لم تكن أكاذيب الادارة الاميركية في الحديث عن وجود اسلحة الدمار الشامل في العراق، وعن علاقة النظام السابق للاحتلال بالقاعدة، هي الاكاذيب الوحيدة التي استخدمها المجمع الصناعي ــ العسكري ــ النفطي ــ المصرفي المتحكم بالقرار الاميركي لتبرير غزو العراق، وفرض الحصار على شعبه في حرب استمرت اكثر من 13 عاماً. فقوى الهيمنة والاحتلال الاستعمارية إذا قررت غزو بلد ما، لا تحتاج إلى ذرائع ومبررات، لأنّها قادرة دوماً، بما تملكه من قدرات ووسائل، على اختلاق هذه الذرائع وافتعال تلك المبررات من أجل تحقيق غاياتها.


ولعل إطلالة سريعة على حروب الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، تكشف لنا بوضوح صحة هذه المعادلة.
فالحرب الأميركية على إسبانيا في 1898 للاستيلاء على جزر البحر الكاريبي بدأت بذريعة تفجير الإسبان لسفينة أميركية، ليتبيّن بعد 82 عاماً، وبموجب اعتراف أميركي، أنّ لا علاقة للإسبان بذلك التفجير، إنما السبب انفجار محركات داخل السفينة ذاتها.
الدخول الأميركي إلى الحرب العالمية الأولى في 1915، حصل إثر تعرض الألمان للبارجة الاميركية لوسيتانيا، وتدميرها ليتبيّن في ما بعد أنّ السلطات الأميركية قد سربت معلومات لجيش الرايخ الثالث عن تلك البارجة لتدميرها، وقتل كل البحارة الأميركيين الذين كانوا بداخلها، لإيجاد مبرر للانخراط في الحرب العالمية ضد دول المحور آنذاك.
أما معركة بيرل هاربر في 1941 التي دخلت بسببها واشنطن الحرب العالمية الثانية ضد اليابان وألمانيا وإيطاليا، فقد ظهر لاحقاً أنّ القيادة الأميركية العليا كانت تملك معلومات دقيقة عن موعد الهجوم وحجمه قبيل وقوعه، لكنّها لم تضع القيادة المركزية في هاواي في صورة المعلومات لتفادي الخسائر الكبيرة الناجمة عنه، وبشهادة قائد الموقع نفسه في ما بعد.
لم يكن الأمر مختلفاً في أمر غزو كوبا في مطلع الستينيات، المعروف بخليج الخنازير، فقد كشفت وثيقة للاستخبارات المركزية الأميركية (تمّ الكشف عنها بعد مرور المهلة المعروفة على إبقائها سرية) عن أنّها (أي الاستخبارات الأميركية) قد وضعت جملة سيناريوهات تبرّر غزو كوبا، منها تفجير سفينة أميركية قرب الساحل الكوبي، واتهام فيديل كاسترو بها، أو شن هجوم على مخيمات اللاجئين الكوبيين في ديامي، وقتل عدد منهم والإيحاء بدور كوبا في ذلك، أو، وهو الأخطر، تحضير طائرة دون طيار تحمل رقم طائرة مدنية ونوعها وتنطلق في التوقيت ذاته، فيصار إلى إنزال الطائرة المليئة بالركاب بأسمائهم المستعارة، ثم يجري تفجير الطائرة الأخرى بدون طيار واتهام السلطات الكوبية بذلك.
ولعلّ الفضيحة الأكبر كانت في السبب الذي شنّت من أجله واشنطن حربها على فييتنام، حين ادعى وزير الدفاع آنذاك، روبرت ماكنمارا، أنّ الفييتناميين قد أغرقوا سفينة أميركية، مادوكس، في خليج تونكين الفييتنامي، وانتزعت شهادة حكومة سايغون العميلة المؤيدة لاتهامهم، فكانت حرب مديدة قتل فيها 4 ملايين فييتنامي وعشرات الآلاف من الأميركيين ليخرج ماكنمارا ذاته، بعد 40 سنة، ويعلن أنّه لم تكن هناك سفينة أميركية في خليج تونكين، تماماً كما خرج كولن باول وزير الخارجية الأميركي بعد خمسة وأربعين سنة على حادثة الخليج تلك ليعتذر عما قدّمه من أفلام ووثائق عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق.
ولعل العراق كان الأكثر عرضة لهذا النوع من الأكاذيب تبريراً للحرب عليه، أبرز تلك الأكاذيب إبلاغ واشنطن للرياض عن وجود 250 ألف جندي عراقي مع دباباتهم على الحدود الكويتية ــ السعودية في 1990، بهدف الغزو، وذلك لإفساح المجال للبنتاغون أن يقيم قواعده العسكرية في السعودية ودول الخليج، ليتبيّن في ما بعد، وفي صور التقطتها أقمار صناعية، أنّه لم تكن هناك دبابة واحدة أو آلية أو رجل واحد على تلك الحدود، ومن تلك الأكاذيب شهادة ممرضة كويتية في واشنطن عن وحشية الجنود العراقيين وقتلهم لأطفال رضّع في مستشفى كويتي، وظهر في ما بعد أنّ تلك الممرضة لم تكن إلاّ ابنة سفير الكويت في الولايات المتحدة الأميركية آنذاك، وأنّ الشهادة برمتها كانت من صنع إحدى أكبر الشركات الإعلامية الأميركية (هيل ونولتون). كذلك كان لشركة مماثلة دور في ترتيب تظاهرة صغيرة جاءت إلى بغداد وعملت على تحطيم نصب للرئيس العراقي صدام حسين، بل ليقول البعض إنّ المشهد كلّه كان مصوراً قبل حدوثه، ليكون جزءاً من الحرب الإعلامية التي أسقطت العاصمة العراقية قبل سقوطها فعلاً.
أما في أفغانستان، فلقد كشفت وثائق أميركية عدّة أنّ خطة الهجوم عليها قد أعدت قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وأنّها كانت موضوعة على طاولة بوش الابن في 10 أيلول/سبتمبر، وقد وضعتها شركة النفط الشهيرة UNOCAL بعد فشل مفاوضاتها مع طالبان للسماح لها بإنشاء خط أنابيب غاز من دول بحر قزوين إلى المحيط الهادئ. يومها قال مسؤولو الشركة لطالبان: إما أن نغطيكم بالذهب أو بالموت، ما عليكم إلا الاختيار. والجدير بالذكر أنّ حميد قرضاي رئيس أفغانستان ما بعد الاحتلال، كان أحد أبرز مستشاري الشركة التي أضافت مع شقيقاتها مصطلح النفطي إلى جانب مصطلح المجمع العسكري الصناعي الذي حذّر منه الرئيس إيزنهاور يوماً ليصبح اليوم المجمع العسكري ــ الصناعي ــ النفطي ــ المصرفي.
إنّ التذكير بهذه الأحداث، ومعها حادثة رواية محاولة اغتيال السفير الصهيوني في لندن لتبرير الغزو الصهيوني للبنان في 1982، هو مسألة بالغة الأهمية لقراءة ما يدور حولنا، خصوصاً حول سوريا، والتنبه إلى اللعبة الإعلامية ــ الاستخبارية الخطيرة الجارية والتي تسعى دون شك إلى استغلال مطالب مشروعة للشعب السوري لتحقيق أهداف غير مشروعة.
واكاذيب الادارة الاميركية لم تكن الشيء الوحيد الذي اظهرته الحرب على العراق، بل كشفت تلك الحرب عن العلاقة بين الاحتلال والفساد، بل بينهما وبين الاستبداد وملحقاته من اغتيالات واعتقالات وتعذيب وتزوير وتهجير.
فالمواطن الأميركي يتساءل مثلاً عن مصير 20 مليار دولار ضخّتها حكومته من خزينة بلاده لإنشاء «مدارس وطرق ومستشفيات وكهرباء ومياه» في العراق، حسبما قال بوش يومها، فإذ بها تختفي خلال أشهر قليلة دون أن يحصل العراقيون على أي من الخدمات الموعودة، بل دون أي محاسبة قانونية لآلية الإنفاق. فشهد العالم أجرأ عملية نصب واحتيال عالمية كان مهندسها الأول بول بريمر والمستفيدون الرئيسيون منها شركة (هاليبرتون) التي كان ديك تشيني احد كبار العاملين فيها، بالإضافة إلى رونالد رامسفيلد وزير الدفاع آنذاك ومعه ضباط ومستشارون كبار أطلقوا معادلة « Cost +» أي الكلفة زائد نسبة من الأرباح، وذلك من اجل نهب موارد العراق ومال دافع الضريبة الأميركية بحجة الحرب في العراق. فحققت مثلاً الشركة المحظية أرباحاً بقيمة عشرة مليارات دولار ونصف المليار خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو رقم لم تحقّقه شركة أميركية أخرى ما عدا شركة «اكسون» النفطية في ظرف آخر.
وكما كان الراعي الأكبر فاسداً، فإنّ الرعاة المحليين الأصغر تمثلوا به ونهبوا لحساب اسيادهم المحتلين خيرات العراق على نحو غير مسبوق، جعل من بلدهم، الذي كان محصناً ضد الفساد على مدى عقود، مع أفغانستان، على رأس لائحة البلدان الأكثر فساداً. ولعل ما تتعرض له «هيئة النزاهة» في العراق من قتل لموظفيها وتفجير لمبناها، وسرقة لوثائقها هو اسطع دليل على مدى تغلغل الفساد العراقي منذ الاحتلال.
طبعاً هناك حقائق اخرى كشفتها تلك الحرب، وهي علاقتها بالمشروع الصهيوني ومخططاته الرامية إلى تفتيت المنطقة وتحويلها مسرحاً لفتن عرقية وطائفية ومذهبية، كما عن تبعية ما يسمى «المجتمع الدولي» للقرار الاميركي والسعي لتغطيته وتكريس مفاعيله، وكلّها حقائق تحتاج إلى كلام آخر، في مجال آخر.

* رئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي