في زيارة شبيهة لزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» السابق، خالد مشعل، إلى قطاع غزة عام 2012، يصل نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، صالح العاروري، للمرة الأولى إلى غزة، وذلك ضمن وفد من المكتب السياسي لـ«حماس» الموجود في الخارج والضفة، ويضم موسى أبو مرزوق وعزت الرشق وحسام بدران، من أجل لقاء قيادات الحركة في الداخل، واتخاذ قرار بما يتعلق بالهدنة التي يجري التفاوض غير المباشر عليها مع العدو في العاصمة المصرية القاهرة. القرار ستشارك «الشورى» (برلمان «حماس») أيضاً في التصويت عليه، ووفق مصادر مقربة من الحركة، يدور «الاتفاق حول هدنة لخمس سنوات، وسيطبق على مراحل». لكنّ الوفد الزائر تعرض للتأخير في الدخول حتى ساعات متأخرة من مساء أمس، وذلك في ظل طلب الجانب المصري تفتيش الموكب، وفق ما أفادت به مصادر فلسطينية.

تقول المصادر لـ«الأخبار»، إن المرحلة الأولى تبدأ خلال أسبوع، وهي «إنهاء الاستفزازات على الحدود، أي ظاهرة الطائرات الورقية الحارقة وعمليات اختراق الحدود وحرق المواقع الحدودية على يد الشبان، مقابل إعادة فتح معبر كرم أبو سالم مع فلسطين المحتلة، وفتح معبر رفح (مع مصر) بصورة دائمة». تليها المرحلة الثانية التي تتضمن «تحسين الظروف المعيشية وفك الحصار كلياً عن سكان القطاع، والسماح بدخول البضائع كافة وزيادة التيار الكهربائي عبر الخطوط الإسرائيلية». أما في الثالثة، «فتطبق الأمم المتحدة تعهداتها بتنفيذ مشاريع إنسانية كانت قد طرحتها، مثل إنشاء ميناء (في الإسماعيلية في مصر) وتشغيل مطار على الأراضي المصرية، إضافة إلى بناء محطة كهرباء في سيناء، ثم إعادة إعمار القطاع».
وهذه النقاط سبق أن طرح مبعوث الأمم المتحدة لـ«عملية السلام» في الشرق الأوسط، نيكولاي ميلادينوف، جزءاً منها على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، في الأسبوع الماضي، بهدف منع التصعيد بعد استشهاد مقاومين عقب قصف العدو نقطة لـ«الرصد الميداني». وفق المعلومات، قدم ميلادينوف حينذاك عرضاً ينفذ على 3 مراحل تبدأ بفتح «كرم أبو سالم» وزيادة مساحة الصيد في بحر القطاع، وبعدها زيادة الكهرباء بتأمين أربع ساعات إضافية، وتقديم مساعدات بقيمة 31 مليون دولار من قطر، وتأمين 91 مليوناً لدعم وكالة «الأونروا»، وزيادة 10 ملايين دولار شهرياً على رواتب السلطة لتصبح نسبة ما يستلمه موظفوها 80% بدلاً من 50%، وليس أخيراً حلّ مشكلة رواتب موظفي «حماس»، لكن بعد شهرين.

سبق أن طرح نيكولاي ميلادينوف جزءاً من النقاط على إسماعيل هنية


وكان الردّ الحمساوي أن هذا «العرض لا يرتقي إلى تضحيات سكان القطاع»، وأن الحركة تريد حلاً فورياً لرواتب موظفيها إضافة إلى تأمين ممر بحري إلى قبرص من دون رقابة إسرائيلية. لكن بعد لقاءات القاهرة، وزيارة ميلادينوف إليها قبل أيام، تبلور التصوّر النهائي للهدنة، ولذلك تأتي الزيارة الحالية للوفد، خصوصاً أن جهاز «الاستخبارات العامة» المصرية لا يزال يمانع إجراء قيادة المكتب السياسي في غزة جولة خارجية. وعلمت «الأخبار» أن هذه الزيارة يواكبها «استنفار عسكري لكتائب القسام تحسباً من أي غدر إسرائيلي»، مع أنه ثمة اتفاق بين الأذرع العسكرية للمقاومة على «إتاحة المجال للجسد السياسي لإيجاد حلّ للحصار المفروض على غزة من دون اللجوء إلى معركة». وقالت مصادر في «حماس» إن «هناك موافقة مبدئية أعطتها الحركة حول خريطة الطريق المصرية والدولية للتهدئة في القطاع، لكنها طلبت إمهالها حتى انتهاء اجتماع مكتبها السياسي للبدء في المفاوضات النهائية».
ومن المتوقع أن تعقد الاجتماعات الحمساوية في اليومين المقبلين، وذلك في الوقت الذي سيصل الردّ الإسرائيلي على قرار الهدنة بعد اجتماع لـ«المجلس الأمني الوزاري المصغر» (الكابينت) يوم الأحد المقبل، وعُلِم أن رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، أجّل زيارته إلى أميركا اللاتينية، من أجل الرد على المبادرة المصرية ومتابعة «تطورات الجبهة الجنوبية». كذلك، نقل موقع «المصدر» الإسرائيلي المقرب من «الشاباك»، أن «المحادثات في مصر وصلت إلى مرحلة متقدمة ولكن ما زال هناك بعض النقاط التي تشكل عائقاً في الطريق إلى اتفاق»، مضيفاً أن إسرائيل «تعبيراً عن رغبتها في التوصل إلى اتفاق... وعدت مصر ومبعوث الأمم المتحدة، بعدم إلحاق ضرر بالعاروري أثناء زيارته غزة». وأوضح الموقع أن «هناك فجوات كبيرة في عدد من المواضيع، (لكن) هناك جهات يمينية في حكومة نتنياهو تسمح له بالتقدم بهذا الاتجاه من دون توجيه انتقادات إليه».
أما في ملف الأسرى، فأكدت مصادر فلسطينية أن هذا «الملف سيعاد البحث فيه من جديد، وأن عملية تبادل للأسرى يمكن أن تُجرى خلال الهدنة، على أن يبدأ البحث بالموضوع بعد شهرين من الاتفاق»، مضيفة أن «على العدو إطلاق سراح صفقة شاليط، قبل المباشرة بأي تفاوض حول عملية التبادل». ويؤكد أغلب المعنيين أن جميع القوى اتفقت على الهدنة، لكن التخوّف هو من رد فعل السلطة التي قد تعرقلها، خصوصاً أنه في إحدى مراحل الاتفاق ستحوّل رواتب موظفي «حماس» من المقاصة (الضرائب الفلسطينية التي تجمعها إسرائيل لمصلحة السلطة) مباشرة إلى غزة. وقبل أن يصير هذا السيناريو نافذاً، أبلغ المصريون وفد «فتح» في القاهرة أن «المصالحة هي بوابة السلطة والواجهة الرسمية لاتفاق الهدنة ولعودتها إلى غزة، وفي حال رفضها (السلطة) السير فيها، فإنه سيُصار إلى تخطيها وفك الحصار عن القطاع من دونها».



عباس يأكل من حصة غزة في حكومة «الوفاق»
لا يزال رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يسير في خطى أحادية تجاه قطاع غزة والمصالحة الفلسطينية، إذ أجرى تعديلاً وزارياً محدوداً على حكومة «الوفاق الوطني»، معيّناً المتحدث السابق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، وزيراً للإعلام ونائباً لرئيس الوزراء، وهو ما يعني قضم حقوق غزة في مجلس الوزراء، إذ كان هذا المنصب حكراً لوزراء القطاع كنوع من التوازن الجغرافي، وكان يشغله أخيراً زياد أبو عمرو الذي خرج من مجلس الوزراء ليكتفي بعضوية «اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير». وعقّب رئيس الحكومة، رامي الحمدالله، على هذا التغيير بالقول في لقاء أمس، إن «التعديل الوزاري محدود، وقد تكلمنا عن تعديل واسع مرات عدة، لكن ننتظر أن تكون هناك مصالحة حقيقية... التعديل جاء لأن وزارة الإعلام بحاجة إلى وزير للإشراف عليها».
في الإطار نفسه، أصدر عباس قراراً بإقالة رئيس «هيئة شؤون الأسرى» (التي كانت وزارة)، عيسى قراقع، على خلفية موقفه من الإضراب المفتوح الذي خاضه الأسرى في سجون الاحتلال قبل عام تقريباً، ورفضه موقف السلطة من الإضراب، وأيضاً رفضه قطع رواتب الأسرى الغزيين.