السماح له بأن يطلق مجلّة دوريّة تتميز بطموح فكريّ أعلى، وتتوجه إلى شريحة قرّاء أصغر، مقتنعاً بأنّها لن تحقق له مكاسب مالية أبداً. فمضت الاستعدادات للمشروع قدماً، إلاّ أنّ سيفيتا أوقفها فوراً عندما اطّلع على كتاب «أخبار عن الاستقرار».
بعد خمس سنوات، عندما كان كونتي يعمل مذيعاً في باريس، التقى، عبر أصدقاء مشتركين، بوريث إحدى أكبر الثروات المصرفيّة البرازيليّة، وهو جواو موريرا ساليز. ساليز مُخرج يحسن التمييز أكثر من شقيقه الأكبر الأشهر منه، وصاحب الكتابين الترفيهيّين «المحطّة المركزيّة» و«مذكّرات درّاجة ناريّة». فالطريقة التي صوّر فيها جواو الرئيس لولا ما وراء الكواليس في خلال حملة 2002 بعنوان « أنترياتوس»، تعد تحفة في غموضها، إذ يمكن أن تُقرأ على حد سواء كثناء معجَب بحيويّة المرشّح وبدماثته، وكتصوّر مسبق لمشاهد مقلقة عن تآكل السّلطة المتوقع. وكان موريرا ساليز، الذي يفكّر أيضاً في إطلاق مجلّة، قد سمع بفكرة كونتي، وبعد مناقشتها، لم يوافق على تمويلها فحسب، بل أراد أن يعمل فيها تحت إدارة كونتي، وهو تدبير غير اعتياديّ بالنسبة إلى مليونير يملك مجلّةً. أصرّ فقط على أن تُحرّر المجلّة في ريو، لتشكيل ثقل مواز لتركّز الحياة الفكريّة المفرط في ساو باولو، بعد انتقال رؤوس الأموال إلى داخل البلد. بدت المجلّة الصادرة عن هذا الاتفاق متميّزة الأسلوب، ونُظر إليها أحياناً كنوع من مجلّة «نيويوركر» الاستوائيّة. ومع أنّها لا تقل عنها نباهة، لا تختلف عنها من حيث التّصميم فحسب، إذ تُطبع على ورق غير أملس بحجم أكبر، بل من حيث الرّوح أيضاً كما يشير اسمها. فقد اختيرت بياوي، وهي إحدى أفقر الولايات في شمال شرق البرازيل وتُعد نموذجاً عن الريفيّة المتخلّفة، لتكون نقيضة لمانهاتن بنحو يثير السخرية. وإذ كان حاكم المقاطعة الذي يعيش في جو من الترف غير مطّلع على سمعة ولايته، نزل في الوقت المناسب لزيارة المجلة برفقة مواكبة ضخمة، فشكر محرّريها بحرارة، بالطريقة البرازيليّة النموذجية، على منحهم ولايته هذا التميّز الذي تستحقّه.
ما تقدّمه مجلّة «نيويوركر» اليوم هو في الغالب أحادية تفكير تكثر من المواعظ تحت غطاء الدنيويّة الخدّاع الذي ما زالت تتظاهر به. أمّا «بياوي»، فلاذعة أكثر من الأولى ويصعب تصنيفها أكثر منها. فتكفي مقارنة صورة رئيس أميركا المتدفّقة عاطفةً التي قدّمها رئيس تحرير «نيويوركر» (البداية: «هكذا بدأت رواية قصّة بدّلت أميركا...»؛ والختام: «أوباما الذي أحنى رأسه ليصلّي، انفرج في ابتسامة عريضة... وقلنا آمين ثلاث مرّات») بالتغطية المهلكة التي قدمتها نخبة البرازيل في مجلّة «بياوي». لقد طوّرت المجلّة الطريقة المعتمدة في تصوير الشخصيات، فلم تعد جامدة خالية من التعبير، بل أضحت فنّاً يلحق الأذى بالشخصيات التي يتناولها أكثر مما يمكن أن يتسبب فيه الحطّ من سمعتها يوماً. ومن بين الضحايا، كاردوسو وديرسو وسيرّا، بالإضافة إلى مارسيو توماس باستوس، وهو وزير العدل حتّى 2007 الخاضع بنحو ذليل للولا، وإلى ميشال تامر النائب عن روسيف. وقد كشفت المجلة، باللهجة نفسها التي تخلو من أي عاطفة، عن أفظع المراحل والثّغر في الحياة العامة، كالشّجارات الماليّة والخداعات التشريعية والشّناعات القانونيّة.

* أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلس، عن مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» (ترجمة جورجيت فرشخ فرنجية)